عبد الحافظ الصاوي

الصعيد المحلي
الصعيد الإقليمي

منافسة إيرانية

التطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط لها تأثيراتها المباشرة على كافة المتغيرات، خاصة الاقتصادية منها، ولم تعد هناك دولة من دول المنطقة بمنأى عن هذه التأثيرات السلبية لتلك المتغيرات المتسارعة منذ أحداث ثورات الربيع العربي مطلع 2011.

وواكب هذه التغيرات موجات عالمية أخرى، منها استمرار الأزمة المالية الأوروبية، وكذلك استمرار التعافي الهش للاقتصاد العالمي، إلا أن أزمة انهيار أسعار النفط كانت بمثابة الطامة على اقتصاديات منطقة الشرق الأوسط، سواء على الدول النفطية أو غير النفطية.

وتركيا كواحدة من تلك الدول نالها جانب من تلك التأثيرات الاقتصادية السلبية، خاصة في ظل ممارسة دورها كقوة إقليمية وتبنيها مواقف سياسية تعارضت مع توجهات دول ثرية بالمنطقة، مما أثر بشكل ملحوظ على مصالحها الاقتصادية.

قاعدة بيانات البنك الدولي تشير إلى تراجع قيمة الناتج المحلي التركي في عام 2014 ليصل إلى 799 مليار دولار بعد أن كان 823 مليار دولار بنهاية عام 2013

هذه الأحداث الخارجية تضافرت معها أحداث داخلية، من أبرزها اهتزاز المشهد السياسي الداخلي، وتعرض البلاد لاحتمالية الدخول في انتخابات برلمانية مبكرة بعد نحو 12عاما من الاستقرار السياسي، وتبني مشروع تنموي أصبح يمثل نموذجا لطموح شعوب المنطقة.

قاعدة بيانات البنك الدولي تشير إلى تراجع قيمة الناتج المحلي التركي في عام 2014 ليصل إلى 799 مليار دولار بعد أن كان 823 مليار دولار بنهاية عام 2013، أي أن قيمة التراجع تصل إلى 24 مليار دولار، وبما يعادل نسبة 2.9%.

كما أن معدل البطالة وصل إلى 11.2% خلال الربع الأول من عام 2015 (يناير/كانون الثاني-مارس/آذار) في المتوسط، كما بلغت معدلات التضخم على أساس سنوي في مايو/أيار 2015 نحو 8.09%، وتتوقع الحكومة انخفاض هذه المعدلات خلال الفترة القادمة.

أيضا أشارت بيانات البنك الدولي إلى تراجع معدل نمو الناتج التركي بين عامي المقارنة من 4.2% في عام 2013 إلى 2.9% في عام 2014.

وكان لتراجع الناتج المحلي ومعدلات نموه أثر بلا شك في العديد من المؤشرات الاقتصادية الأخرى، أبرزها ارتفاع معدلات البطالة عن معدل 10%، خاصة في المناطق البعيدة عن إسطنبول، كما ارتفع معدل التضخم ليصل إلى 8.9% في عام 2014 مقابل 7.5% في عام 2013.

وما زالت الأحداث متفاعلة بخصوص تركيا، سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي، ونتناول أثر تلك الأحداث على مستقبل الاقتصاد التركي خلال المرحلة المقبلة في السطور الآتية:

الصعيد المحلي
شهد مطلع عام 2015 حالة من الترقب بخصوص الاقتصاد التركي مع قرب إجراء الانتخابات البرلمانية، وما ستسفر عنه من نتائج كانت توقعاتها تشير إلى احتمالات فقد حزب العدالة والتنمية الأغلبية التي تمكنه من تشكيل الحكومة منفردا، وهو ما حدث بالفعل في يونيو/حزيران 2015، حيث أتت النتائج متطابقة مع التوقعات.

وتعيش تركيا منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات البرلمانية حالة من عدم الاستقرار السياسي، بسبب فشل محاولات الأحزاب في تشكيل حكومة ائتلافية.

ينبغي أن تخرج تركيا في أسرع وقت من حالة السيولة السياسية، لاسترجاع حالة الاستقرار السياسي الذي يحتاجه مناخ الاستثمار بشكل خاص، والاقتصاد بشكل عام

هذه الأحداث أدت بدورها منذ يناير/كانون الثاني 2015 إلى حدوث تراجع في قيمة الليرة التركية لتنخفض إلى 2.34 ليرة للدولار في يناير/كانون الثاني 2015، واستمر هذا الانخفاض في يوليو/تموز الحالي إلى 2.73 ليرة للدولار.

لذلك ينبغي أن تخرج تركيا في أسرع وقت من حالة السيولة السياسية، لاسترجاع حالة الاستقرار السياسي الذي يحتاجه مناخ الاستثمار بشكل خاص، والاقتصاد بشكل عام.

ولا يقتصر التراجع بالمؤشرات الاقتصادية الكلية التركية على العملية السياسية الداخلية، لكن ثمة متغير جديد يتعلق بممارسات العنف من قبل حزب العمال الكردستاني، وكذلك محاولة تنظيم الدولة الإسلامية نقل عملياته داخل تركيا.

وهذه التطورات لها تداعياتها الاقتصادية السلبية على تركيا، منها أولا: اهتزاز صورة الاقتصاد التركي باعتباره يتمتع بحالة من الاستقرار الأمني.

وثانيا: إن تصعيد أعمال العنف سوف يكبد الدولة التركية تكاليف لم تكن في حساباتها، أبرزها الطلعات الجوية التي تمت على مواقع تنظيم الدولة وحزب العمال الكردستاني، وحالة الاستنفار التي تعيشها القوات التركية على الحدود مع كل من العراق وسوريا، فضلا عن حالة الاستنفار على مستوى الأمن العام الداخلي.

ويخشى أن تستنزف تركيا في المواجهات مع كلا التنظيمين، سواء على الأراضي التركية، أو في الأراضي السورية والعراقية، فدخولها في هذه الدوامة سوف يفتح بابا لنفقات اقتصادية كبيرة، خاصة أن مثل هذه التنظيمات يعتمد على زعزعة الحالة الأمنية والتركيز على التفجيرات بالداخل.

ولعل التجربة التركية قبل عام 2002 مع حزب العمال الكردستاني تفيدها في تقليل خسائرها الاقتصادية بصورة ما، لكن على كل حال فقد فتح باب من أبواب استنزاف الاقتصاد التركي.

الصعيد الإقليمي
حاولت تركيا خلال الفترة الماضية الوقوف على مسافة واحدة من أطراف النزاع في الشرق الأوسط، ووطدت علاقاتها الاقتصادية مع كل من إيران والخليج، مما رفع حجم تعاملاتها الاقتصادية مع الطرفين لتصل إلى نحو سبعين مليار دولار مع الخليج، ونحو خمسين مليارا مع إيران.

انحياز تركيا لأحد طرفي النزاع الخليجي الإيراني سيكون ثمنه تكبد هذا الطرف تأمين احتياجات تركيا من النفط والغاز الذي سيُمنع عنها من الطرف الآخر

لكن ثمة تغيرات جدت على علاقة تركيا بالخليج وإيران، منها ما يتعلق باختلاف موقف تركيا مع بعض دول الخليج في ما يتعلق بأحوال دول الربيع العربي، ومنها ما يتعلق بموقف تركيا من الخلاف المتصاعد بين الخليج وإيران في الملف اليمني.

إن انحياز تركيا لأحد طرفي النزاع الخليجي الإيراني سيكون ثمنه تكبد هذا الطرف تأمين احتياجات تركيا من النفط والغاز الذي سيُمنع عنها من الطرف الآخر، ويذكر أن النفط يمثل أغلبية تعاملات تركيا مع الطرفين.

ولقد تحسن موقف تركيا مع السعودية بعد أزمة اليمن، مما حد من احتمالات تراجع العلاقات الاقتصادية بينهما بسبب خلافهما على تقدير الموقف من الانقلاب العسكري بمصر.

ولا بد هنا أن نذكر أثر أزمة انهيار أسعار النفط على دول المنطقة، فكل من إيران ودول الخليج تأثرت سلبيا بهذه الأزمة، ومن تداعياتها السلبية أنها قد تؤدي إلى تراجع تعاملات إيران والخليج التجارية والاقتصادية مع تركيا وإن كانت استفادت بشكل كبير من انهيار أسعار النفط باعتبارها دولة مستوردة له.

منافسة إيرانية
إن موقف إيران بعد نجاحها في الوصول لاتفاق مع مجموعة (5+1) حول برنامجها النووي سوف يفتح مجالا لإمكانية إعادة النظر في طبيعة العلاقة الاقتصادية وحجمها بين إيران وتركيا، لما ستجنيه إيران من تخلصها من سياسة "النفط الرخيص" التي استفادت منها تركيا بشكل كبير على مدار العقد الماضي.

ليس هذا فحسب، بل قد توجه إيران نحو مليوني سائح يقصدون تركيا كل عام نحو بلدان أخرى ستفتح بابها بلا شك للسياحة الإيرانية، مما سيؤثر سلبا على عوائد السياحة لتركيا.

وتعتبر عوائد السياحة في تركيا من أهم مصادر النقد الأجنبي للبلاد، حيث وصلت في عام 2014 إلى 34.3 مليار دولار، وأتت تركيا في المرتبة السادسة من حيث عدد السياح على مستوى العالم، والـ12 من حيث الإيرادات السياحية.

وقد يكون لمصر نصيب من تحول السياحة الإيرانية عن تركيا، خاصة أن إيران حريصة على هذه النقطة منذ سنوات، وسوف يساعدها على هذا الأمر حدوث تحول في السياسة المصرية تجاه إيران، حيث تركز مصر على استخدام ورقة علاقاتها بإيران كورقة ضغط على السعودية.

وقد لا يقتصر الأمر فقط بين مصر وإيران في التأثير الاقتصادي على تركيا على التحول السياحي، بل قد يشهد تطورا يمتد لأنشطة تجارية واقتصادية أخرى تكون خصما من العلاقات الاقتصادية التركية المصرية.

ويتوقع أن تكون إيران مقصدا سياحيا منافسا لتركيا خلال الفترة المقبلة لتطلع جزء لا يستهان به من الغربيين ودول أخرى للتعرف على المجتمع الإيراني الذي ظل مغلقا لأكثر من ثلاثة عقود أمام السياحة العالمية، وتتمتع إيران بمعالم سياحية ثقافية تساعدها على جذب السياح.

وثمة أمر مهم، وهو أن إيران قد لا تعتمد فقط في تنمية اقتصادها على المصادر الريعية من النفط والسياحة، لكنها قد تستفيد من تجربة الاعتماد على الذات في تطوير قطاعها الصناعي.

فقد تطور إيران آليات هذا القطاع ليكون منافسا لتركيا في إنتاج السلع المصنعة، خاصة أن تركيا ما زالت تنتج سلعا كهربائية وإلكترونية ذات قيمة مضافة غير عالية، مما سيسهل مهمة التنافس على الصناعة الإيرانية.
ـــــــــــــــــــــ
كاتب صحفي مصري

المصدر : الجزيرة