هل الدول مستعدة لرفع أميركا أسعار الفائدة؟
آخر تحديث: 2015/9/28 الساعة 18:43 (مكة المكرمة) الموافق 1436/12/15 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/9/28 الساعة 18:43 (مكة المكرمة) الموافق 1436/12/15 هـ

هل الدول مستعدة لرفع أميركا أسعار الفائدة؟

شانغ جين وي

منافع رفع الفائدة ومساوئ تأخيره
أسعار الصرف وعلاقتها باستيعاب الصدمات
مراجعة مؤشر كفاية الاحتياطي النقدي

كان احتمال رفع مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ عشر سنوات سببا في إصابة الأسواق الناشئة بالتوتر الشديد على مدى أسابيع. ورغم أن المركزي الأميركي قرر الإبقاء على سعر الفائدة دون تغيير، فإنه أشار أيضا إلى أن رفع الفائدة لا يزال مطروحا على الطاولة للعام 2015.

ومنبع القلق هنا هو أن البلدان التي تعتمد على التدفقات المالية الأجنبية ربما تتضرر بشدة نتيجة النزوح المفاجئ لرؤوس الأموال من أسواقها، أو أن يتسبب خفض قيمة العملة بعد رفع الاحتياطي الفدرالي للفائدة في زيادة تكاليف خدمة الديون على البلدان والشركات.

ومن الحكمة أن تخفض حكومات العالم النامي من قلقها بشأن تغير أسعار الفائدة في أميركا -والتي لا يمكنها السيطرة عليها في كل الأحوال- وأن تفكر بشكل أكثر عمقا في تغيير السياسات الممكن تنفيذها في الداخل من أجل تعزيز مرونة اقتصاداتها.

إن زيادة أسعار الفائدة في الولايات المتحدة ليست بالضرورة أنباء سيئة بالنسبة للبلدان الناشئة، فالعديد من البلدان الصاعدة -وخاصة في آسيا- في حال أفضل كثيرا من ناحية الاقتصاد الكلي مقارنة بما كانت عليه قبل الأزمة المالية الآسيوية في آخر تسعينيات القرن الماضي أو مع بداية الأزمة المالية العالمية في العام 2008.

من غير المرجح أن يرفع الاحتياطي الفدرالي أسعار الفائدة إلا إذا ارتأى أن نمو الاقتصاد الأميركي قوي ومستدام، وهي إشارة إيجابية بالنسبة للاقتصاد العالمي عموما. وعلاوة على ذلك، لا يخلو التأخير في رفع أسعار الفائدة من المخاطر، فهو يشجع المستثمرين المتعطشين للعوائد على خوض مجازفات أكبر

فوائد رفع الفائدة ومساوئ تأخيره
ومن غير المرجح أن يرفع الاحتياطي الفدرالي أسعار الفائدة إلا إذا ارتأى أن نمو الاقتصاد الأميركي قوي ومستدام، وهي إشارة إيجابية بالنسبة للاقتصاد العالمي عموما. وعلاوة على ذلك، لا يخلو التأخير في رفع أسعار الفائدة من المخاطر، فهو يشجع المستثمرين المتعطشين للعوائد على خوض مجازفات أكبر، بل وربما يستلزم هذا الأمر تغييرا أكثر حدة أو أكثر مفاجأة في أسعار الفائدة في المستقبل.

وبوسع البلدان الناشئة أن تعمل على تعزيز قدرتها على التكيف مع تقلبات أسعار الفائدة العالمية عبر اتباع سياسات مالية ونقدية سليمة، والاستمرار في تنفيذ الإصلاحات البنيوية الضرورية، وتعزيز أنظمتها المالية. وتشير البحوث الحديثة إلى أربعة مجالات متعلقة بالسياسات يتعين على الحكومات أن تفكر في التدخل فيها.

فبادئ ذي بدء، ينبغي للبلدان أن تتبنى السياسات التي تفضل الاستثمار المباشر الأجنبي على التدفقات التي يمكن سحبها بسرعة أكبر مثل القروض البنكية الأجنبية أو الاستثمارات في الأسهم. والواقع أن البحث الذي أجريته مع هوي تونغ من صندوق النقد الدولي يظهر أنه عندما تألف البلدان تدفقات رأس المال إليها في الأساس متأتية من الاستثمار الأجنبي المباشر فإن تلك البلدان تكون أكثر صمودا وقدرة على التكيف مع الصدمات المالية الخارجية.

وعندما اندلعت الأزمة المالية العالمية كانت البلدان التي يمثل الاستثمار المباشر الأجنبي نسبة كبيرة ضمن إجمالي تدفقات رأس المال فيها، فإن تلك البلدان عاشت أوقات أقل سوءا فيما يخص شح السيولة.

أسعار الصرف وعلاقتها باستيعاب الصدمات
ثانيا، لا بد أن تعكس أسعار الصرف الأسس الاقتصادية القائمة، ولكن في الوقت الذي تقول فيه النظرية إن أسعار الصرف المرنة تساهم في تخفيف الصدمات النقدية أو المالية الخارجية، فإن الممارسة العملية تفيد بأنه نادرا ما تنجح مثل تلك الأنظمة المرنة بمفردها.

كما أظهر بحث أجريته مع هان تشو هوي من بنك التنمية الآسيوي أن أغلب البلدان الصاعدة تميل إلى الاقتداء بقرار واشنطن عندما ترفع أو تخفض أسعار الفائدة، وذلك حتى عندما تتبنى أسعار صرف مرنة. والسبب الرئيسي وراء هذه التبعية هو أنها تريد تجنب التقلبات الكبيرة في قيمة عملاتها. ومن الممكن أن تلحق زيادة قيمة العملة الضرر بالقدرة التنافسية، في حين قد يؤدي خفض القيمة إلى زيادة تكلفة خدمة الديون بالعملة الأجنبية، ويؤدي أيضا إلى تآكل ثقة الأسواق وارتفاع معدل التضخم.

وأبرز الاستثناءات من هذا التوجه يتمثل في الدول التي تدير تدفقات رأسمالية عابرة للحدود، خاصة انكشاف قطاع الشركات على الديون المسعرة بالعملات الأجنبية. والواقع أن أنماطا معينة من إدارة تدفقات رأس المال -بما في ذلك تقليص الديون المحلية المقومة بالعملة الأجنبية لكل من الشركات والأسر- أثبتت قدرتها على زيادة المرونة.

لم يعد من المناسب الحكم على مدى كفاية الاحتياطي النقدي لأي دولة استنادا إلى عدد الأشهر التي يمكنها تغطيتها فيما يخص تمويل الاستيراد. والسؤال الواجب طرحه بدلا من ذلك هو ما إذا كان الاحتياطي النقدي قادرا بطريقة مريحة على سداد فوائد ديون القطاعين العام والخاص المقومة بالعملات الأجنبية

وثالثا، تعمل سياسات التحوط الكلي والجزئي المحلية على زيادة مرونة الاقتصاد، وينبغي لهذه السياسات أن تستهدف الحد من أو إزالة الهوة بين الأنشطة المفيدة للأفراد والبنوك والشركات، وتلك التي تعود بالفائدة على المجتمع ككل.

من الأمثلة على هذه السياسة ربط نسب الاحتياطي الإلزامي للبنوك بالسرعة التي تتوسع بها القروض أو بالمرحلة التي تمر بها دورة الأعمال. وبالتالي فأثناء فترات التوسع أي عندما تكون البنوك حريصة على العثور على مقترضين في وضع أكثر خطورة ترتفع نسبة الاحتياطي الإلزامي، مما يحد من فقاعات الأصول المربكة أو فرط الاستثمار.

وبالنسبة للبلدان القادرة على وضع وتنفيذ التشريعات الاحترازية، فإن إدارة تدفقات رأس المال العابرة للحدود تصبح أقل فائدة وبالتالي تقل الرغبة في تنفيذها.

مراجعة مؤشر كفاية الاحتياطي النقدي
وأخيرا، لم يعد من المناسب الحكم على مدى كفاية الاحتياطي النقدي لأي دولة استنادا إلى عدد الأشهر التي يمكنها تغطيتها فيما يخص تمويل الاستيراد. والسؤال الواجب طرحه بدلا من ذلك هو ما إذا كان الاحتياطي النقدي قادرا بطريقة مريحة على سداد فوائد ديون القطاعين العام والخاص المقومة بالعملات الأجنبية.

من المؤكد أن الولايات المتحدة ستبدأ في إعادة أسعار الفائدة إلى مستوياتها الطبيعية عاجلا أو آجلا تبعا لحاجياتها. ومن الأهمية بمكان أن تركز الدول الأخرى على السياسات القادرة على تعزيز مرونتها وقدرتها على الصمود في مواجهة الصدمات المالية أو النقدية الأجنبية.
ـــــــــــــ
كبير الاقتصاديين في بنك التنمية الآسيوي، ورئيس قسم البحوث الاقتصادية والتعاون الإقليمي في البنك.

المصدر : بروجيكت سينديكيت