يانيس فاروفاكيس

أملت قمة منطقة اليورو شروط الاستسلام على رئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس، الذي قَبِلها كلها نظراً لشعوره بالرعب من البدائل.

ويتعلق أحد هذه الشروط بالتصرف في ما تبقى من الأصول العامة اليونانية.

فقد طالَب زعماء منطقة اليورو بتحويل الأصول العامة اليونانية إلى شيء أشبه بصندوق تروهاند (أداة للبيع بأثمان بخسة أشبه بتلك التي استخدمت بعد سقوط سور برلين لخصخصة كل الملكية العامة المتلاشية لدولة ألمانيا الشرقية بسرعة وبخسائر مالية كبيرة) فضلاً عن الآثار المدمرة التي خلفتها على العمالة.  

صندوق تروهاند اليوناني
اقتراح بديل لصندوق تروهاند

صندوق تروهاند اليوناني
سوف يكون مقر صندوق تروهاند اليوناني -المنتظر- في لوكسمبورغ، وسوف يتولى إدارته والإشراف عليه وزير المالية الألماني فلوفغانغ شويبله، واضع هذا المخطط.

وسوف يكمل الصندوق هذا البيع البخس في غضون ثلاث سنوات. وفي حين كان عمل صندوق تروهاند الأصلي مصحوباً باستثمارات هائلة من ألمانيا الغربية في البنية الأساسية وتحويلات مالية اجتماعية واسعة النطاق لسكان ألمانيا الشرقية، فإن شعب اليونان لن يتلقى أي فوائد من أي نوع في المقابل.

والحق أن إقليدس تساكالوتوس، الذي خلفني في منصب وزير المالية في اليونان قبل أسبوعين، بذل قصارى جهده للتخفيف من أسوأ جوانب خطة تروهاند اليونانية.

إن اقتراح صندوق تروهاند اليوناني هو خطة سامة على المستوى السياسي، لأن الصندوق برغم وجود مقره في اليونان، سوف يُدار فعلياً بواسطة الترويكا، وهو ضار على المستوى المالي أيضا، لأن العائدات سوف توجه نحو خدمة ما يعترف الآن حتى صندوق النقد الدولي بكونه ديناً غير قابل للسداد

وقد تمكن من إقناع الجانب الآخر بضرورة أن تكون أثينا مقر الصندوق الجديد، كما انتزع من دائني اليونان (أو ما يسمى الترويكا التي تتألف من المفوضية الأوروبية، والبنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي) التنازل المهم المتمثل في إمكانية تمديد المبيعات لمدة ثلاثين عاما، بدلاً من مجرد ثلاث سنوات. وكان هذا الأمر بالغ الأهمية، لأنه سيسمح لدولة اليونان بالاحتفاظ بأصول مقومة بأقل من قيمتها إلى أن تتعافى أسعارها من المستويات الدنيا الحالية الناجمة عن الركود.

لكن من المؤسف أن صندوق تروهاند اليوناني يظل أداة بغيضة، ولا بد أن يشكل وصمة عار على ضمير أوروبا، والأمر الأسوأ أنه يمثل فرصة ضائعة.

فالخطة سامة على المستوى السياسي، لأن الصندوق برغم وجود مقره في اليونان، سوف يُدار فعلياً بواسطة الترويكا. وهو ضار على المستوى المالي أيضا، لأن العائدات سوف توجه نحو خدمة ما يعترف الآن حتى صندوق النقد الدولي بكونه ديناً غير قابل للسداد. وهو فاشل على المستوى الاقتصادي، لأنه يهدر فرصة رائعة لإنشاء استثمارات محلية للمساعدة في مواجهة الأثر الانكماشي الناجم عن ضبط الأوضاع المالية والذي يشكل أيضاً جزءاً من "شروط" قمة 15 يوليو/تموز.

اقتراح بديل لصندوق تروهاند
وما كان ينبغي للأمر أن يتم على هذا النحو بالضرورة. ففي 19 يونيو/حزيران الماضي، أجريت اتصالاتي بالحكومة الألمانية والترويكا لعرض اقتراح بديل، كجزء من وثيقة بعنوان "إنهاء الأزمة اليونانية".

ويتضمن اقتراح الحكومة اليونانية جمع الأصول العامة (باستثناء تلك وثيقة الصلة بأمن البلاد، والمرافق العامة، والتراث الثقافي) في شركة قابضة مركزية منفصلة عن الإدارة الحكومية وتدار ككيان خاص تحت رعاية البرلمان اليوناني، بهدف تعظيم قيمة أصولها الأساسية وخلق تيار استثماري محلي. وسوف تكون الدولة اليونانية المساهم الوحيد في هذه الشركة، ولكنها لن تضمن التزاماتها وديونها".

وكان لهذه الشركة القابضة أن تلعب دوراً نشطاً في تجهيز الأصول للبيع، كما كانت "لتصدر سنداً مضموناً بالكامل في أسواق رأس المال الدولية" لجمع نحو ثلاثين إلى أربعين مليار يورو (32 إلى 43 مليار دولار أميركي)، وهو ما يمكن استثماره في تحديث وإعادة هيكلة الأصول".

وقد توخت الخطة برنامجاً استثمارياً لمدة ثلاث إلى أربع سنوات، من شأنه أن يسفر عن إنفاق إضافي بقيمة 5% من الناتج المحلي الإجمالي سنويا"، حيث تشير ظروف الاقتصاد الكلي الحالية ضمناً إلى "مضاعف نمو إيجابي أعلى من 1.5"، ولا بد أن يكون هذا كافيا "لدفع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى أعلى من 5% لعدة سنوات". وهذا بالتالي، كان ليستحث "زيادات نسبية في العائدات الضريبية"، وبالتالي "يسهم في تعزيز الاستقرار المالي، في حين يعمل على تمكين الحكومة اليونانية من ممارسة الانضباط في الإنفاق من دون تقليص الاقتصاد الاجتماعي".

بمجرد أن أدركت القوى الفاعلة أن الحكومة اليونانية توشك على الاستسلام الكامل لمطالب الترويكا، فقد رأت من المناسب أن تفرض على اليونان نموذج صندوق تروهاند المهين الخبيث الذي يفتقر إلى الخيال

وبمرور الوقت، فإن الشركة القابضة كانت تمنح "ترخيصاً مصرفيا" في غضون عام أو اثنين، "وبالتالي تحول نفسها إلى بنك تام النضج للتنمية قادر على حشد استثمارات القطاع الخاص لصالح اليونان والدخول في مشاريع تعاونية مع البنك الأوروبي للاستثمار".

وكان بنك التنمية الذي اقترحناه ليسمح للحكومة "باختيار الأصول التي يمكن خصخصتها، في حين يضمن قدراً أعظم للتأثير على خفض الديون". وعلى أية حال، فإن "قيم الأصول لا بد أن تزيد بأكثر من المبلغ الحقيقي الذي يتم إنفاقه على التحديث وإعادة الهيكلة، مع الاستعانة ببرنامج لإقامة الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والتي تتعزز قيمتها وفقاً لاحتمال الخصخصة في المستقبل".

بيد أن اقتراحنا استقبل بالصمت التام. وعلى نحو أكثر دقة، استمرت المجموعة الأوروبية التي تتألف من وزراء مالية منطقة اليورو والترويكا في تسريب معلومات إلى وسائل الإعلام العالمية مفادها أن السلطات اليونانية ليس لديها مقترحات معقولة إبداعية.

بعد بضعة أيام، وبمجرد أن أدركت القوى الفاعلة أن الحكومة اليونانية توشك على الاستسلام الكامل لمطالب الترويكا، فقد رأت من المناسب أن تفرض على اليونان نموذج صندوق تروهاند المهين الخبيث الذي يفتقر إلى الخيال.

وعند نقطة تحول في التاريخ الأوروبي، ألقي بديلنا المبتكر في سلة المهملات، ولا يزال هناك إلى أن ينقذه آخرون.
ـــــــــــــــــ
فاروفاكيس وزير مالية اليونان السابق.

المصدر : بروجيكت سينديكيت