صباح نعوش

كلفة المفاعلات ليس وحدها المقياس
مصاريف التشغيل والصيانة
متطلبات تخصيب اليورانيوم والتفكيك
الحوادث الخطيرة بالوطن العربي

تعاقدت السعودية والإمارات والأردن ومصر مع مؤسسات روسية وكورية على إنشاء محطات نووية لإنتاج الكهرباء. لكن كلفة الطاقة النووية لا تتوقف عند المبالغ المدفوعة لشراء المفاعلات بل تشمل أيضاً مصاريف التشغيل والتفكيك والحوادث.

يولد المفاعل النووي سعته ألف ميغاوات وهي طاقة تعادل مليون كيلوات في الساعة أي 8.7 تيراواتات/ساعة في السنة. لكن المفاعل النووي لا يعمل طيلة أيام السنة بل يتوقف لغرض الصيانة مدة شهرين تقريباً. وبالتالي فإن إنتاجه الفعلي يبلغ 7.3 تيراواتات/ساعة في السنة.

وحاصل قسمة الاستهلاك العربي السنوي (893 تيراواتا/ساعة) على الإنتاج الفعلي للمفاعل الواحد هو عدد المفاعلات التي يحتاج إليها الطلب الكهربائي الإجمالي أي 122 مفاعلاً نووياً. واعتماداً على هذه المعادلة نستنتج أن المغرب يحتاج إلى أربعة مفاعلات نووية، ويرتفع العدد إلى سبعة في كل من العراق والكويت، وإلى 14 في الإمارات و19 في مصر ليصل إلى 35 في السعودية. وكما هو معلوم لا توجد حالياً أية محطة نووية لتوليد الطاقة الكهربائية في العالم العربي.

وتختلف أسعار المفاعلات النووية حسب مواصفاتها، ومنها سعتها وفترة استغلالها، ففي العام الجاري وقع الجانبان الأردني والروسي اتفاقاً ينص على تزويد الأردن بمفاعلين نوويين بقدرة ألف ميغاوات لكل منهما يعملان لمدة ستين سنة. وحدد سعرهما بعشرة مليارات دولار.

كما يقضي الاتفاق الإماراتي الكوري الجنوبي للعام 2009 بتزويد الإمارات بأربعة مفاعلات نووية سعة كل منها 1400 ميغاوات ولمدة ستين سنة وتصل قيمتها الإجمالية 20.4 مليار دولار، علماً بأن إنتاج المفاعل الواحد يعادل إنتاج السد العالي في مصر.

كلفة المفاعلات ترتفع نتيجة تحسن مواصفاتها، وقد يحصل هذا الارتفاع في فترة الإنشاء خاصة وأنها تستغرق وقتاً طويلا يتراوح بين سبع وعشر سنوات كما هو حال المفاعلين الأردنيين

كلفة المفاعلات ليس وحدها المقياس
لكن كلفة المفاعلات ترتفع نتيجة تحسن مواصفاتها، وقد يحصل هذا الارتفاع في فترة الإنشاء خاصة وأنها تستغرق وقتاً طويلا يتراوح بين سبع وعشر سنوات كما هو حال المفاعلين الأردنيين.

ومن زاوية أخرى فإن كلفة المفاعل النووي التي تدخل في حساب إنتاج الطاقة الكهربائية يجب ألا تعتمد على المبالغ المدفوعة لإنشائه، بل على المبالغ التي يتعين رصدها طيلة فترة استغلاله لشراء مفاعل جديد. فإذا كان المبلغ المدفوع للإنشاء حالياً خمسة مليارات دولار لمفاعل يعمل لمدة ستين سنة فإنه من الخطأ حساب الكلفة السنوية بتقسيم المبلغ على عدد السنوات أي 83 مليون دولار.

ولا بد من حساب الكلفة السنوية كما لو كان المفاعل مستأجراً بحيث يمكن بعد مضي ستين سنة شراء مفاعل جديد يحل محل المفاعل المندثر، وهذه هي الطريقة المتبعة في الدول النووية. عندئذ يختلف المبلغ السنوي حسب تطور كلفة الإنشاء على مر السنين.

بطبيعة الحال، تؤثر هذه الطريقة الحسابية تأثيراً بالغاً على كلفة إنتاج الكهرباء، وبالتالي على سعر الاستهلاك النهائي لأن كلفة المفاعل النووي تستحوذ على 69% من كلفة إنتاج الكهرباء، في حين أن ارتفاع أسعار المولدات الكهربائية العاملة حالياً في الدول العربية بالغاز الطبيعي لا يؤثر كثيراً على كلفة الإنتاج لأن أسعار هذه المولدات لا تمثل سوى 13% من كلفة الإنتاج (هذا الحساب يستند على سعر الإنشاء ومصاريف التشغيل فقط).

مصاريف التشغيل والصيانة
إن مصاريف التشغيل هي النفقات الضرورية للإنتاج المباشر وتتمثل في المرتبات والصيانة واليورانيوم. ويتطلب المفاعل النووي الواحد تشغيل حوالي خمسمئة شخص، لكن العدد يرتفع باستمرار لتأمين درجة أعلى من الرقابة والأمان. وقد نصت الاتفاقات المذكورة أعلاه على تأهيل جيل جديد من الباحثين والمهندسين والفنيين في البلد المصنع للمفاعل.

وأما الصيانة فتتعلق بمصاريف السلامة الداخلية للمفاعل وقيمة قطع الغيار اللازمة كي يحافظ على مستوى الإنتاج المخطط له، ومصاريف التوقف السنوي للمفاعل، ونفقات البحث العلمي والتطوير التكنولوجي.

وأما اليورانيوم التقليدي فينحصر وجوده في عدد قليل من الدول أهمها أستراليا وكزاخستان. في حين تفتقر الدول العربية لمعدن اليورانيوم الذي يوجد في الجزائر بكميات قليلة لا تتجاوز الثلاثين ألف طن، علماً بأن سعر الكيلوغرام الواحد من اليورانيوم يعادل تقريباً سعر برميل من النفط.

تخصيب اليورانيوم يتطلب وجود صناعة محلية متطورة غير متوفرة في الدول العربية. إنها تدخل أيضاً في إطار برامج الأسلحة النووية لأنها تسمح عملياً بزيادة نسبة التخصيب. وتبين الدراسات أن صناعة لتخصيب كمية قليلة من اليورانيوم غير مجدية من الناحية الاقتصادية

وتقدر مصاريف تشغيل المفاعل النووي الواحد (ألف ميغاوات) بحوالي مئتي مليون دولار سنويا.

وتجدر الإشارة إلى أن البلدان العربية تعاقدت على شراء مفاعلات تعتمد على نظام الماء الخفيف (الماء العادي) للتبريد وتهدئة سرعة النيترونات الذي يستوجب تخصيب اليورانيوم.

متطلبات تخصيب اليورانيوم والتفكيك
ويفترض التخصيب وجود صناعة محلية متطورة غير متوفرة في الدول العربية. أنها تدخل أيضاً في إطار برامج الأسلحة النووية لأنها تسمح عملياً بزيادة نسبة التخصيب. كما تبين الدراسات التي أجرتها دول عربية أن صناعة لتخصيب كمية قليلة من اليورانيوم غير مجدية من الناحية الاقتصادية.

لذلك تنص الاتفاقات المذكورة سابقا على أن تقوم الدول المُصنعة للمفاعل النووي بتزويد الدول المستقبلة باليورانيوم المخصب. ويقضي الاتفاق الأردني الروسي (وفق تصريحات هيئة الطاقة الذرية الأردنية) بإرجاع اليورانيوم المستنفد وكذلك النفايات النووية إلى روسيا.

ويقصد بالتفكيك معالجة تلوث مكونات المفاعل بالشعاع النووي بحيث تنتفي خطورتها على صحة الإنسان وسلامة البيئة.

والتفكيك عملية معقدة وتستغرق فترة طويلة قد تصل إلى عشرين سنة وتتطلب أموالاً طائلة. والدول العربية التي تتخبط بصراعاتها فضلا عن تخلفها التكنولوجي لن تستطيع القيام بهذه المعالجة إلا بالاعتماد على الخبرة الأجنبية.

وكقاعدة عامة تبلغ كلفة التفكيك حوالي 15% من ثمن الإنشاء. ففي الولايات المتحدة بلغت كلفة تفكيك مفاعل تروجان 509 ملايين دولار في العام 1992 ومفاعل سان أونوفر 572 مليون دولار في العام 2004. وهنالك تقديرات أخرى حديثة تشير إلى مبالغ قريبة من تلك التي صرفت لإنشاء المفاعل.

وينجم التفكيك عن انعدام الجدوى الاقتصادية للمفاعل بسبب انتهاء فترة صلاحيته، وينتج أيضاً بسبب حادثة خطيرة أو قرارات سياسية للخروج كلياً أو جزئياً من صناعة الكهرباء النووي.

الحوادث الخطيرة بالوطن العربي
وفي العالم العربي لا تقتصر احتمالات الحوادث الخطيرة على الكوارث الطبيعية أو الخلل الفني، بل تشمل كذلك -وبالدرجة الأولى- الصراعات الداخلية المسلحة والتوترات الإقليمية المستمرة. إذ لا توجد محطة نووية في العالم يمكنها الصمود أمام الأسلحة الحديثة والثقيلة التي لم تعد حكراً على الحكومات، بل باتت في بعض الدول العربية مملوكة أيضاً لمليشيات سياسية ودينية.

إن احتمالات تفجير محطة نووية مستقبلية في أية دولة عربية قائمة وجدية رغم ما قد يرصد لها من وسائل دفاعية عسكرية متطورة تتطلب أموالا طائلة.

لا تقتصر احتمالات الحوادث الخطيرة بالعالم العربي على الكوارث الطبيعية أو الخلل الفني، بل تشمل كذلك -وبالدرجة الأولى- الصراعات الداخلية المسلحة والتوترات الإقليمية المستمرة. إذ لا توجد محطة نووية في العالم يمكنها الصمود أمام الأسلحة الحديثة والثقيلة

وتقود الحوادث الخطيرة للمحطات النووية حتماً إلى كارثة اقتصادية. وترتبط هذه الكارثة بنفقات معالجة المصابين وتعويضهم، والأضرار التي تكبدتها المناطق المنكوبة، وتفكيك المفاعل النووي، وهبوط إنتاج الطاقة الكهربائية، وتدهور السمعة الزراعية والسياحية للبلد المصاب بالشعاع النووي.

ولم نجد في التقارير المختصة تقديراً لكلفة الحادثة الخطيرة يقل عن أربعين مليار دولار، بل هنالك تقديرات تصل إلى أكثر من عشر مرات هذا المبلغ. وفي دول كمصر والأردن لا يمكن للمالية العامة تحمل هذه الأعباء الثقيلة جداً التي تقود بالضرورة إلى تفاقم المديونية الخارجية وتدهور الوضع الاقتصادي برمته.

وفي الوقت الذي تسعى فيه الدول الصناعية إلى تحسين استقلالها الطاقي عن طريق الطاقة النووية تبحث الدول العربية المنتجة للنفط عن باب جديد لزيادة تبعيتها باستيراد التكنولوجيا النووية من ألفها إلى يائها. لتتخلى عن المصدر المحلي الذي يحقق لها حالياً استقلالها الكهربائي، كما يؤدي الاهتمام بالطاقة النووية إلى إهمال الطاقة الشمسية المنتشرة في جميع أنحاء البلدان العربية.

أن الحكمة تستوجب التريث في اللجوء إلى الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء في العالم العربي. فلا بد من التخلص من أزمة الصراعات الداخلية والمخاطر الخارجية. ويتعين أيضاً بذل الجهود العلمية والمالية من أجل تحسين مستوى التنمية التكنولوجية.
ـــــــــــــ
باحث اقتصادي عراقي

المصدر : الجزيرة