ياسين بودهان-الجزائر

تسود مخاوف بين أوساط الجزائريين من مدى تأثير تراجع قيمة العملة المحلية (الدينار) أمام العملات الأجنبية، إلى مستوى غير مسبوق، على أسعار مختلف المواد الاستهلاكية المستوردة، والتي تتجاوز فاتورتها السنوية ستين مليار دولار.

وقد فقد الدينار عامي 2014 و2015 نحو 11% من قيمته، كما خسر 25% منذ عام 2013، وذلك عبر آلية تخفيض سعر الصرف التي اتبعها البنك المركزي في إطار سياسته النقدية، وليس عبر آلية انخفاض سعر الصرف التي تفرزها أسواق النقد.

وتشير أرقام بنك الجزائر إلى أن سعر صرف الدينار بالسوق الرسمية انخفض إلى 93.21 دينارا نهاية مارس/آذار 2015 مقابل 77.9 دينارا بالشهر نفسه من عام 2014، في حين سجل الأسبوع الماضي انخفاضا غير مسبوق حينما وصل 100.30 دينار للدولار بنسبة تراجع تجاوزت 30%.

ويوضح الاقتصادي وكاتب الدولة (وزير) المكلف بالإحصاء السابق بشير مصيطفي أن سعر الصرف في حالة الدينار يخضع للتحديد الإداري، وليس للتعويم أو حرية أسواق النقد، ولهذا يمكن استخدامه من لدن الحكومة لغرض إدارة السياسة المالية، وهذا ما يحدث الآن.

مصيطفى: الدينار الضعيف يسمح بتحصيل جباية نفطية أكبر عند التحويل للدولار(الجزيرة)

ثلاثة دوافع
ورصد الاقتصادي الجزائري، في تصريح للجزيرة نت، ثلاثة دوافع وراء خفض قيمة الدينار أمام كل من الدولار واليورو، أولها دافع إدارة الموازنة بالشق المتعلق بإيرادات الجباية النفطية.

ويوضح أن الدينار "الضعيف" يسمح بتحصيل جباية نفطية أكبر عند التحويل من الدولار، وهذا ناجم عن حالة تراجع صادرات النفط، وبالتالي تقلص إيرادات النفط في الموازنة.

ويتجلى الدافع الثاني بإدارة الميزان التجاري الذي شهد نهاية يونيو/حزيران الماضي عجزا قدره 7.7 مليارات دولار، إذ يتم وضع سقف لقيمة الواردات والتخفيض من حجمها، خاصة وأن جزءا مهما من تلك الواردات يخضع للدعم الحكومي عبر الموازنة.

ويتعلق الدافع الثالث بالتوازن الكلي للاقتصاد عبر التوجه نحو جعل الدينار ضعيفا في ظل شح السيولة وسياسة الطلب الكلي للحكومة، وبسبب عدم كفاءة السياسة المالية (الجباية والحواجز والقيود الجمركية).

ويعتقد البعض أن تراجع سعر الدينار الجزائري أمام الدولار تحديدا سيساهم في تقليص هامش تحرك الحكومة لتجاوز تداعيات أزمة انخفاض أسعار النفط بالأسواق العالمية.

القدرة الشرائية
ولأن معدل سعر صرف العملة المحلية يُعد مؤشرا ومقياسا للقدرة للشرائية، فإن الجزائريين متخوفون من تحمل تداعيات هذا الانخفاض، لأن 70% من احتياجاتهم من السلع مستوردة، كما أن الحكومة تنفق نحو 28% من دخلها الإجمالي الخام على تمويل النفقات الاجتماعية ودعم مختلف المواد الاستهلاكية.

جانب من ميناء الجزائر العاصمة (الجزيرة)

ويتوقع مصيطفي أن تسجل مختلف المواد الواسعة الاستهلاك، على غرار الحليب والحبوب والسكر والزيت، ارتفاعا في الأسعار، إلا أن هذا الارتفاع برأيه لن يحس به الجزائريون لأن الحكومة ستتحمل الزيادة تحت غطاء الدعم الحكومي المباشر للأسعار.

في المقابل، توقع الوزير السابق ارتفاع أسعار المواد نصف المصنعة والتجهيزات وكاملة الصنع، إلى جانب أسعار المواد المستوردة المحررة مثل السيارات وتجهيزات الاستهلاك، مما يساهم في الرفع من معدل التضخم فوق 5%.

ويتوقع المسؤول الجزائري السابق أن تواجه الحكومة هذا الأمر بوضع قائمة "رمادية" لتلك المواد، بحيث سيتم تشجيع المنتج المحلي والذي يخضع بدوره إلى معادلة السعر المبني على الكلفة المحلية وليس كلفة الاستيراد مما يخدم استقرار الأسعار.

ضعف الإنتاج
من جانب آخر، أكد المستشار السابق بوزارة الطاقة عبد الرحمان مبتول أن تراجع قيمة الدينار سببه ضعف الإنتاج، والدليل على ذلك وفق رأيه هو أن 98% من صادرات الجزائر محروقات (نفط وغاز).

ويعتقد مبتول أن رفع قيمة العملة الجزائرية لا يكون إلا عبر تبني سياسات اقتصادية قوية تعيد الثقة للاقتصاد، وتشجع المؤسسات الإنتاجية، مع إعادة النظر في سياسات الدعم الحكومي.

وذلك لن يتحقق -برأيه- إلا عن طريق فتح نقاش يجمع الحكومة مع شركائها الاقتصاديين لمعالجة المعطيات الاقتصادية الجديدة، ووضع رؤية استشرافية، خاصة في حال استمرار منحنى انخفاض أسعار النفط.

المصدر : الجزيرة