صباح نعوش

بنية المهاجرين إلى ألمانيا
خصوبة المرأة العربية المهاجرة
الضرائب مقابل المساعدات

انتقل عدد سكان الاتحاد الأوروبي من 506.8 ملايين نسمة مطلع العام 2014 إلى 508.1 ملايين مطلع العام 2015 (إحصاءات يوروستات). هنالك إذن زيادة قدرها 1.3 مليون نسمة، أي بنسبة 0.25%، وهي ضئيلة بمختلف المقاييس. والقسط الأكبر منها وقدره 900 ألف نسمة يعود إلى الزيادة الصافية للمهاجرين.

بمعنى آخر إذا استثنينا المهاجرين تصبح الزيادة الأوروبية 400 ألف نسمة أي 0.07% فقط.. إنها أزمة سكانية حقيقية تترتب عليها نتائج اقتصادية خطيرة ترتبط بهبوط معدل النمو الاقتصادي وانخفاض حصيلة الضرائب.

سجلت دول أوروبية تراجعا في عدد سكانها الأصليين، ويتعلق الأمر بألمانيا في المقام الأول التي تمثل أكبر اقتصاد أوروبي. ففي عام 2014 بلغت ولادات الألمان 710 آلاف ولادة، في حين وصلت وفياتهم إلى 870 ألف وفاة، أي أن عدد سكانهم يتناقص سنويا بنحو 160 ألف نسمة. وأما الزيادة الكلية (من 80.7 مليون نسمة مطلع العام الماضي إلى 81.1 مليونا مطلع العام الجاري) فتعود إلى الزيادة الصافية للمهاجرين البالغة 560 ألف نسمة.

يدرك الألمان جيدا أن استمرار هذه الوتيرة السكانية سيقود من الناحية الاقتصادية إلى انخفاض الإنتاجية في جميع الميادين وتباطؤ الطلب وبالتالي تراجع النمو. وسيؤدي من الناحية المالية إلى تزايد المتقاعدين مقارنة بدافعي الضرائب، ولن تستطيع حصيلة الضرائب (المصدر الأساسي للإيرادات في جميع الدول الأوروبية) تمويل الإنفاق العام على نحو سليم.

الألمان يدركون جيدا أن استمرار تراجع الزيادة السكانية سيقود من الناحية الاقتصادية إلى انخفاض الإنتاجية في جميع الميادين وتباطؤ الطلب وبالتالي تراجع النمو، وسيؤدي من الناحية المالية إلى تزايد المتقاعدين مقارنة بدافعي الضرائب

لذلك لا يمكن لألمانيا معالجة مشاكلها السكانية وبالتالي أزمتها الاقتصادية إلا بالاستعانة بالمهاجرين، وهذا يفسر رغبتها في استقبال أعداد كبيرة من الأجانب.

وبسبب قلة الشباب الألمان ونتيجة لعوامل اقتصادية أخرى، تسجل الدولة بطالة شبابية قدرها 8% فقط، في حين تصل النسبة إلى 42% في إيطاليا و50% في إسبانيا، وهو ما يفسر اتجاه ألمانيا نحو استقطاب أعداد إضافية من المهاجرين الشباب، سواء من جنوب وشرق أوروبا أو من الشرق الأوسط. ولا يوجد لديها حل آخر.

بنية المهاجرين إلى ألمانيا
في الوقت الحاضر، يبلغ العدد الكلي للمهاجرين في ألمانيا 8.1 ملايين شخص، ويمثل الأتراك (1.5 مليون) أكبر جالية في أوروبا، وأما الجالية المغربية (210 آلاف) فهي أكبر جالية عربية في ألمانيا، تليها السورية فالعراقية. وسيرتفع عدد السوريين والعراقيين ارتفاعا كبيرا في الأشهر القليلة القادمة.

وأما بريطانيا فلا تعاني من نقص سكاني حاد كما هو حال ألمانيا، ففي العام 2014 بلغ عدد ولادات البريطانيين الأصليين 776 ألفا وعدد وفياتهم 570 ألفا. وسجلت فرنسا نتيجة أفضل نسبيا. وتأتي زيادة المهاجرين المقيمين في هاتين الدولتين لترفع الزيادة الكلية للسكان.

لذلك يختلف موقفهما إزاء المهاجرين الجدد مقارنة بألمانيا، فقد استقبلت الأخيرة في الأسبوعين الأولين من سبتمبر/أيلول الجاري 63 ألف مهاجر جديد، في حين صرحت فرنسا بأنها تنوي استقبال 24 ألف مهاجر في سنتين، وتفضل بعض مدنها مسيحيي العراق وسوريا.

ويختلف الوضع كذلك في اليونان والبرتغال وإسبانيا والمجر وبلغاريا ورومانيا، إذ يشهد سكانها والمهاجرون القدامى انخفاضا واضحا، لكن هذه الدول الست لا ترى في استقبال مهاجرين جدد معالجة لمشاكلها الاقتصادية، بل بالعكس تجد في تصدير اليد العاملة نفسا جديدا لماليتها المختنقة.

ويتوقف إذن قبول المهاجرين على التركيبة السكانية وعلى المقدرة الاقتصادية لكل بلد أوروبي، وأحيانا على رغبة السلطات المحلية في المدن. كما أن التدفق الجماعي للأجانب يولد سخطا شعبيا ويدفع الحكومات إلى وضع معايير صارمة للاستقبال تحكمها الحصص، وإقامة حواجز على حدود كل دولة أوروبية قد تكون مخالفة لمقتضيات منطقة شنغن.

خصوبة المرأة العربية المهاجرة
من المعتقدات السائدة في أوروبا أن معدل خصوبة المرأة العربية أعلى بكثير من معدل خصوبة المرأة الأوروبية. لا شك في أن هذا المعتقد صحيح، لكن المبالغة فيه تقود إلى استنتاجات سياسية ودينية خاطئة. يقول الفرنسيون إن معدل خصوبة المرأة من أصول فرنسية 1.8 طفل، مقابل 8.1 أطفال للمرأة المهاجرة من أصول عربية إسلامية.

ويجد المرء سهولة في تلقي هذين الرقمين لأنهما معكوسان، وفي تقدير الفرنسيين سيقود هذا الوضع إلى ارتفاع عدد المسلمين الحاصلين على الجنسية بسبب ولادتهم على الأراضي الفرنسية، فيصبح الإسلام بعد أربعة عقود فقط الدين الأول في فرنسا. ويراد من هذا الطرح أيضا الإشارة بصراحة إلى حصول العائلات المهاجرة العربية الأصل على إعانات مالية ورعاية صحية مجانية وامتيازات اجتماعية تفوق بكثير تلك التي تحصل عليها العائلات من أصول فرنسية.

هذا المعطى الأخير يثير نقمة شديدة على المهاجرين العرب، بخاصة تحت الظروف المالية الصعبة الناجمة عن الأزمة الاقتصادية. ويترتب على ذلك نتيجة مفادها أن هناك فائضا من المهاجرين القدامى، ومن الضروري الكف عن استقطاب أعداد جديدة من الأجانب. ومما لا شك فيه أن هذه الاستنتاجات لا تقتصر على فرنسا، بل تشمل أيضا أغلب الدول الأوروبية.

والواقع عند العودة إلى إحصاءات البنك الدولي نجد أن الرقم القياسي العالمي لمعدل الخصوبة هو ستة أطفال لكل امرأة، وهو مسجل في سبع دول في العالم فقط وهي مالي وبوروندي وأنغولا والصومال ونيجيريا والنيجر وتشاد. وأما معدل خصوبة المرأة العربية المهاجرة إلى أوروبا فلا تتجاوز 2.8 طفل، وهو ما يساوي المعدل العام في بلدها الأصلي كالمغرب والجزائر وسوريا ومصر، علماب أن معدل خصوبة المرأة الفرنسية حسب هذه الإحصاءات هو طفلان وليس 1.8 طفل.

وبالتالي فإن المساعدات التي تحصل عليها العائلة العربية المهاجرة لا تزيد كثيرا عن تلك التي تحصل عليها العائلة الفرنسية، وهذا يعني كذلك أن البلدان الأوروبية ستحتاج بصورة دورية إلى أعداد جديدة من المهاجرين.

الضرائب مقابل المساعدات
لا يستطيع المهاجر العربي أن يعيش حياة سعيدة في أوروبا من الزاويتين الاقتصادية والاجتماعية إلا إذا كانت ضرائب الدخل التي يدفعها تفوق المساعدات التي يحصل عليها، ويتحقق ذلك بالعمل فقط. ففي أغلب الأحيان يتخذ الأوروبيون موقفا من جالية معينة نتيجة هذه المعادلة التي تظهرها بحوث وإحصاءات دورية.

المساعدات التي تحصل عليها العائلة العربية المهاجرة لا تزيد كثيرا عن تلك التي تحصل عليها العائلة الفرنسية، وهذا يعني كذلك أن البلدان الأوروبية ستحتاج بصورة دورية إلى أعداد جديدة من المهاجرين

وحسب بعض الدراسات (التي يتعين التعامل معها بحذر) أضاف المهاجرون الأوربيون القادمون إلى بريطانيا إيرادات صافية قدرها عشرون مليار جنيه إسترليني (30.8 مليار دولار) إلى ميزانية الدولة في الفترة بين عامي 2001 و2011. وجاء القسط الأكبر من هذه المساهمة من القادمين من غرب أوروبا الذين دفعوا ضرائب تزيد بنسبة 64% مقارنة بالإعانات التي حصلوا عليها.

وتهبط النسبة إلى 12% فيما يخص القادمين من شرق أوروبا، بينما كبد المهاجرون غير الأوروبيين خسارة لمالية بريطانيا قدرها 118 مليار جنيه إسترليني (182 مليار دولار) بين عامي 1995 و2011.

لقد هاجر المغاربة والجزائريون والتونسيون والمصريون واللبنانيون لأسباب اقتصادية بحتة. ولا تقتصر هجرتهم على العيش في الخارج، بل تشمل كذلك تحويل قسط من دخولهم إلى بلدانهم الأصلية للاستثمار فيها أو لمساعدة عائلاتهم أو لقضاء فترات العطلة فيها. ففي العام 2014 حوّل المغاربة المقيمون بأوروبا 6.2 مليارات دولار إلى بلدهم، وهي ضعف حصيلة صادرات المغرب من الفوسفات. ووصل المبلغ الكلي لتحويلات جميع المهاجرين المقيمين بأوروبا إلى 127.5 مليار دولار.

وأما السوريون والعراقيون فيهاجرون حاليا بصورة جماعية لأسباب اقتصادية وسياسية. لم يترك كل منهم بلده ليحول إليه الأموال، بل هرب مع عائلته للتخلص من الأزمة الأمنية والضائقة المالية والكارثة الإنسانية التي أسهمت بها مساهمة فاعلة الولايات المتحدة ودول أوروبية. هاجر ومعه جميع مدخراته، لذلك لن يرهق هؤلاء مالية الدولة التي هاجروا إليها، وهكذا فإن هجرة المغربي مكسب للجميع في حين أن هجرة السوري والعراقي خسارة على الأقل لمالية بلديهما.
_______________
باحث اقتصادي عراقي

المصدر : الجزيرة