تفتتح مصر اليوم الخميس مشروع توسعة قناة السويس، في ظل تغطية إعلامية كبيرة ومظاهر احتفالية غير مسبوقة. لكن أيضا في ظل جدل وتشكيك حول الأهداف التي أعلنتها السلطات المصرية فيما يخص نمو إيرادات القناة وحركة السفن العابرة.

وقد تمكنت مصر في غضون عام من حفر مجرى ملاحي مواز لقناة السويس بطول 35 كيلومترا وبعرض 317 مترا وبعمق 24 مترا، ليسمح بعبور سفن بغاطس يصل إلى 66 قدما. ويقع المجرى الملاحي الجديد من الكيلو 60 إلى الكيلو 95 من القناة القديمة.

كما يتضمن توسيع وتعميق تفريعة البحيرات الكبرى بطول حوالي 27 كيلومترا وتفريعة البلاح بطول نحو عشرة كيلومترات ليصل إجمالي طول مشروع القناة الجديدة إلى 72 كيلومترا. وناهزت كلفة المشروع الذي يسمى تجاوزا "قناة جديدة" مبلغ 8.5 مليارات دولار، وتم تمويل المشروع بنسبة كبيرة بواسطة طرح شهادات استثمار تهافت المصريون على شرائها في زمن قياسي، على أمل الحصول على فائدة على الشهادات تناهز 12% لمدة خمس سنوات.

وقد صدرت في الأسابيع الأخيرة تصريحات كثيرة من المسؤولين المصريين تعدد مزايا مشروع التوسعة، إذ قال رئيس هيئة قناة السويس الفريق مهاب مميش إن المجرى الملاحي الجديد يتيح مرور السفن في القناة من الاتجاهين، مما يقلل زمن عبور القناة من 22 ساعة حاليا إلى 11 ساعة تقريبا ويجعلها أسرع قناة في العالم.

كما يهدف المشروع إلى تقليل زمن انتظار السفن ليكون ثلاث ساعات في أسوأ الظروف بدلا من وقت انتظار يتراوح بين ثماني ساعات و11 ساعة حاليا، مما يقلل تكلفة الرحلة البحرية لملاك السفن.

سفن تعبر قناة السويس الجديدة قرب مدينة الإسماعيلية في أول افتتاح تجريبي للتفريعة (رويترز)

الإيرادات والاستثمار
وعلى صعيد الإيرادات، تأمل السلطات المصرية أن يرفع المشروع الجديد إيرادات القناة بشكل عام إلى 13.5 مليار دولار بحلول العام 2023 من نحو خمسة مليارات دولار حاليا. وتوقعت وزارة التخطيط المصرية أن ترتفع إيرادات القناة في العام الجاري إلى 5.5 مليارات دولار.

كما تقول القاهرة إن القناة الجديدة ستكون نواة منطقة استثمار عربي وأجنبي في مجالات بناء وصيانة السفن وتخزين البضائع والصناعات المختلفة، بحيث سيقام قرب القناة مركز صناعي ولوجيستي دولي.

وأطلق على المشروع اسم محور تنمية إقليم قناة السويس، ويرمي إلى تنمية 76 ألف كيلومتر مربع حول القناة لإقامة منطقة صناعية ومركز عالمي للإمداد والتموين لجذب مزيد من السفن وزيادة الدخل.

ورغم أجواء الاحتفاء والاحتفال الكبيرين في وسائل الإعلام المصرية بحدث الافتتاح، لكن البعض يشكك في جدوى المشروع، ويرى أنه لا طائل منه للبلاد ولو في المستقبل القريب على الأقل، ويقول أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأميركية في القاهرة أحمد الكمالي إن التوقعات "مجرد أمنيات"، وأضاف في تصريح لوكالة رويترز "لم تتم دراسة جدوى -أو لم نعرف بذلك- لتقييم جدوى المشروع".

ويقول وليام جاكسون من مؤسسة كابيتال إيكونوميكس إنه لكي يحقق المشروع الإيرادات المستهدفة يجب أن تزيد حركة التجارة العالمية بنسبة 9% سنويا حتى العام 2023، في حين لا تزيد التقديرات لمتوسط نمو هذه التجارة في السنوات الأربع المقبلة على 3%.

مقارنة ومنافسة
ومنذ 2011 لم تحقق القناة زيادة في الإيرادات توازي النمو في حركة التجارة العالمية، ويقول جاكسون إنه بينما ارتفع حجم التجارة العالمية بمتوسط 2.9% بين العامين 2011 و2014 ارتفعت إيرادات القناة بنسبة 2% فقط في الفترة نفسها.

رئيس هيئة قناة السويس الفريق إيهاب مميش (يمين) يتحدث في مؤتمر صحفي عن التوسعة الجديدة (غيتي/الفرنسية)

كما يقول مايكل فرودل من مؤسسة سي ليفل غلوبال ريسكس للاستشارات إن القناة ربما تواجه خطرا آخر من توسعة لقناة بنما يتوقع أن تكتمل في العام 2016، إذ قد تؤدي لاجتذاب حركة المرور من الطريق بين آسيا وأميركا الشمالية.

وتقول شركة ميرسك لاين للخطوط الملاحية، وهي أكبر عملاء قناة السويس، إنه رغم الوفر الذي ستحققه التوسعة الجديدة للقناة في تكاليف الوقود للسفن الأكبر حجما فإن الشركة لن تزيد عدد سفنها العابرة للقناة في العام الحالي.

ويقول اقتصاديون وفاعلون في قطاع الشحن البحري إن توقعات الحكومة المصرية بشأن زيادة إيرادات القناة بعد التوسعة الجديدة تظل مفرطة في التفاؤل، إذ إن أغلب المنتجات التي تمر عبر القناة هي المواد النفطية والغاز الطبيعي المسال، وهي تجارة تشهد منذ أشهر طويلة تراجعا نتيجة ضعف الطلب العالمي.

كما أنه في الوقت الذي تقول فيه السلطات المصرية إن التوسعة ستمكن من مضاعفة أعداد السفن العابرة فإن واقع نمو التجارة العالمية لا يؤشر على أنها ستزيد بالضعف أيضا نتيجة ارتباطها بشكل وثيق مع الاقتصادات الأوروبية التي تمر بفترة ضعف.

الطاقة الاستيعابية
ويرى مدير فرع شركة كوسكو الصينية بمصر شو تشي بين -وهي ثالث أكبر شركة للشحن بالحاويات عالميا- أن الأمر لا يتعلق برفع الطاقة الاستيعابية للقناة، وإنما يرتبط بتطور التجارة بين الشرق والغرب، ونمو الاقتصاد العالمي ولا سيما في أوروبا.

وقد سبق لمتحدث باسم هيئة قناة السويس أن قال إن النمو المتوقع لعدد السفن العابرة للقناة بعد التوسعة وزيادة الإيرادات اعتمدت على نمو التجارة العالمية بنحو 4% سنويا بين العامين 2003 و2014، في حين تشير أرقام صندوق النقد الدولي إلى أن معدل نمو التجارة العالمية سيتباطأ إلى 3.4% بين العامين 2007 و2016، في حين كانت النسبة 7% في السنوات العشر السابقة (2005-1996).

ويرى كولين كردلاند من شركة كلاركصن المتخصصة في تقديم خدمات الشحن المتكاملة أن الأهداف الكبيرة التي أعلنتها الحكومة المصرية "لا تستند إلى معطيات تدعمها على الأرض"، إذ تشير بيانات وكالة بلومبرغ إلى أن عدد السفن التي تعبر قناة السويس يظل أقل بنسبة 20% مقارنة بالعام 2008 ويزيد بنحو 2% فقط مقارنة بعشر سنوات خلت.

وفي السياق نفسه، يقول ميشيل برمان رئيس قسم المخاطر التشغيلية بمؤسسة بي أم أي التابعة لشركة فيتش الأميركية إن سرعة العبور ليست في الوقت الحالي هي العامل الأساسي بالنسبة لشركات الشحن بالحاويات التي تستعمل قناة السويس، مشيرا إلى وجود فائض في سفن الحاويات مقارنة بالطلب العالمي، وما يزيد من هذا الفائض -حسب برمان- هو تصنيع سفن عملاقة لتأمين حركة التجارة بين آسيا وأوروبا.

المصدر : وكالات,الجزيرة,وول ستريت جورنال