بكر ياسين اشتية

الواقع الاقتصادي والاجتماعي
الطبقة الوسطى وتكافؤ الفرص
الاختلال الديمغرافي لصالح الاحتلال
ما بين الثورة والدولة

رغم شح الإحصاءات الرسمية المتعلقة بهجرة فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الخارج، إلا أنني أتلمس ومن خلال احتكاكي وتواصلي مع فئة طلبة الجامعات الفلسطينية زيادة مطردة في نسب الخريجين الذين انتهى بهم المطاف خارج حدود الوطن.

ولا يخفى على أحد التراجع الملحوظ في الطاقة الاستيعابية لسوق العمل في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، ناهيك عن الشعور المتزايد بانسداد الأفق السياسي بشقيه الداخلي من جهة، والفلسطيني الإسرائيلي من جهة أخرى، فمن يتحمل مسؤولية تفريغ الأراضي المحتلة من عناصرها الشابة؟

تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني للعام 2014 إلى ارتفاع واضح في معدلات البطالة لدى الشباب الفلسطيني من 31% إلى 39% بين عامي 2005 و2014 على التوالي، فيما بلغت تلك النسبة 56% بين فئة الشباب من حملة الشهادات الجامعية. كما بلغت نسبة الفقر لديهم 29% وفقا لآخر تقديرات.

الواقع الاقتصادي والاجتماعي
ومن اللافت هنا أن نجد أكثر من 13 ألف فلسطيني من حملة الشهادات الجامعية عمالا داخل اقتصاد الكيان الإسرائيلي (يشكلون 12% من مجموع العمالة الفلسطينية في إسرائيل)، والذي بات يشكل الملاذ الأخير لأكثر من مئة ألف داخل جديد لسوق العمل في العام 2014، الأمر الذي يعزز حقيقة أن معدلات البطالة بين خريجي الجامعات يبلغ ضعف ونصف معدلات البطالة بين فئة غير المتعلمين.

وأشارت بيانات مسح العنف إلى أن 21% من الشباب الفلسطيني قد تعرضوا على الأقل لشكل واحد من أشكال العنف الأسري أو المجتمعي.

أكثر من 13 ألف فلسطيني من حملة الشهادات الجامعية عمال داخل اقتصاد الكيان الإسرائيلي، ويشكلون 12% من مجموع العمالة الفلسطينية في إسرائيل، والذي بات يشكل الملاذ الأخير لأكثر من مئة ألف داخل جديد لسوق العمل في العام 2014

وبالنظر لواقع الهجرة المتزايدة لدى الشباب الفلسطيني للخارج، نجد أن 42% من مجموع المهاجرين هم من حملة الشهادات الجامعية، الأمر الذي يمكن تصنيفه تحت بند هجرة العقول والكفاءات. وتشير بعض التقارير إلى أن أكثر من 50% من المهاجرين الشباب كانوا قد هاجروا طلبا للعلم، واستقر بهم الحال للعمل والإقامة في بلد المهجر.

من كل ما تقدم أرى التساؤل مشروعا حول كل من العوامل الذاتية وتلك المتعلقة بظروف الاحتلال، والتي تجعل من الأراضي الفلسطينية مقبرة لطموحات وأحلام الشباب الفلسطيني، والتي تحول دون قدرتهم على تحقيق ذاتهم في عمارة أرضهم والرباط عليها.

الطبقة الوسطى وتكافؤ الفرص
من الملاحظ في هذا الإطار الاختلال الهيكلي في تركيبة أنماط الاستهلاك الفردي بين الأسر الفلسطينية عن تلك التي سادت المناطق الفلسطينية في فترة ما قبل أوسلو، الأمر الذي كرس ثقافة الطبقية الاجتماعية بدعم من فئات المحتكرين وأصحاب الوكالات الحصرية من جهة، وطبقة مراكز القوى السياسية والأمنية والتنظيمية من جهة أخرى.

وتفيد كافة البيانات والتقديرات الإحصائية بتزايد اتساع الهوة بين فئات المجتمع الفلسطيني باتجاه تراجع مؤشرات عدالة توزيع الدخل، فيكفي أن نعرف أن متوسط إنفاق أغنى 10% من الفلسطينيين يعادل خمس مرات إنفاق أفقر 10% منهم، وأن بعض موظفي الإدارات العليا في مؤسسات السلطة الفلسطينية يتقاضون مئة مرة أكثر من الحد الأدنى للأجور، و45 مرة من المتوسط العام للأجور.

تلك الحقائق والأرقام عززت التفاوت الملحوظ في كل من مستويات الدخل وأنماط الاستهلاك، وساعدت على ذوبان الطبقة الوسطى، وأذكت الشعور العام لدى الشباب الفلسطيني بتراجع تكافؤ الفرص لديهم في التوظيف والتشغيل والحياة الكريمة لصالح ثقافة الواسطة والمحسوبية.

الاختلال الديمغرافي لصالح الاحتلال
بالرجوع إلى تعدادات السكان والمساكن في قواعد بيانات كل من الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وجهاز الإحصاء الإسرائيلي وبعض البيانات الصادرة عن مؤسسات غير حكومية في الضفة، وباحتساب تطور أعداد الفلسطينيين القاطنين في الضفة مقابل أعداد المستوطنين الإسرائيليين فيها، يمكن القول إن الوضع كارثي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

فقد بلغ متوسط معدل نمو السكان الفلسطينيين بالضفة في فترة 1994-2014 ما يقارب 2.5% سنويا، فيما يرتفع متوسط معدل نمو المستعمرين فيها إلى 9.5%.

ومع معرفة أن التقديرات الرسمية الأقل تشاؤما تقدر عدد الإسرائيليين في الضفة بنحو ستمئة وخمسين ألف مستوطن مقابل 2.8 مليون فلسطيني، فإنه سيكفي الجانب الإسرائيلي 22 عاما أخرى (وهو العمر الحالي لاتفاقية أوسلو) للوصول إلى تفوق ديمغرافي على أراضي الضفة، ما يعني بالضرورة تمريرا لسياسة الأمر الواقع ضمن سياسة النفس الطويل في استدامة حالة اللاسلم واللاحرب التي ستفرض على المجتمع الدولي تقبل فكرة الوجود الإسرائيلي على أراضي الضفة الغربية في مرحلة الحل النهائي للقضية الفلسطينية.

وأما التقديرات غير الرسمية الصادرة عن بعض المؤسسات الأهلية فتقدر أعداد المستعمرين في الضفة الغربية بنحو 1.1 مليون، ما يعني أن السنوات الاثنتين والعشرين القادمة ستكون كافية لجعل التعداد اليهودي في الضفة ضعف التعداد الفلسطيني فيها.

سياسة الباب المفتوح للشباب الفلسطيني التي يطبقها الجانب الإسرائيلي، وتعينه عليها ممارسات اقتصادية وأمنية عقيمة من قبل الجانب الفلسطيني، هي من سيسهل عملية ابتلاع الضفة الغربية وتفريغها من عناصرها الشابة

ويبدو أن سياسة الباب المفتوح للشباب الفلسطيني التي يطبقها الجانب الإسرائيلي، وتعينه عليها ممارسات اقتصادية وأمنية عقيمة من قبل الجانب الفلسطيني هي من سيسهل عملية ابتلاع الضفة وتفريغها من عناصرها الشابة.

ما بين الثورة والدولة
من الواضح أن الحالة الهلامية التي تعيشها التنظيمات الفلسطينية في الأراضي الفلسطينية قادت إلى تخبط في صياغة فكر المرحلة ما بين الثورة والدولة، فلا هي قادرة على استقطاب الشباب الفلسطيني تحت قيادة تحرر وطني موحدة ترسم ملامح الطريق، ولا هي قادرة على استيعاب طموحاتهم ضمن دولة القانون والمؤسسات، وبالتالي هناك حالة من الإحباط تدفع الشباب الفلسطيني للبحث عن ذاتهم خارج حدود الوطن.

ومن الواضح هنا أن الانصهار الحاصل بين كل من التنظيمات الفلسطينية والمال السياسي ومؤسسات السلطة في شقي الوطن أذكى ثقافة اقتناص الفرص بين الأجيال الحزبية الشابة.

ولم يعد بالتالي الهم الأول مقاومة ورباط بقدر ما هو مكاسب متوقعة من الانتماءات الحزبية على المستوى الوظيفي والمالي، وبالتالي تراجع مصداقية التنظيمات والقيادات بين شريحة واسعة من الشباب، وهو ما أدى بالمحصلة إلى انخفاض نسبة الشباب المؤطرين حزبيا إلى ما دون 24% لصالح أكثر من خمسة آلاف وخمسمئة منظمة غير حكومية بدأت تأخذ زمام المبادرة في استقطاب جيل شباب المرحلة الانتقالية ضمن ظاهرة تحتاج منا الوقوف على أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

ولا يخفى على أحد دور الانقسام الفلسطيني في تعطيل قدرة السواد الأعظم من الشباب الفلسطيني على المشاركة السياسية في شقي الوطن، وتعرض من يتبنى منهم فكرا معارضا لبعض الضغوطات الاجتماعية والأمنية التي تصل لحد الاعتقال السياسي أو الحرمان من الحق في التوظيف.

خلاصة القول إن الرباط على هذه الأرض يتطلب منا جميعا حمل الهم الفلسطيني قبل الهم الفصائلي، وأن تكون قضية التوسع الاستعماري الإسرائيلي على أراضي الضفة الغربية بمثابة رافعة الجذب الفكرية لعقول الشباب على امتداد الأراضي الفلسطينية ضمن أولويات عمل كل من التنظيمات ومؤسسات السلطة الفلسطينية، وأن نعيد صياغة أولويات إنفاق المال العام بما ينسجم مع الاحتياجات التنموية المطلوبة لتمكين الشباب الفلسطيني في مجالات التعليم والتوظيف والاستثمار، مع توفير الحياة الكريمة لهم.
ـــــــــــــ
محاضر بقسم الاقتصاد في جامعة النجاح الوطنية بفلسطين

المصدر : الجزيرة