ستيفن س روتش

نمو قطاع الخدمات
اتجاهات التشغيل
إعادة التوازن
أولويات الإرادة السياسية

هناك العديد من الأجزاء المتحركة في العملية الانتقالية الشاقة في الصين لإقامة مجتمع ميسور الحال باعتدال، كما يسميه زعماؤها.

وتحدث هذه التحولات على صعيد العديد من الجبهات: الاقتصاد، والأسواق المالية، والإستراتيجية الجيوسياسية، والسياسة الاجتماعية.

ويكمن الاختبار النهائي في إدارة التفاعل الشديد التعقيد بين هذه التطورات. تُرى هل ترقى القيادة في الصين إلى مستوى هذه المهمة، أم أنها تتصدى لمهمة أعظم من قدراتها؟

الواقع أن أغلب المعلقين الغربيين مستمرون في الإفراط في تبسيط هذه المناقشة، إذ يضعونها في إطار من السيناريوهات التي تصور الهبوط الحاد للصين، والتي كانت خاطئة طيلة عشرين عاما.

ففي أعقاب الانخفاض الحاد الذي سجلته سوق الأسهم في الصين هذا الصيف والانخفاض المفاجئ لقيمة اليوان (الرنمينبي)، يتكرر الأمر ذاته مرة أخرى، بيد أنني أظن رغم ذلك أن المخاوف إزاء احتمالات حدوث ركود تام في الصين مبالغ فيها إلى حد كبير.

نمو قطاع الخدمات
في حين لا يجوز لنا أن نهون من أهمية المناقشة الدائرة حول آفاق الصين في الأمد القريب، فإن القضية الأكبر هي التقدم المتين الذي حققه اقتصادها في طريقه نحو إعادة التوازن، أو على وجه التحديد ذلك التحول البنيوي بعيدا عن أنشطة التصنيع والبناء باتجاه الخدمات.

فـفي العام 2014، بلغت حصة الخدمات في الناتج المحلي الإجمالي للصين 48.2%، وهو ما يتجاوز كثيرا حصة التصنيع والبناء التراكمية التي بلغت 42.6%.

وتستمر الفجوة في الاتساع، حيث سجلت أنشطة الخدمات نموا بلغ 8.4% في النصف الأول من عام 2015 مقارنة بالعام السابق، وهو ما يتجاوز كثيرا النمو في قطاعي التصنيع والبناء الذي بلغ 6.1%.

إن الخدمات تُعَد -في العديد من النواحي- بمثابة البنية الأساسية للمجتمع الاستهلاكي، وفي حالة الصين، فإن توفير المرافق الأساسية والاتصالات ومنافذ بيع التجزئة والرعاية الصحية والتمويل؛ هو ما تطالب به الطبقة المتوسطة بشكل متزايد

إن الخدمات تُعَد -في العديد من النواحي- البنية الأساسية للمجتمع الاستهلاكي، وفي حالة الصين، فإن توفير المرافق الأساسية والاتصالات ومنافذ بيع التجزئة والرعاية الصحية والتمويل؛ هو ما تطالب به -وبشكل متزايد- الطبقة المتوسطة.

هذا القطاع يستند إلى عمالة كثيفة، ففي الصين يحتاج إلى فرص عمل إضافية بنحو 30% لكل وحدة إنتاج، قياسا إلى ما يتطلبه التصنيع والبناء الكثيف من رأس المال.

اتجاهات التشغيل
لهذا السبب، كانت اتجاهات تشغيل العمالة في الصين أفضل كثيرا مما كان متوقعا في مواجهة التباطؤ الاقتصادي.

فقد بلغ نمو فرص العمل في المناطق الحضرية الصينية ما يزيد على 13مليون وظيفة في الفترة 2013-2014، وهذا أعلى كثيرا من العشرة ملايين المستهدفة من قبل الحكومة.

علاوة على ذلك، تشير البيانات الخاصة بأوائل عام 2015 إلى أن تشغيل العمالة في المناطق الحضرية يظل قريبا من الوتيرة المبهرة التي تحققت في السنوات الأخيرة، ومن المؤكد أن هذا بعيد تماما عن إجهاد سوق العمل الذي يرتبط عادة بالهبوط الاقتصادي الحاد أو الركود.

والخدمات هي أيضا العنصر الذي يجعل إستراتيجية الصين في التوسع الحضري شديدة الفعالية، حيث يعيش اليوم ما يقرب من 55% من سكان الصين في المدن، مقارنة بأقل من 20% عام 1978، وحتما فإن هذه الحصة سترتفع إلى ما بين 65% 70% على مدى السنوات الخمس عشرة المقبلة.

وتعمل المدن الجديدة والمتوسعة على تعزيز النمو من خلال توفير فرص العمل في الخدمات، وهذا بدوره يعمل على تعزيز القدرة الشرائية للمستهلك من خلال مضاعفة نصيب الفرد من الدخل إلى ثلاثة أمثاله قياسا إلى ما عليه الوضع في المناطق الريفية.

لذا، فعلى الرغم من كل مظاهر الضيق الشديد إزاء انهيار الصين، يعمل التحول السريع نحو اقتصاد يقوم على الخدمات على تخفيف الضغوط السلبية للاقتصاد القديم القائم على التصنيع.

وقد أكد صندوق النقد الدولي على النتيجة نفسها في مشاوراته الأخيرة مع الصين بشأن المادة الرابعة، مشيرا إلى أن دخل العمل يتوسع الآن كحصة من الناتج المحلي الإجمالي، وأن الاستهلاك ساهم بقدر أكبر قليلا مقارنة بالاستثمار في نمو الناتج المحلي الإجمالي عام 2014.

وقد يبدو هذا كأنه تقدم هامشي، ولكنه في واقع الأمر تقدم سريع للغاية مقارنة بالوتيرة الشديدة التباطؤ للتغير البنيوي، وهي العملية التي بدأت في الصين في العام 2011 مع إصدار الخطة الخمسية الثانية عشرة.

إعادة التوازن
ولكن هناك شرَك كبير للأسف. ففي حين كان التقدم على مسار إعادة التوازن الاقتصادي مشجعا، فإن الصين استهدفت ما يتجاوز قدراتها: الخطط المتزامنة لتحديث النظام المالي، وإصلاح العملة، ومعالجة التجاوزات في أسواق الأسهم والديون والعقارات. ومن ناحية أخرى، إطلاق حملة عنيفة لمكافحة الفساد، وسياسة خارجية أكثر عدوانية، فضلا عن الإحياء القومي استنادا إلى "حلم الصين".

وقد يتبين أن التفاعل بين هذه الأهداف المتعددة أمر شديد الإجهاد. فعلى سبيل المثال، ربما يتسبب الجمع بين تقليص الديون وتفجير فقاعة الأسهم في خلق دوامة هابطة ذاتية التعزيز في اقتصاد التصنيع القديم على النحو الذي قد يؤدي إلى زعزعة ثقة المستهلك وتقويض الدينامية الناشئة لاقتصاد الخدمات الجديد.

وعلى نحو مماثل، من الممكن أن تؤدي المغامرات العسكرية في بحر الصين الجنوبي إلى الإضرار بالروابط بين الصين وبقية العالم قبل فترة طويلة من تمكنها من الاعتماد على الطلب المحلي لتحقيق النمو الاقتصادي.

ومن عجيب المفارقات أن لعبة التوازن التي تمارسها الصين ربما تثبت كونها أكثر صعوبة من أن تتمكن السلطات من إتقانها في ظل نظام قائم على السوق وموجه نحو المستهلك

ومن عجيب المفارقات أن لعبة التوازن التي تمارسها الصين ربما تثبت كونها أكثر صعوبة من أن تتمكن السلطات من إتقانها في ظل نظام قائم على السوق وموجه نحو المستهلك.

ويبدو أن الحكومة التي وجدت نفسها حبيسة عملية الانتقال من نموذج توجهه الدولة وتسيطر عليه بإحكام، باتت تدور حول نفسها، على سبيل المثال من خلال التأكيد على التحول الحاسم للأسواق، فقط كي تتدخل بقوة عندما تسجل أسعار الأسهم هبوطا حادا.

وعلى نحو مماثل، تتبنى السلطات المزيد من نظام الصرف الأجنبي القائم على السوق في حين تدفع اليوان إلى الانخفاض عمدا.

أولويات الإرادة السياسية
أضف إلى هذا التعهد بإصلاح الشركات المملوكة للدولة الذي بدأ ثم توقف، وسوف يتبين لك أن الصين ربما تجد نفسها دون قصد غارقة في شيء أشبه بما أسماه مينشين باي منذ فترة طويلة بـ"الانتقال الحبيس"، حيث تُحبَط إستراتيجية الإصلاح الاقتصادي بفِعل الافتقار إلى الإرادة السياسية في دولة الحزب الواحد.

تحت قيادة الرئيس شي جين بينغ، لا يوجد افتقار إلى الإرادة السياسية في الصين اليوم، بينما يتمثل التحدي الآن في تحديد أولويات هذه الإرادة على النحو الكفيل بإبقاء الصين على مسار الإصلاح وإعادة التوازن.

وأي تراجع على هذه الجبهات من شأنه أن يقود الصين إلى ذلك الفخ الذي أعرب مينشين باي لفترة طويلة عن خشيته من أن يكون حتميا.

كانت التنمية الاقتصادية تشكل دوما تحديا رهيبا. وكما تؤكد التحذيرات بشأن "فخ الدخل المتوسط"، فإن التاريخ مليء بإخفاقات أكثر من النجاحات في الدفع إلى ما وراء عتبة نصيب الفرد في الدخل التي حققتها الصين.

إن آخر ما تحتاج إليه الصين الآن هو أن تحاول موازنة حمل أثقل مما ينبغي على رأس دبوس، ويتعين على قادتها أن يعملوا على تبسيط وتوضيح الأجندة التي قد تصبح أشد تعقيدا من أن يتمكن أحد من إدارتها.

----------

عضو هيئة التدريس في جامعة ييل، والرئيس السابق لبنك مورجان ستانلي في آسيا

المصدر : بروجيكت سينديكيت