شانغ جن وي

مؤشرات إضافية عن ضعف نمو الصين
سوق الأسهم وخيارات الأسر الصينية
إصلاحات مرونة سوق العمل

لقد ذكر بعض النقاد أن المعجزة الاقتصادية الصينية -وهي معجزة أنقذت ثلاثمئة مليون شخص من براثن الفقر وحولت مركز الثقل الجيوسياسي للعالم- قد وصلت إلى نهايتها العاصفة، وطبقا لهؤلاء فإن سوق الأسهم المتقلبة والانخفاض "المفاجئ" لعملة الصين (اليوان)، هي إشارات إلى الانهيار الاقتصادي الوشيك، وعلى أن الاستثمارات عالية المخاطر والمستويات العالية من الدين الحكومي أدتا إلى كبح وتيرة عقدين من النمو الاقتصادي السريع.

لحسن الحظ ليس هناك سبب وجيه لتصديق مثل هذه التوقعات المخيفة، فتقلبات السوق -والتي كانت تحرك عناوين الأخبار مؤخرا- لم تكن أكثر من تقلبات قصيرة المدى، وفي واقع الأمر فإن حركة أسعار الأسهم ليست مؤشرا دالا بقوة على الأداء الحقيقي للاقتصاد.

عندما كان الناتج المحلي الإجمالي الصيني ينمو بقوة في الفترة بين عامي 2010 و2013 كانت أسعار الأسهم في هبوط، وفي الآونة الأخيرة عندما بدأت أسعار الأسهم الارتفاع الشديد في النصف الأول من 2015 كان تباطؤ الاقتصاد قد بدأ فعلا، وكما ذكر الاقتصادي الأميركي بول سامويلسون في قوله الشهير "لقد تنبأت سوق الأسهم بوقوع تسع من آخر خمس حالات ركود".

لقد تباطأ نمو الصين بشكل عام نتيجة لتغيرات في معطيات أساسية، تجلت في تركيبة سكانية غير مساعدة، والتحول من التركيز على التصدير والاستثمار العام إلى قطاع الخدمات والاستهلاك المحلي، وطلب أقل من الاقتصادات المتقدمة على السلع الصينية. ولكن نجاح الصين في الماضي أسهم أيضا في التباطؤ الحالي عن طريق ارتفاع الأجور الذي يحد من القدرة على تحقيق نمو سريع مبني على عنصر العمالة منخفضة الكلفة واللحاق بالركب من الناحية التقنية.

نجاح الصين في الماضي أسهم أيضا في التباطؤ الحالي عن طريق ارتفاع الأجور الذي يحد من القدرة على تحقيق نمو سريع مبني على عنصر العمالة منخفضة الكلفة واللحاق بالركب من الناحية التقنية

مؤشرات إضافية على ضعف نمو الصين
لقد ظهرت إشارات إضافية إلى ضعف الاقتصاد الصيني، بما في ذلك بيانات عن التصدير والاستثمار في النصف الأول من 2015، ولكن ثمة مؤشرات أخرى مهمة مثل مبيعات التجزئة والإسكان أبانت عن زيادة بسيطة، وربما كان أهم عامل هو أن سوق العمل في البلاد ما يزال قويا، إذ خلق 2.7 مليون وظيفة مدنية جديدة -كثير منها في قطاع الخدمات- في النصف الأول من 2015، وفي الوقت نفسه ما يزال نمو الأجور قويا ودون انقطاع.

إن معدل النمو في الصين يمكن أن يقل عن 7% هذا العام، ولكني لا أعتقد أنه سيكون بعيدا جدا عن هدف الحكومة والمتمثل في "قرابة 7%".

إن التقلبات في أسعار الأسهم في الأشهر الأخيرة تتعلق بخصائص الأسواق الصينية أكثر من كونها تتعلق بأساسيات اقتصادية كامنة للبلاد، ففي الاقتصادات المتقدمة مثل الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا يساعد العديد من المستثمرين "المؤسساتيين" -الذين عادة يركزون على الأساسيات طويلة الأجل- في استقرار أسواق الأسهم.

وعلى النقيض من ذلك، فإن المستثمرين الأفراد يهيمنون على الأسواق الصينية، علما أنه من المرجح أن يسعى هؤلاء للحصول على مكاسب قصيرة الأجل، والانخراط في تداول الأسهم دون تحليل، مما يزيد من التقلبات وانعدام الروابط بين أسعار الأسهم والنمو الاقتصادي الحقيقي.

كما أن الشركات المسجلة في الأسواق الصينية لا تمثل واقع الشركات المحلية، فعلى سبيل المثال فإن الشركات التي تمتلك بكين معظم أسهمها تشكل ثلثي قيمة تلك الأسواق، بالرغم من أنها لا تشكل سوى ثلث الناتج المحلي الإجمالي للصين، ونسبة أقل في مجال التوظيف.

سوق الأسهم وخيارات الأسر الصينية
إن حركة صعود وهبوط سوق الأسهم الصينية يجب أن تفهم في سياق الخيارات المحدودة للأسر الصينية عندما تخزن مدخراتها. إن صعود الأسعار يأتي في وقت تكون فيه أسعار الفائدة على الودائع محددة رسميا بسقف لا يمكن تجاوزه، وعندما تكون البدائل قليلة وتتيح عوائد منخفضة فقط فإن سوق الأسهم تبدو أكثر جذبا، خاصة عندما تتحدث كبريات الصحف المحلية -وهي حالة الصين- بتفاؤل عن أسعار الأسهم.

بالإمكان أن تسهم التطورات التي حصلت في الآونة الأخيرة في الضغط باتجاه تراجع الأسعار، بما في ذلك النقاش المتعلق بإلغاء سقف سعر الفائدة على الودائع (لقد أزيل السقف المفروض على الودائع لسنة أو أكثر في 25 أغسطس/آب 2015). ومن المرجح أن تكون السهولة الكبيرة التي تجدها الأسر الغنية في نقل أموالها إلى خارج البلاد، بالإضافة إلى الزيادة المتوقعة في أسعار الفائدة في أميركا، من العوامل المساهمة في هبوط الأسهم الصينية.

وكما أشار جيفري فرانكل من جامعة هارفارد، فإن الجهات التنظيمية زادت متطلبات الهامش عدة مرات هذا العام، مما جعل من الصعوبة شراء الأسهم بأموال مقترضة، وكما في جميع البورصات فإن التحولات في المشاعر غير المرتبطة بالأساسيات يمكن كذلك أن تتسبب في وقوع تقلبات.

استمرار الاقتصاد الصيني في النمو سريعا سيعتمد بشكل أكبر على قدرته على الإصلاح بدلا من أداء أسواق الأسهم، فلو أرادت الصين أن تزدهر على المدى الطويل فإن مفتاح ذلك يتمثل في رفع الإنتاجية

إن إمكانية استمرار الاقتصاد الصيني في النمو سريعا سيعتمد بشكل أكبر على قدرته على الإصلاح بدلا من أداء أسواق الأسهم، فلو أرادت الصين أن تزدهر على المدى الطويل فإن مفتاح ذلك يتمثل في رفع الإنتاجية، وهذا يعني أنها ستكون بحاجة إلى إصلاح شركاتها الحكومية والقطاع المالي بحيث تتدفق الموارد إلى المشاريع الاستثمارية الأكثر إنتاجية، كما سيكون مفيدا أن يتم خفض العبء الضريبي على الشركات، بما في ذلك ضريبة الأجور.

إصلاحات مرونة سوق العمل
ومن المفروض أيضا مباشرة إصلاحات لزيادة مرونة سوق العمل، ففي الوقت التي تعودت فيه الصين على سوق عمل مرن نسبيا في الصناعات التحويلية، فإن الشركات بدأت تواجه صعوبات في السنوات الأخيرة في إعادة توزيع العمال على أساس احتياجات السوق. إن المزيد من المرونة يمكن ألا يحفز النمو قصير المدى بيد أنه يمكن أن يحسن القدرة على التعامل مع صدمات سلبية مستقبلية مصدرها البلاد أو خارجها.

ما دامت الصين مستمرة في المضي قدما في تطبيق الإصلاحات المعززة لاقتصاد السوق، فإنها ستبقى أكبر دولة مساهمة في نمو الاقتصاد العالمي على المدى المتوسط، وبغض النظر عن تقلبات سوق الأسهم، ولكن إذا توقفت الإصلاحات فإنه من المرجح أن يكون انخفاض أسعار الأسهم في آخر ترتيب قائمة مخاوف الصين.
ــــــــــــ
كبير الاقتصاديين في بنك التنمية الآسيوي ورئيس دائرة الأبحاث الاقتصادية والتعاون الإقليمي فيه

المصدر : بروجيكت سينديكيت