براناب باردهان

كان الهبوط المذهل الأخير الذي سجلته سوق الأوراق المالية في شنغهاي ومنطقة شنتشن بمثابة اختبار فريد للحكام الشيوعيين في الصين. فطالما كانت الأسواق في ارتفاع، كانت المفارقة المتمثلة في التنمية الرأسمالية القوية التي يشرف عليها الحزب الشيوعي الأكبر والأقوى على مستوى العالم لا تحير سوى الأكاديميين والماركسيين من المدرسة القديمة.

وما دام أهل النخبة في الحزب الشيوعي وأقاربهم، والمؤسسات المالية الأجنبية، وبعض صغار المستثمرين الصينيين قادرين على جمع المال من الأسهم، فلم يكلف أحد نفسه عناء فهم المخلوق المتحور الذي كانوا يصنعونه.

تدابير تصحيحية
اتهامات فساد أم عملية تطهير؟

تدابير تصحيحية
لكن الآن، ومع زيادة الإدراك بأن أسعار الأسهم الصينية لن تستمر في الارتفاع إلى ما لا نهاية، يتخذ الحزب الشيوعي الصيني تدابير يائسة -وإن كانت خرقاء- للسيطرة على عملية التصحيح.

وتم إيقاف جميع الاكتتابات العامة الأولية الجديدة، كما تم اختصار قدر كبير من التداول، وطُلِب من البنك المركزي مساعدة شركة تمويل الأوراق المالية الصينية على تحفيز المستثمرين لشراء الأسهم وبالتالي تثبيت استقرار السوق. وحتى صندوق الثروة السيادية الصيني انضم إلى هذا الجهد.

إن المسؤولين الصينيين يرغبون في سوق أوراق مالية رأسمالية لكن في غياب إمكانية الخسائر الكبيرة التي قد تهز الثقة في مصداقية الحزب الشيوعي الصيني وقدرته على السيطرة، لكن مثل هذه السوق لم تخترع بعد

لكن خلافاً للحال في اقتصادات رأسمالية أخرى، لا يشكل المال الأداة الوحيدة المتاحة تحت تصرف السلطات. فإذا نصحك السماسرة في الصين ببيع الأسهم، فلا بد أن يتوخوا الحذر حتى لا يبدو الأمر وكأنهم مروجين للشائعات، وهو ما من شأنه أن يخضعهم للعقاب الرسمي. وهناك تقارير تشير إلى أن بيع حيازات كبيرة ربما يؤدي إلى إطلاق تحقيقات من قِبَل السلطات. وإحداث اضطرابات عامة أو زعزعة الاستقرار المالي قد يشكل جريمة خطيرة في الصين، حيث نظريات المؤامرة حول الجهود التي يبذلها الأجانب لتقويض الاقتصاد وفيرة.

والواقع أن المسؤولين الصينيين يرغبون في سوق أوراق مالية رأسمالية لكن في غياب إمكانية الخسائر الكبيرة التي قد تهز الثقة في مصداقية الحزب الشيوعي الصيني وقدرته على السيطرة. لكن هذه السوق لم تخترع بعد.

إن مشهد النظام الشيوعي الذي يحاول تعزيز سوق رأسمالية أشبه بنادٍ للقمار ليس سوى أحد التناقضات الكثيرة التي تراكمت في كل ركن من أركان الاقتصاد والسياسة في الصين تقريبا. والآن ربما أصبح ثِقَل هذه التناقضات أعظم من أن يتحمله التسلسل الهرمي للحزب الحاكم.

إن تكوين الحزب الشيوعي الصيني ذاته يشكل تناقضاً واضحا. فالحزب الثوري المؤلف من الفلاحين والعمال أصبح الآن تحت هيمنة رجال الأعمال، وطلاب الجامعات، والمهنيين.

ومن المعروف أن ثلث الأشخاص المسجلين في تقرير هورون -الذي يرصد أكثر أهل الصين ثراء- هم من أعضاء الحزب. والواقع أن متوسط ثروة أكثر من سبعين عضواً في مجلس نواب الشعب الصيني (البرلمان الصيني) يتجاوز كثيراً مليار دولار. في حين أن أكثر من سبعين عضوياً في البرلمان الهندي أو حتى الكونغرس الأميركي -وكل منهما يسيطر عليه الآن حزب سياسي يميني- أقل ثراءً إلى حد كبير.

اتهامات فساد أم عملية تطهير؟
لا شك أن حملة الرئيس شي جين بينغ الأخيرة ضد الفساد على كافة المستويات جعلت كثيرين من الأثرياء في الحزب الشيوعي يشعرون بالتوتر الشديد. لكن التساؤلات كثيرة حول ما إذا كانت اتهامات الفساد الموجهة إلى ما يسمى "النمور" ليست سوى ورقة توت لتغطية عملية تطهير على الطراز القديم لمنافسي شي في الحزب والمؤسسة العسكرية.

إن عامة الصينيين العاديين يؤيدون الحملة ضد الفساد، فهم الذين يبادرون عادة إلى الاحتجاج وتوجيه أصابع الاتهام إلى المسؤولين الفاسدين. لكن إذا اجتذبت مثل هذه الاحتجاجات كماً أكبر مما ينبغي من الاهتمام، فسوف تُسحَق ويتعرض قادتها للقمع في الأرجح، بدلاً من وقف الفساد.

ففي عام 2008 على سبيل المثال، وفي أعقاب زلزال سيشوان، مات الآلاف من الأطفال عندما انهارت مدارسهم المبنية بطريقة رديئة. ولفترة من الوقت، هيمنت قصص الفساد في بناء المدارس حتى على الأخبار الرسمية. لكن في نهاية المطاف، كان المحتجون من آباء ومعلمي الأطفال المتوفين هم من تم احتجازهم ومضايقتهم من قِبَل الدولة.

ما يرفض الحزب الشيوعي الصيني أن يعترف به هو أن استئصال الفساد أمر غير ممكن ما دام الحزب محافظاً على احتكاره للسلطة السياسية، فمع غياب أي معارضة منظمة أو مؤسسات مجتمع مدني عاملة، سوف يستمر المسؤولون في استغلال مواقعهم في السلطة العامة كأداة لجمع الثروات الشخصية

وما يرفض الحزب الشيوعي الصيني أن يعترف به هو أن استئصال الفساد أمر غير ممكن ما دام الحزب محافظاً على احتكاره للسلطة السياسية، فمع غياب أي معارضة منظمة أو مؤسسات مجتمع مدني عاملة، سوف يستمر المسؤولون في استغلال مواقعهم في السلطة العامة كأداة لجمع الثروات الشخصية.

وقد أعطت الجلسة المكتملة الثالثة لمؤتمر الحزب الثامن عشر الأولوية لمبدأ المنافسة في السوق، ولكن كما علق أحد كبار المصرفيين في الصين في سياق متصل قبل بضع سنوات "فمن الصعب للغاية أن تنافس عندما يكون من يلعب ضدك هو الحكم".

وتمتد هذه الملاحظة إلى سيادة القانون والدستورية. ففي عهد شي أصر الحزب الشيوعي الصيني مراراً وتكراراً على أن سيادة القانون هي "قيمة اشتراكية أساسية" وتعهد بتعزيز سلطة الدستور. لكن سيادة القانون في نظر الحزب هي القانون الذي يمليه، ويفسره، ويفرضه.

وإشارة المواطنين الصينيين إلى الدستور (وخاصة المادة 35، والتي تضمن حرية التعبير والصحافة والتجمع وتكوين الجمعيات) والدستورية عموماً تخضع للرقابة بشكل روتيني، وكثيراً ما يُعتَقَل المحامون الذين يستشهدون بالدستور في المحاكم.

لقد تكهن ماو تسي دونغ بطبيعة التناقضات في مقال كتبه عام 1937 "إن قانون التناقض في الأشياء، أو بعبارة أخرى قانون وحدة الأضداد، هو القانون الأساسي للطبيعة والمجتمع".

لكن المرء لا يملك إلا أن يتساءل حول ما إذا كان ماو قد فهم تناقضات الرأسمالية الشيوعية، ناهيك عن كونه أدارها.
ـــــــــــــــ
أستاذ بجامعة كاليفورنيا في بيركلي. وأحدث مؤلفاته كتاب "العولمة والديمقراطية والفساد: منظور هندي"، وكتاب "صحوة العمالقة وأقدام من صلصال: تقييم النهضة الاقتصادية في الصين والهند".

المصدر : بروجيكت سينديكيت