عبد الحافظ الصاوي

مع بداية العام 2015 وظهور بوادر عدم قدرة اليونان على الوفاء بالتزاماتها الخارجية تجاه الدائنين، أظهر ألكسيس تسيبراس رئيس الوزراء اليوناني وجها جديدا للتعامل مع الاتحاد الأوروبي من خلال قوله "على الاتحاد الأوروبي أن يتعامل معنا بكرامة"، وهي عبارة كان لها ما بعدها، فقد عكست مدى توافق رأي الشعب اليوناني مع توجهات الحكومة.

ورغم أن اليونان تعيش أزمة اقتصادية حادة منذ سنوات، كشفت الأزمة عن أداء اتسم بالديمقراطية، عبر إطلاع الشعب على كل تفاصيل الأوضاع الاقتصادية من قبل الحكومة اليسارية التي تصدرت سدة الحكم، منذ انكشاف فساد الحكومات الليبرالية التي أدت إلى تراكم الديون على اليونان.

إقصاء المشاركة المجتمعية
الاستفادة من الخلافات الدولية
شركاء التنمية
ثمن المشاركة

إقصاء المشاركة المجتمعية
وثمة متابعة جيدة لأداء الحكومة اليونانية برئاسة أليكسس تسيبراس، تظهر مجموعة من الدروس التي يجب أن تقرأ جيدا للاستفادة منها في تجارب دولنا العربية، خاصة في جانبها المتعلق بالمشاركة المجتمعية، وكيفية استخدام أوراق الضغط المختلفة في التفاوض، وتحمل كل مؤسسات المجتمع لمسؤوليتها.

واللافت عند مقارنة ما حدث باليونان مع واقع الدول العربية، أننا نجد أن هناك فارقا كبيرا، حيث اعتمدت الدول العربية في إدارة ملفات أزماتها الاقتصادية، بشكل مختلف اعتمد على إقصاء الإرادة المجتمعية، نظرا لأن معظم الحكومات العربية التي مرت بأزمات اقتصادية لم تأت بطرق ديمقراطية، وحتى ونحن في العقد الثاني من الألفية الثالثة لا تزال هناك دول عربية ليس لديها برلمانات.

في كثير من الأحيان نفذت الحكومات العربية التغيير في شأنها الاقتصادي بقرارات منفردة، بعيدا عن البرلمانات، رغم أن هذه البرلمانات في الغالب تابعة للحكومات، ولا تمثل جهات رقابية وسلطة تشريعية حقيقية

فغالبية الدول العربية مع مطلع التسعينيات اتبعت منهج التحول الاقتصادي، وتبني اقتصاديات السوق، ونفذت برامج إصلاح اقتصادي، نالت من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بشكل سلبي، وكان أبرز هذه السياسات التي أضرت بالأوضاع الاقتصادية بالدول العربية برامج الخصخصة، وعقود الامتياز، وحرية التجارة.

وفي كثير من الأحيان نفذت الحكومات العربية التغيير في شأنها الاقتصادي بقرارات منفردة، بعيدا عن البرلمانات، رغم أن هذه البرلمانات في الغالب تابعة للحكومات، ولا تمثل جهات رقابية وسلطة تشريعية حقيقية.

نعم لم تصل الأوضاع الاقتصادية في البلاد العربية التي عانت من أزمات اقتصادية إلى ما وصلت إليه اليونان، لكن العبرة بما يتم من قبل الحكومة اليونانية في إدارة الأزمة، وهو ما سنشير إليه في السطور الآتية:

الاستفادة من الخلافات الدولية
في منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي الذي عقد منتصف يونيو/حزيران 2015، استغل رئيس الوزراء اليوناني الفرصة، ليوجه خطابا سياسيا، يلوح فيه بأن خروج اليونان من الاتحاد الأوروبي ليس نهاية الحياة، باعتبار أن أوروبا لم تعد مركز العالم، وأن هناك قوى اقتصادية أخرى. وهذه اللغة توجه رسالة للاتحاد الأوروبي بأن البديل هو التوجه لروسيا التي تخوض حربا اقتصادية باردة مع أوروبا وأميركا.

هذه اللغة لا تحرص عليها دول عربية كثيرة في إدارة ملفات أزماتها الاقتصادية، فعادة ما كانت الدول العربية أسيرة الغرب، وأجندته المكلفة، في حين أن مسارات الدول الشرقية الصاعدة يمكن أن تكون واجهة يستفيد العرب من التعاون معها، ويجعلها طرفا في معادلة التفاوض حول قضاياها الاقتصادية.

ولم يكن قرار الحكومة اليونانية بطرح برنامج الدائنين مجرد مناورة تفاوضية فحسب، بل مثلت جانبا مهما لدعم توجهاتها، فخفف عنها من أكثر من جهة. الجهة الأولى أن الحكومة اليونانية أمنت نفسها تجاه أي نقد سياسي لموقفها من قضية الديون، وبالتالي فالشعب هو متخذ القرار، أيا كانت تبعاته، وما سيترتب على القبول أو الرفض من مضايقات وشروط اقتصادية صعبة.

والأمر الثاني أن الحكومة أبطلت أية مظاهر للاعتراض على توجهها، خاصة تلك المظاهر المصحوبة بأعمال شغب، قد تؤثر على البنية الأساسية، أو تؤدي إلى تعطيل المرافق العامة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها اليونان.

كما أنها أظهرت الموقف اليوناني على أنه إرادة وقرار شعب، وليس رغبة حكومية تعكس أيديولوجية منافسة للرأسمالية، وهذا بحد ذاته كاف لأن يراجع الاتحاد الأوروبي شروطه في برامج التقشف التي يريد أن يفرضها على اليونان.

وباستحضار الأبعاد الأيديولوجية مرة أخرى، فكما عملت أوروبا وأميركا أثناء الحرب الباردة منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى نهاية الثمانينيات من تبني بعض الحقوق العمالية، وممارسة بعض الأعمال التي تحمل وجها اشتراكيا لاستيعاب الحركات العمالية مخافة اندماجها في الحركة الشيوعية، فإنها ستكون مضطرة تحت ضغط وجود حكومة يسارية في اليونان للتعامل بمرونة أكثر مع ملف الديون اليونانية ومنها شروط أفضل للسداد.

لكن التجربة العربية إبان أزمة المديونية الخارجية التي ألمت بعدد لا بأس به منها في نهاية ثمانينيات القرن العشرين، تم إدارتها من قبل الحكومات دون أية مشاركة للشعب، بل وبعضها تناسى وجود برلمانات من حقها أن تُعرض عليها خطة التصرف في مثل هذه القضايا. كما أن الحكومات العربية عادة تتبنى خطابا تطمينيا لكل القضايا الاقتصادية العامة، بل يصل الأمر إلى إنكار وجود مشكلة أصلا، وفي الوقت نفسه لا تعبأ الحكومات العربية برد فعل شعوبها، لذلك لا تحرص على مشاركتها.

شركاء التنمية
منذ عقد التسعينيات والبنك الدولي يسوق لمفهوم شركاء التنمية، وهم ثلاثة محاور رئيسية، هي الحكومة، ومنظمات الأعمال، والمجتمع المدني.

هل ستكون التجربة اليونانية بداية ليتعلم العرب كيف تدار الأزمات الاقتصادية القومية، وكيف يتحقق الاندماج بين الحكومات والشعوب للوصول إلى حلول تعبر عن مصير مشترك؟

واليونان فعلت هذا المفهوم من خلال الاستفتاء على برنامج التقشف، وكان بإمكانها أن تكتفي بمناقشة الأمر في البرلمان، لكن الخروج في مثل هذه الأزمة، التي قد تسمح قواعد التعامل معها بما بعد البرلمان، وهو الشعب، أدى إلى موقف قوي للوضع هناك.

وتحتاج دولنا العربية إلى أن يكون مفهوم شركاء التنمية معمولا به في كل مظاهر القضايا الاقتصادية، وهي كثيرة، بدءا من البطالة والفقر، ومرورا بالاستثمار والتصدير، وانتهاء بالاتفاق على نموذج تنموي يعكس تطلعات الشعوب العربية، وينقلها من مصاف الدول النامية إلى الدول الصاعدة ثم الدول المتقدمة في الأجل الطويل.

ثمن المشاركة
مشاركة الشعب اليوناني في الاستفتاء واتخاذ قرار برفض برنامج التقشف المفروض من الدائنين، لن تكون بلا ثمن على صعيدين، الأول الشعب الذي سيتحمل أوضاعا صعبة سواء انتهى الأمر بالوصول إلى اتفاق مع الدائنين أم لا، بما يترتب على ذلك من نقص السيولة، والقيود المفروضة على البنوك اليونانية. والصعيد الثاني يتعلق بمسؤولية الحكومة، فستكون تحت سيف المساءلة عن برنامجها الذي ستتوصل إليه لمعالجة قضية المديونية، وستكون قضية التخلص من الدين قضية شعب لا مجرد برنامج حكومة.

وأحسب أننا أمام طريق طويل لترى الدول العربية مثل هذه المعادلة، من شعب يحاسب الحكومة، وحكومة تضع الشعب أمام واجبات مصيرية، ولا يكون مشاركته في قرارات مصيرية مجرد تصويت انتخابي بقدر ما هو وعي بتبعات اختياره.

فمنذ استقلال الدول العربية بعد النصف الأول من القرن العشرين، والحكومات تعلن عن برامج وشعارات لم يتحقق منها شيء، ولم يحاسب أحد أحدا، وكانت النتيجة أن تحولت المشكلات الاقتصادية للدول العربية، إلى معضلات.

فهل ستكون التجربة اليونانية بداية ليتعلم العرب كيف تدار الأزمات الاقتصادية القومية، وكيف يتحقق الاندماج بين الحكومات والشعوب، للوصول إلى حلول تعبر عن مصير مشترك؟
ـــــــــــــــــــــ
كاتب صحفي مصري

المصدر : الجزيرة