صباح نعوش

آلية النظام
هبوط الأسعار
محاولات بطيئة

تعاني السوق الأوروبية للكربون من أزمة حقيقية تتسم بالانخفاض الحاد والمستمر للأسعار. ولا يجد الأوربيون حكمة في الإسراع بمعالجة الأزمة، الأمر الذي يؤثر سلبا وبشدة على الهدف الأساسي لهذه السوق، وهو تقليص انبعاث الغازات الدفيئة، لا سيما ثاني أكسيد الكربون.

ومن بين الإجراءات المتخذة للتصدي للتلوث البيئي قرار مجلس الوزراء الأوروبي رقم 87 لسنة 2003 المتعلق بإحداث "النظام الجماعي لتبادل حصص الكربون"، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2005.

وأصبح طن غاز ثاني أكسيد الكربون (الحصة الواحدة تعادل طناً واحداً) يباع ويشترى في المزاد العلني أو بالاتفاق المباشر بين البائع والمشتري، فظهرت السوق الأوروبية للكربون، وهي الأكبر في العالم، إذ تعادل المبادلات الأوروبية ضعف المبادلات اليابانية والأميركية والأسترالية مجتمعة.

ويهدف نظام تبادل حصص الكربون لتقليل مستويات التلوث عبر منح حوافز مالية لخفض الانبعاثات الغازية المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، وعلى رأسها ثاني أوكسيد الكربون.

آلية النظام
وتحدد كل دولة عدد الحصص اللازمة لشركاتها خلال سنة، ويتم هذا التحديد انطلاقاً من متطلباتها الاقتصادية ومن التزاماتها في بروتوكول "كيوتو"، وتبرم اتفاقا مع المفوضية الأوروبية بشأن هذا العدد، ثم تضع الدولة في الثلاثين من أبريل/نيسان من كل سنة خطة لتوزيع الحصص على شركاتها المشمولة بالنظام.

ففي الفترة بين عامي 2008 و2012 بلغ العدد السنوي للحصص الموزعة في أوروبا 2.86 مليار حصة، وعلى سبيل المثال حصلت الشركات البلجيكية على 58 مليون حصة، والشركات الفرنسية على 132 مليون حصة، والشركات الإسبانية على 152 مليون حصة، والشركات البريطانية على 245 مليون حصة، والشركات الألمانية على 451 مليون حصة، وهكذا.

القاعدة العامة المتبعة منذ تطبيق نظام تبادل حصص الكاربون إلى الآن هي مجانية الحصص الموزعة، ويتعين على كل شركة الالتزام بالعدد الممنوح لها من الحصص للقيام بنشاطها، وتوجد آليات لمراقبة هذا الالتزام وغرامات قدرها مئة يورو
(111 دولارا) للطن الواحد توقع على من يخالف العدد

والقاعدة العامة المتبعة منذ تطبيق النظام إلى الآن هي مجانية الحصص الموزعة، ويتعين على كل شركة الالتزام بالعدد الممنوح لها من الحصص للقيام بنشاطها، وتوجد آليات لمراقبة هذا الالتزام وغرامات قدرها مئة يورو (111 دولارا) للطن الواحد توقع على من يخالف العدد.

وعلى الصعيد العملي، هناك شركات تحتاج لسبب ما كاتساع أنشطتها إلى عدد أكبر من ذلك الذي حصلت عليه مجانا، في حين أن شركات أخرى قد لا تستخدم جميع حصصها المجانية لسبب ما مثل تراجع إنتاجها، عندئذ (وهذه هي الحكمة الأساسية من النظام) تشتري الشركة المحتاجة حصصاً من الشركة التي حققت فائضا، وهكذا لا يقود النظام إلى التأثير سلبياً على أنشطة الشركة المبتاعة وإلى تحقيق دخل للشركة البائعة ناهيك عن احترام الالتزامات البيئية.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه المبادلات لا تقتصر على المؤسسات التابعة لدولة واحدة، بل تشمل شركات جميع الدول المنضوية تحت لواء النظام الجماعي وعددها 31 دولة، وهي جميع بلدان الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى النرويج وأيسلندا وليشتنشتاين.

ويبلغ عدد الشركات التابعة للنظام الجماعي نحو 15 ألفاً تسهم بنسبة 50% من انبعاث أكسيد الكربون، وبنسبة 45% من نفث الغازات الدفيئة في أوروبا، وهي بصورة خاصة مصانع الحديد والورق والإسمنت والزجاج ومصافي النفط ومؤسسات الطيران المدني.

وينبغي على النظام الجماعي التوفيق بين أمرين متناقضين: الأول الحفاظ على القدرة التنافسية للشركات الأوروبية المشمولة بالنظام، ويفترض ذلك أن تكون أسعار الكربون منخفضة لأنها تدخل في حسابات كلفة الإنتاج، والأمر الثاني هو تخفيض انبعاث الكربون، ويتطلب أسعارا مرتفعة للحصص بحيث تدفع الشركات إلى تحسين البحوث العلمية ورصد الاستثمارات الكافية لتطوير التكنولوجيا الكفيلة باستهلاك كمية أقل من الوقود الأحفوري لتصنيع سلعة معينة أو إنتاج خدمة معينة.

وحتى ينجح النظام الجماعي ينبغي إذن ألا يرتفع سعر طن الكربون كثيرا فيعيق الأنشطة الاقتصادية، وألا ينخفض كثيرا فيؤثر سلبا على التطوير التكنولوجي. وقد حددت مؤسسات الاتحاد الأوروبي سعرا مستهدفا لتحقيق هذا النجاح يتراوح بين ثمانية يوروات (8.8 دولارات) و12 يوروا (13.3 دولارا) للطن، لكنه لم يتحقق من الناحية العملية.

هبوط الأسعار
وانخفض سعر طن الكربون في أوروبا من 29.7 يوروا (33 دولارا تقريبا) في أبريل/نيسان 2006 إلى 7.9 يوروات (8.7 دولارات) في فبراير/شباط 2009، ثم إلى 6.8 يوروات (7.8 دولارات) في يناير/كانون الثاني 2015، ولم يطرأ أي تغيير مهم على هذا المستوى المنخفض، ونستدل من قراءة المعطيات أن السعر سيبقى منخفضاً طيلة السنوات الأربع القادمة.

ويعود هذا الانهيار إلى عوامل؛ في مقدمتها توزيع عدد من الحصص يفوق الحاجة، ولا توجد نية حالية لسحب الفائض البالغ في الوقت الحاضر 2.1 مليار حصة، حسب تقارير المفوضية، أي ما يعادل الحصص السنوية الموزعة على جميع الدول الأوروبية. وغني عن البيان أن ارتفاع العرض يقود إلى انخفاض الأسعار.

ومن جهة أخرى، حققت أوروبا في السنوات العشر المنصرمة -منذ تطبيق النظام الجماعي- نجاحاً في سياساتها للطاقة، الرامية إلى تنمية الطاقة المتجددة وتقليص استهلاك الوقود الأحفوري، إذ لا تحتاج الشركات الخاضعة للنظام الجماعي إلى شراء حصص من السوق مكتفية في أغلب الأحيان بتلك التي وزعت عليها مجانا. لقد تفاعل إذن هبوط الطلب مع ارتفاع العرض فانخفض السعر.

حققت أوروبا في السنوات العشر المنصرمة نجاحاً في سياساتها للطاقة الرامية إلى تنمية الطاقة المتجددة وتقليص استهلاك الوقود الأحفوري، إذ لا تحتاج الشركات الخاضعة للنظام الجماعي إلى شراء حصص من السوق مكتفية في أغلب الأحيان بتلك التي وزعت عليها مجانا

وفي سياق السياسة البيئية الأوروبية حل الغاز الطبيعي في ميادين عديدة مكان الفحم الحجري، فانخفض انبعاث الكربون أي تراجعت الحاجة لشراء كميات إضافية من الحصص.

وثمة عامل أساسي آخر تزامن مع الفائض وسياسة الطاقة، وهو الركود الاقتصادي، والذي لا يزال مستفحلاً في أوروبا؛ فقد أدت الأزمة الاقتصادية إلى تباطؤ حجم الصناعات والخدمات في جميع المجالات، كما انعكس تدهور الاستثمار وتراجع الاستهلاك بشكل مباشر على طلب حصص الكربون فهبط سعرها.

وسيعاني النظام الجماعي إذن من هبوط الأسعار ما دامت الأزمة الاقتصادية مستمرة، بل قد لا تعود الأسعار إلى سابق عهدها حتى وإن تحسنت الأوضاع الاقتصادية. فما تداعيات هذا الهبوط ووسائل التصدي له؟

معالجة بطيئة
إن الأسعار المنخفضة لحصص الكربون لا تشجع على بذل الجهود في سبيل التنمية التكنولوجية الرامية إلى تطوير صناعات تستهلك كميات أقل من الوقود الأحفوري، لأن هذه الجهود تتطلب استثمارات طائلة قد تكون غير مجدية في الفترة الراهنة المتسمة بالركود الاقتصادي وباعتدال أسعار النفط في السوق العالمية.

وبالتالي تفضل الشركات شراء الحصص منخفضة الأسعار بدلا من زيادة استثماراتها. ويقود هذا الوضع إلى تعذر تحقيق الهدف الأساسي من النظام الجماعي، وكذلك سياسة الطاقة الأوروبية وهو تقليص انبعاث أكسيد الكربون.

وتشير البيانات إلى أن الأوروبيين غير متحمسين لمعالجة هذه المشكلة بسرعة، خشية أن يفضي ارتفاع أسعار الحصص إلى الإضرار بالقدرة التنافسية للشركات الخاضعة للنظام الجماعي. فقد قرر مؤتمر القمة الأوروبية المنعقد في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2014 تقليص الحصص الموزعة بنسبة سنوية قدرها 1.7% حتى عام 2020 وبنسبة 2.2% بدءا من عام 2021.

ولا شك أن هذه الإجراءات الرامية إلى تخفيض التلوث سوف تخفف من حجم الفائض، لكنها بطيئة ولن تقود إلى امتصاصه بسرعة.

ولعل الوسيلة الأكثر فاعلية هي إعلان البرلمان الأوروبي في 24 فبراير/شباط 2015 إحداث آلية أطلق عليها اسم "الاحتياطي لاستقرار السوق"، وتتجلى في سحب الحصص الفائضة في أوقات الركود وضخ حصص في أوقات الرخاء الاقتصادي، واقترحت ألمانيا وفرنسا وبريطانيا تنفيذ هذه الآلية اعتباراً من مطلع عام 2017، لكن دولاً أخرى كبولندا أصرت على تطبيقها عام 2021، فتوصل الجميع إلى حل وسط وهو عام 2019.

لا شك أن انهيار أسعار حصص الكربون أسهم كثيرا في إضعاف دور النظام الجماعي في مكافحة التلوث البيئي، ولكن الأوروبيين يعتقدون بأن هذا الضعف مرحلي، وأن وجود النظام أفضل من عدمه، بل يتطلعون إلى سوق عالمية للكربون لا تقتصر على الدول الصناعية الملتزمة باتفاق كيوتو بل تضم أيضاً البلدان النامية.
ـــــــــــــ
باحث اقتصادي عراقي

المصدر : الجزيرة