ياسين بودهان-الجزائر

بعد دخوله حيز التنفيذ قبل يومين، شكك سياسيون واقتصاديون جزائريون في قدرة حكومة بلادهم على تطبيق قانون يلزم الجزائريين بالتعامل بالصكوك البنكية في كل المعاملات التجارية التي تزيد قيمتها على مليون دينار.

يأتي ذلك بعد أن أعلنت وزارة المالية عن قبول الحكومة لمرسوم تنفيذي متعلق بتحديد الحد الأدنى لمعاملات الدفع المالية، والذي يلزم بتوثيق التحويلات المالية التي تزيد قيمتها على مليون دينار جزائري (10044 دولارا) عبر إجراءات الدفع غير النقدي المخولة من قبل بنك الجزائر، مثل الصكوك أو التحويلات المصرفية.

طيفور أكد للجزيرة نت أن الجو غير شفاف للمعاملات المالية بالجزائر (الجزيرة نت)

ويشمل القانون مختلف التعاملات التجارية على غرار شراء السيارات الجديدة، والدراجات الجديدة، والتجهيزات الصناعية الجديدة، ومعدات الأشغال، إلى جانب الأملاك المعدنية الثمينة مثل المجوهرات، والتحف الفنية والأثرية وغيرها.

في حين يلزم الدفع عن طريق الصكوك فيما يتعلق بالتعاملات المالية المتعلقة بالعقارات التي تتجاوز قيمتها خمسة ملايين دينار جزائري (خمسين ألف يورو).

استقطاب للأموال
ووفق وزير المالية عبد الرحمن بن خالفة، فإن القانون من شأنه أن يوفر الراحة للجزائريين ويؤمن تعاملاتهم المالية، ويسمح باستقطاب الأموال المتجهة للخارج نحو القنوات البنكية.

وتسعى الحكومة إلى وضع حد للاقتصاد الموازي الذي يستقطب، وفق بعض التقديرات، نصف الكتلة المالية المتداولة في السوق.

وبسبب ما سبق، يشكك البعض في قدرة الحكومة على فرض القانون، خاصة وأنها أجبرت على التراجع عن تطبيقه مرتين عامي 2005 و 2011 بسبب ضغط الشارع وضغط رجال المال والأعمال.

ومن مؤشرات عدم قدرة الحكومة على تطبيقه، رفض نواب منتمون لحزب جبهة التحرير الوطني (حزب الأغلبية) لهذا القانون. فرئيس الكتلة البرلمانية محمد جميعي اعتبر أن "المنظومة المصرفية بوضعها الحالي وتوزيعها الجغرافي لا يمكنها أن تسمح بتطبيق هذا القرار".

واتهم عضو لجنة المالية بالبرلمان والمنتمي لنفس الحزب بهاء الدين طليبة الحكومة بالتسرع في تطبيق القرار، مؤكدا أن بلاده لا يتوفر لها منظومة بنكية متطورة، وأوضح أن 70% من الجزائريين لا يمتلكون أرصدة بنكية، وأن فتح حساب بنكي أمر معقد يتطلب أحيانا أربعة أشهر كاملة.

بنوك متخلفة
من جهته، يعتقد الخبير الاقتصادي والوزير المكلف بالاستشراف سابقا بشير مصيطفى أن عدم تطبيق القانون رغم وجوده منذ سنوات أمر مرتبط بغياب أدوات تطبيقه على مستوى المصارف.

وبيّن للجزيرة نت أن الحكومة تسعى من وراء هذا القرار إلى القضاء على الأموال المسيرة بالسوق الموازية، في محاولة منها للتغلب على عجز الميزانية في قانون المالية التكميلي، لأن مجابهة هذا العجز بات غير ممكن برأيه بالجباية النفطية في ظل تراجع أسعار النفط.

ولفت مصيطفى إلى أن القانون يساهم أيضا في محاربة التضخم الذي بلغ 5.1%، كما يساهم في إضفاء الشفافية على التعاملات مع القطاع الخاص، مما يؤدي إلى خلق جو منافسة أكثر عدلا، وتعتبر الصكوك من الأدوات المساعدة على ذلك.

مصيطفي: الحكومة تسعى من وراء القرار إلى القضاء على الأموال المسيرة بالسوق الموازية (الجزيرة نت)

وعن مدى قدرة الحكومة على فرض القرار، أكد مصيطفى وجود عدة صعوبات على المدى القصير تحُول دون ذلك أهمها عدم جاهزية البنوك بتحرير الحسابات البنكية، وعدم وجود فترة زمنية كبيرة بين إعلان القرار وآجال تطبيقه.

ولأن أغلب المتعاملين الاقتصاديين الذين يتجاوز عددهم أربعين ألفا يتهربون من التعامل بالصكوك خوفا من الضرائب، دعا الخبير الاقتصادي الحكومة إلى تطبيق العفو الجبائي لتشجيع أصحاب السيولة للتوجه إلى المصارف.

حل جزئي
ورغم ترحيبه بالقرار، فإن المستشار الإعلامي السابق لوزير التجارة فاروق طيفور أكد للجزيرة نت أن الجو غير الشفاف للمعاملات المالية بالجزائر بكل أنواعها أمر يصعب من تطبيق هذا القرار.

وبرأيه، فإن هذا القانون رغم التأخر الكبير في تطبيقه يبقى حلا جزئيا لمشكلة أكبر لما تعانيه المنظومة المالية التي تتسم بالبطء، ولا توفر فرصا لرجال الأعمال ولكل المتعاملين الاقتصاديين للدخول في مشهد مالي شفاف، وهي المنظومة التي قال إنها تحتاج لمقاربة أكبر لمعالجة مختلف اختلالاتها.

ويعتقد طيفور -وهو مكلف بالشؤون السياسية على مستوى حزب حركة مجتمع السلم حاليا- أن القانون يمكن تطبيقه تدريجيا، وأن يمس في البداية المؤسسات العمومية، على أن يعمم بعد ذلك على مستوى المؤسسات الاقتصادية الخاصة. 

المصدر : الجزيرة