زهير حمداني

لا يصمد سعر الذهب الأسود كثيرا بوجه الأزمات السياسية والاقتصادية، ويخضع لتحولات السياسة وظروفها وللسوق ومضارباتها، وقد دخلت أسعار النفط العالمية مرحلة السقوط الحر منذ أغسطس/آب الماضي ليتراجع سعر البرميل بأكثر من 60% في واحدة من أكبر دورات هبوطه لكنها ليست الأولى تاريخيا.

وشهدت أسعار النفط الاثنين في نيويورك هبوطا إلى ما دون الأربعين دولارا للمرة الأولى منذ ست سنوات، قبل أن تشهد بعض التحسن في التعاملات اللاحقة.

وخسر برميل النفط الأميركي الخفيف الاثنين 2.21 دولار ليغلق عند 38.24 دولارا بسوق المبادلات في نيويورك، وهو مستوى لم يصله منذ فبراير/شباط 2009. أما برنت فانخفض 2.80 دولار للبرميل ليبلغ 42.69 دولارا، أدنى سعر له منذ مارس/آذار 2009.

أما برنت فانخفض 2.80 دولار للبرميل ليبلغ 42.69 دولارا، وهو أدنى سعر له منذ مارس/آذار 2009.

الهبوط بالبورصة الصينية أثر على أسواق المال العالمية وأسعار النفط (غيتي)

العامل الصيني
وتأثرت أسعار البترول بالتدهور بأسواق المال الصينية، حيث تراجعت بورصة شنغهاي في يوم واحد (الاثنين) بنسبة 8.49% بأكبر هزة اقتصادية في الصين منذ ثماني سنوات.

وتعد الصين قاطرة الاقتصاد العالمي، كما أنها ثاني أكبر اقتصاد عالمي وثاني أكبر مصدر للسلع والخدمات التجارية وأول مستورد للبترول بالعالم، ويخشى المستثمرون والشركات تراجع الطلب التجاري الكبير من الصين.

- ووفقا لتعاملات الاثنين، فقد تراجعت أسعار البترول بنحو60%، إذ كان سعر البترول بالفترة نفسها (أغسطس/آب) من العام الماضي في حدود 110 دولارات، و115 دولارا في يوليو/تموز، ليشهد تراجعا مطردا حتى بداية العام الجاري، ويصل بالأيام الأولى من يناير/كانون الثاني 2015 إلى 45 دولارا.

- وفي الفترة من يناير/كانون الثاني إلى مايو/أيار 2015، صعدت الأسعار بنحو طفيف لتصل سبعين دولارا في مايو/أيار، وتدخل لاحقا دائرة التراجع ما بين خمسين و59 دولارا في يونيو/ حزيران ويوليو/تموز، وإلى أقل سعر منذ ست سنوات والذي تم تسجيله في تعاملات يوم الاثنين.

ويُعزى هذا الهبوط والتذبذب الذي رافقه -وفق المحللين- إلى وفرة المعروض بأسواق النفط، لا سيما من خارج الدول المصدرة للنفط (أوبك) وتحديدا ما يسمى طفرة النفط الصخري بالولايات المتحدة، إضافة لضعف النمو بمنطقة اليورو والتباطؤ بالصين والبرازيل.

حظر البترول العربي عام 1973 أخرج أسعار البترول من الشركات الاحتكارية (رويترز)

العرب والطفرة
في واحدة من أهم التحولات بأسعار النفط، كان للعرب الحضور الأبرز، على مستوى الإنتاج والأسعار وكبح هيمنة ما كان يعرف بـ"الأخوات السبع" على تجارة البترول وأسعاره.

فقد فرض الحظر البترولي العربي إثر حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 عصرا جديدا للنفط ودوره العالمي، ليسجل زيادة تجاوزت ثلاثة أضعاف إلى نحو 12 دولارا للبرميل من 3.5 دولارات، وإلى 14 دولارا بنهاية الثمانينيات، كما أصبحت منظمة أوبك لاعبا رئيسيا بتحديد الأسعار.

- ساهم العرب مرة أخرى في زيادة أسعار البترول أثناء الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) حيث ارتفعت الأسعار مع تزايد مخاطر الحرب بالخليج العربي بين قطبين منتجين للنفط في العالم (العراق وإيران) ووصلت الأسعار إلى نحو 25 دولارا للبرميل، ولتستقر عند 37 دولارا نهاية عام 1981.

- خلال الفترة من 1982 إلى 1985، هبطت الأسعار من مستوى 35 دولارا للبرميل عام 1981 إلى 31 دولارا عام 1982، واستمر الهبوط إلى 29 دولارا عام 1983، و28 دولارا عام 1984، و26 دولارا عام 1985. ووصلت الأسعار لأدنى مستوى لها عام 1986 عند 14 دولارا للبرميل.

أسعار البترول وصلت لأدنى معدل لها عام 1986 على خلفية الحرب العراقية الإيرانية (أسوشيتد برس)

أزمة الثمانينيات
-انخفضت الأسعار بشكل كبير إلى مستوى أقل من عشرة دولارات للبرميل مع أواخر 1986 على خلفية حرب الخليج الأولى، وقررت أوبك الدفاع عن خفض الإنتاج اليومي من 17 مليون برميل إلى نحو 15 مليونا في محاولة لرفع الأسعار.

- راوحت الأسعار بين 17 و18 دولارا للبرميل بالفترة ما بين 1987 و1989، قبل أن يؤدي الغزو العراقي للكويت يوم 2 أغسطس/آب 1990 لارتفاع وصل إلى 23 دولارا، خاصة مع توقف إنتاج الكويت والعراق بالحرب التي خيمت على منطقة تضم أكبر احتياطيات النفط بالعالم وأهم المصدرين. 

- خلال النصف الأول من التسعينيات، تأرجحت الأسعار بين عشرين و23 دولارا قبل أن تؤدي الأزمة المالية الآسيوية عام 1997 -التي بدأت مع انهيار العملة التايلندية- لانهيار الأسعار إلى أقل من عشرة دولارات، لترتفع  تدريجيا وتتراوح  ما بين 27 و35 دولارا مع بداية القرن الجديد.

ومع الطفرة الاقتصادية العالمية التي رافقت بداية القرن الجديد ونشوء أسواق نهمة للبترول ومشتقاته خاصة بآسيا (الصين والهند) شهدت الفترة بين 2000 و2008 زيادة غير مسبوقة بالطلب وبغياب إمدادات كافية وصل سعر البترول إلى أعلى سعر له تاريخيا عند 147 دولارا في يوليو/تموز عام 2008.

- هبط سعر البترول إلى 54 دولارا مع نهاية عام 2008، وصعد تدريجيا ليتأرجح بين مئة و115 دولارا، قبل أن تبدأ موجة الهبوط منذ صيف العام الماضي مع تعاف بسيط بالنصف الأول من عام 2015.

وفي ظل التحولات العالمية والأزمات الساخنة بعدد من المناطق -بينها الخليج والشرق الأوسط 
والتباطؤ الاقتصادي الحالي بالصين، ليس هناك مؤشر على إمكانية زيادة كبيرة وسريعة بأسعار البترول

كما أن دخول إيران -بعد رفع الحظر عنها- كمصدّر رئيسي نهم للعملة الصعبة، وعدم استعداد منتجين كبار لتخفيض الإنتاج، وزيادة معدل إنتاج النفط الصخري، لا يبعث على التفاؤل بطفرة أسعار في عالم لا يزال يُنتج الكثير من النفط الفائض على الحاجة.

المصدر : الجزيرة + وكالات