سعد الله الفتحي

لماذا يستمر انخفاض الأسعار رغم ارتفاع الطلب؟
فائض المعروض والإنتاج الإيراني
أزمة البورصات أضعفت ثقة المستثمرين

لم يعد من الصعب استقراء اتجاه أسعار النفط في الأسواق العالمية، خاصة بعد الانخفاض الكبير الذي ابتدأ في يونيو/حزيران 2014 واستمر لحد الآن باستثناء بعض المكاسب المتواضعة نسبيا في الفصل الثاني من هذا العام.

وفي الفترة الأخيرة امتزج انخفاض أسعار النفط مع هبوط الغالبية العظمى من البورصات العالمية متأثرة بصورة خاصة بما يحدث من انخفاض في بورصة الصين، إذ خسرت هذه الأسواق آلاف المليارات من الدولارات من قيمتها في بضعة أيام فقط مما قد يجعل امتدادها إلى بقية القطاعات الاقتصادية وخاصة قطاع السكن والأملاك أمرا ممكنا.

ترى هل انخفاض البورصات سببه تدني أسعار النفط أم إن الانخفاض الحاد لأسعار النفط منذ 14 أغسطس/آب الجاري كان الإشارة التي أذنت بهبوط البورصات وأسعار السلع كالنحاس والفحم وغيرهما؟ يبقى الموضوع مطروحا للبحث والنقاش ولو أن انهيار البورصات في العام 1987 كان سبقه انخفاض كبير في أسعار النفط، علما بأن المنظمات العالمية ذات الصلة كمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) ووكالة الطاقة الدولية لم تتناول هذا الموضوع وتأثيراته بعد في آخر تقاريرها.

وبالرغم من أن توقعات نمو الاقتصاد العالمي لا بأس بها، فهي عند نسبة 3.2% في 2015 و3.5% في 2016 فإن الطلب على النفط سيزداد هذا العام بما لا يقل عن 1.6 مليون برميل يوميا بموجب تقديرات وكالة الطاقة الدولية و1.38 مليونا بموجب تقديرات أوبك.

إن الزيادة المتحققة في المعروض النفطي وبقية السوائل الوقودية أعلى بكثير من الزيادة في الاستهلاك، سواء الآن أو المتوقع في العام المقبل. هنا نود أن نشير إلى أن الطلب على النفط لا يعني الاستهلاك لأن الفرق بين الاثنين يذهب للخزين  وزيادة هذا تؤدي إلى مزيد من الضغط على الأسعار

وبالنظرة على تقديرات 2016 التي ظهرت حديثا نرى أن النمو المتوقع للطلب يقدر بنحو 1.4 مليون برميل حسب الوكالة و1.34 مليونا حسب أوبك، إذ يصل إجمالي الطلب إلى مستوى 94.04 مليون برميل يوميا، وتقول الوكالة إن كل ذلك بسبب "ثبات النمو الاقتصادي واستجابت المستهلكين لأسعار النفط المنخفضة".

لماذا يستمر انخفاض الأسعار رغم ارتفاع الطلب؟
إذا كانت كل هذه التوقعات صحيحة فلماذا يستمر انخفاض أسعار النفط وبشكل حاد في الأسبوعين الماضيين؟ ففي 25 أغسطس/آب وصلت أسعار سلة خامات أوبك إلى 40.47 دولارا للبرميل، في حين وصل خام برنت إلى 43.21 دولارا وخام غرب تكساس (النفط الأميركي الخفيف) إلى 39.31 دولارا.

وللإجابة على هذا السؤال نقول إن الزيادة المتحققة في المعروض النفطي وبقية السوائل الوقودية أعلى بكثير من الزيادة في الاستهلاك، سواء الآن أو المتوقع في العام المقبل. هنا نود أن نشير إلى أن الطلب على النفط لا يعني الاستهلاك لأن الفرق بين الاثنين يذهب للخزين وزيادة هذا تؤدي إلى مزيد من الضغط على الأسعار.

ولا عجب فمستوى الخزين في الدول الصناعية الغنية قد بلغ مستويات غير مسبوقة بحيث وصل الخزين التجاري إلى 2.916 مليار برميل، وهذا أعلى بما لا يقل عن 210 مليون برميل عن معدل السنوات الخمس الماضية وفق الوكالة.

وليس ذلك مقصورا على الدول الصناعية إذ إن التقديرات تشير إلى زيادة المخزون العالمي إلى 4.446 مليارات برميل في نهاية الفصل الثاني من العام الجاري -وربما المخزون أعلى الآن- بما في ذلك الخزين الإستراتيجي للدول البالغ 1.588 مليار برميل، إضافة إلى أكثر من تسعمئة مليون برميل في الناقلات البحرية التي هي في طريقها إلى الأسواق.

إن زيادة المعروض من النفط ليس فقط بسبب عدم قيام أوبك بتخفيض سقف إنتاجها دفاعا عن حصتها في السوق، وإنما بسبب قيام كل من استطاع من المنتجين بزيادة إنتاجه للتعويض عن انخفاض الأسعار، فعلى سبيل المثال ازداد الإنتاج الروسي 250 ألف برميل باليوم في يونيو/حزيران الماضي عن مستواه في العام السابق ليبلغ 10.65 ملايين برميل يوميا.

كما أن انخفاض أسعار الخام لم يفض بعد إلى انخفاض كبير في إنتاج الولايات المتحدة فقد انخفض إنتاجها في يونيو/حزيران الماضي 245 ألف برميل مقارنة بالعام الماضي، ومن المتوقع أن يسجل انخفاضا متواضعا في الأشهر القادمة أيضا.

أما إنتاج أوبك من الخام في يوليو/تموز 2015 فقد بلغ 31.53 مليون برميل يوميا أي بزيادة كبيرة عن قرار المنظمة الأخير الإبقاء على سقف إنتاجها عند ثلاثين مليون.

فائض المعروض والإنتاج الإيراني
إن التوقعات بانخفاض الإنتاج خارج أوبك في 2016 قد لا تؤدي بالضرورة إلى تحسن أسعار النفط حتى لو بقي إنتاج أوبك في مستواه الحالي لأن زيادة العرض عن الطلب ستبقى قائمة وسيزداد الخزين لدرجة تختبر قدرة الدول على خزن المزيد.

إن السوق النفطية تحسب احتمال زيادة الإنتاج الإيراني فيما لو تمت المصادقة النهائية على الاتفاق النووي المبرم بين طهران والقوى العالمية الكبرى الشهر الماضي. وعلى افتراض هذه الموافقة وقيام إيران بإرضاء وكالة الطاقة النووية الدولية فإن التصريحات أو التحاليل تشير إلى احتمال زيادة الإنتاج الإيراني بما بين 0.6 مليون برميل يوميا إلى مليون برميل في النصف الثاني من 2016، كما يثار تساؤل حول الكيفية التي ستتصرف بها إيران تجاه خزينها النفطي العائم في الناقلات والبالغ أربعين مليون برميل.

ويقول المتحدث باسم الحكومة الإيرانية محمد باغر نوباخت إن بلاده تخطط "للعودة الكاملة" إلى السوق حتى لو بقيت أسعار النفط متدنية، ويضيف "علينا التوحد لاستعادة حصتنا في سوق النفط"، و"على المنتجين الآخرين إفساح المجال لنا"، ومن الواضح أن المقصود بحديث نوباخت دول الخليج العربي عامة والسعودية خاصة.

إن احتمال زيادة الطلب على إنتاج أوبك من 29.2 مليون برميل في 2015 إلى 30.1 مليونا في 2016 لن يغير من واقع ضعف سوق النفط، إذ سيبقى فائض المعروض قائما ولو بدرجة أقل مما هو عليه الآن. ولا نستغرب إذن من سماع بعض الآراء المتطرفة التي تعتقد أن سعر النفط قد يصل إلى 15 دولارا

هنا لا بد أن نقول إن "المنتجين الآخرين" لن يعترضوا على زيادة إنتاج إيران أو غيرها، إلا أن أيا منهم لن يخفض إنتاجه إكراما لطهران، خاصة في ضوء سياساتها وتدخلها في أكثر من دولة في المنطقة.

وفي ضوء ما تقدم فليس من المتوقع أن تستعيد أسعار النفط بعضا من عافيتها في المدى القصير ولا حتى المتوسط، إلا إذا حدث تبدل كبير في سياسة دول أوبك وغيرها من المنتجين، وليس هناك ما يشير إلى ذلك في الوقت الحاضر. إن احتمال زيادة الطلب على إنتاج أوبك من 29.2 مليون برميل في 2015 إلى 30.1 مليونا في 2016 لن يغير من واقع ضعف سوق النفط، إذ سيبقى فائض المعروض قائما ولو بدرجة أقل مما هو عليه الآن.

لا نستغرب إذن من سماع بعض الآراء المتطرفة التي تعتقد أن سعر النفط قد يصل إلى 15 دولارا للبرميل. فهذا ديفد كوتوك -أحد كبار مدراء الاستثمار في سوق النفط- يقول "ليس هناك أي دليل على وصولنا إلى قعر الانخفاض، وإن من السهولة تصور سعر 15 إلى عشرين دولارا للبرميل" كما صرح لشبكة سي إن إن الأميركية قبل أيام.

أزمة البورصات أضعفت ثقة المستثمرين
لقد أضعفت أزمة البورصات العالمية ثقة المستثمرين بقوة الاقتصاد العالمي، وأدت إلى بيع هائل للأسهم ولم يعد مهما إذا كان ذلك بسبب انخفاض بورصة الصين وتخفيض عملتها، أو بسبب قرب زيادة أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفدرالي الأميركي وقوة الدولار تجاه العملات الأخرى.

وعلى المدى البعيد فإن تخفيض شركات النفط الكبرى وشركات الخدمات لاستثماراتها وتسريح الآلاف من منتسبي تلك الشركات، وانخفاض عدد أبراج الحفر العاملة قد يؤدي في آخر المطاف إلى انقلاب الوضع وبدء دورة جديدة من زيادة الأسعار لا يستطيع أحد التنبؤ بمداها أو وقت حدوثها، خاصة إذا ارتبطت بأوضاع جيوسياسية غير مستقرة في مناطق مهمة من العالم بالنسبة لسوق الطاقة.

إن على الدول النفطية في منطقتنا التحسب للوضع والشروع بجملة إصلاحات في اقتصاداتها، ليس أقلها تنويع مصادر الدخل والكف عن الاعتماد على صادرات النفط فقط، إضافة إلى تقليل الهدر في استهلاك النفط وتسعير منتجاته بشكل معقول يؤدي إلى تنمية الموارد والمحافظة على البيئة.
ـــــــــــــ
خبير نفط عراقي

المصدر : الجزيرة