عوض الرجوب-الخليل

كنتيجة طبيعية للاحتلال وغياب السيادة وقلة التشريعات، أصبح الاقتصاد الفلسطيني رهينة لتعقيدات السياسة وتفاعلاتها من جهة، وجشع التجار من جهة ثانية، ليصب في صالح المستهلك الفلسطيني أحيانا، وأحيانا أخرى في صالح الاحتلال ورأس المال.

ورغم دفاع الجهات الرسمية عن بروتوكول باريس، الذي ينظم العلاقة الاقتصادية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، فإنها تقف عاجزة عن ضبط السوق الفلسطينية أمام المنافسة الإسرائيلية وتزايد عمليات التهريب، واحتكار كبار التجار لمنتجات أساسية.

ففضلا عن العوامل السياسية وتصنيفاتها للمناطق الفلسطينية، فإن اختلاف السياسات الاقتصادية بين مناطق السلطة وإسرائيل يزيد الأمور تعقيدا مما يجعل السوق الفلسطينية مفتوحة بل ومستباحة.

الوكالات والاحتكار
وتمثل الوكالات التجارية أحد جوانب هذه التعقيدات، ففي الوقت الذي تسمح فيه قوانين إسرائيل بالمنافسة وحرية الاستيراد من الخارج، تقوم سياسة السلطة الفلسطينية على حماية الوكلاء لأسباب مختلفة، وهو ما يقود للاحتكار وارتفاع الأسعار بشكل يلحق الضرر بالمستهلك.

إبراهيم القاضي يؤكد استهداف الوكلاء الفلسطينيين من قبل تجار إسرائيليين (الجزيرة نت)

لكن في المقابل يشتكي وكلاء بعض المنتجات العالمية من منافسة شركات إسرائيلية لهم في السوق الفلسطينية، وأحيانا عن طريق تجار فلسطينيين، ويطالبون الجهات الرسمية بحمايتهم. وهنا قد يكون وكلاء بعض المنتجات من فلسطينيي 48، أو يتم إدخال بضائعهم السوق الفلسطينية عن طريق تجار فلسطينيين وبإجراءات رسمية.

وفي حين يتحدث وكلاء متضررون من سياسة "إغراق السوق الفلسطينية" التي تنتهجها شركات إسرائيلية وكيلة لمنتجات عالمية، يكشف أحد مستوردي المواد الغذائية (فضل عدم التطرق لاسمه واسم شركته) أن شركات فلسطينية تحتكر استيراد مواد غذائية أساسية ومواد تنظيف تبيعها بأسعار مرتفعة مقارنة مع السوق الإسرائيلية.

وتابع أن من مصلحة المستهلك شراء السلعة الأقل سعرا، مما يدفع بعض التجار لإعادة تسويق منتجات يستوردها وكلاء إسرائيليون وقد يكونون من فلسطينيي 48 بشكل قانوني وبأسعار أقل.

أما جمعية حماية المستهلك فتدعو إلى قانون ينظم المنافسة ويمنع الاحتكار أسوة بدول العالم. ويقول رئيس الجمعية صلاح هنية إن وجود وكيل حصري لسلعة معينة -قد تكون أساسية- يساهم في رفع الأسعار بشكل كبير، مستشهدا بأسعار بعض أصناف الحليب المجفف والأدوية المستوردة والخاصة بالأمراض المزمنة التي تصل إلى ضعف ما هو في إسرائيل أو دول الجوار.

ويلفت هنية في حديثه للجزيرة نت إلى استغلال الوكالات الإسرائيلية لبعض الشركات العالمية الوضع السياسي العام لبيع بضائعها في الأراضي المحتلة بأسعار أقل من تلك التي تكلف الوكيل الفلسطيني لنفس السلعة، بهدف الإضرار بهذا الوكيل وإفشاله والسيطرة على السوق.

وشدد على أن ضبط السوق يحتاج بالدرجة الأولى إلى اقتصاد فلسطيني مستقر ووكالات متنافسة ومنافذ حرة للاستيراد من الخارج "ودون ذلك سيبقى الاقتصاد الفلسطيني مستباحا وعرضة للانهيار".

من جهته، يؤكد المدير العام للإدارة العامة لحماية المستهلك بوزارة الاقتصاد الفلسطينية إبراهيم القاضي استهداف الوكلاء الفلسطينيين من قبل تجار إسرائيليين ودولة الاحتلال على حد سواء، مشيرا إلى الإعاقات التي يضعها الاحتلال أمام الاستيراد المباشر من الخارج.

صلاح هنية: ضبط السوق يحتاج بالدرجة الأولى إلى اقتصاد فلسطيني مستقر (الجزيرة نت)

وكان مجلس الوزراء الفلسطيني قرر عقب حجز إسرائيل مطلع العام الجاري أموال الضرائب التي تجمعها نيابة عن السلطة الفلسطينية، اتخاذ عدة إجراءات لإعادة صياغة العلاقة الاقتصادية مع إسرائيل، وتشجيع الاستيراد المباشر، بدلا من الاستيراد عبر الوسطاء الإسرائيليين.

إعاقات جدية
وأوضح القاضي أن هناك محاولات لاستهداف الاستيراد الفلسطيني المباشر، فضلا عن محاولات تهريب منتجات لها وكيل فلسطيني، وأوضح أنه رغم غياب نص قانوني يحمي الوكلاء الفلسطينيين، تمنع اللائحة التنفيذية الخاصة بالمستهلك تسويق أي منتج إلا من خلال الوكيل الفلسطيني.

واستشهد القاضي بعدة تدخلات لحماية بعض الوكلاء، لكنه أضاف أن ذلك يتم في حال تقدم الوكيل بشكوى تؤكد أنه وكيل حصري لمنتج معين ومسجل لدى الجهات الرسمية.

ومع ذلك تابع القاضي في حديثه للجزيرة أن ضبط السوق الفلسطيني غير ممكن مع عدم وجود معابر حقيقية وهيمنة الاحتلال على مساحات مفتوحة من الأرض تستغل للتهريب، فضلا عن عدم وجود أحكام رادعة بحق المخالفين.

ودافع القاضي عن بروتوكول باريس الاقتصادي، وقال إنه يحمي ويعزز الاقتصاد الفلسطيني والاستيراد المباشر في حال طبق بالكامل، لكنه أكد أن الاحتلال يحرص على تطبيق الشق الذي يخدمه منه، "ففي حين يستغرق وصول البضائع لمستوردها الإسرائيلي أربعة أيام، تستغرق  25 يوما بالنسبة للمستورد الفلسطيني".

المصدر : الجزيرة