سعد الله الفتحي

لا تخلو التطورات في الصين من إبهار العالم في بلد أصبح ورشته الإنتاجية بامتياز، وتمكن من تطوير اقتصاده من خلال نمو بمعدل 10% سنويا في أول عقد من هذا القرن.

وحتى انخفاض معدل النمو إلى 7.4% حاليا لا يخلو من فوائد في استيعاب التقدم الذي حصل ومنع ارتفاع التضخم.

إن تطور أوضاع النفط والغاز في الصين يكتسب أهمية خاصة، إذ لم تكن هذه التطورات تصدق قبل عشرين سنة.

ففي بدايات عقد التسعينيات من القرن الماضي كانت الصين مصدرا للنفط، إذ أنتجت 2.774 مليون برميل باليوم (مب/ي) في 1990، بينما استهلكت 2.32 مب/ي. وفي 2014 أنتجت 4.6 مب/ي بينما استهلكت 10.7 مب/ي بسبب التوسع الكبير وتحرير الاقتصاد والزيادة في السكان.

ثاني مستهلك بعد أميركا
نمو مستمر في استهلاك الغاز

ثاني مستهلك بعد أميركا
لذا تصاعدت وتيرة استيراد النفط لتبلغ 6.1 مب/ي، وأصبحت الصين الدولة الثانية في استهلاكه بعد الولايات المتحدة في 2011، والثانية في استيراده في 2009 والأولى منذ 2013 بسبب نمو الاستهلاك وارتفاع إنتاج الولايات المتحدة وانخفاض استيراداتها.

إن اعتماد الصين على الفحم بنسبة 66% من استهلاك الطاقة قد لا يتغير كثيرا في السنوات المقبلة, لكن سياسة الحكومة تستهدف خفض النسبة إلى 62% في 2020. لذا فإن استهلاك النفط سوف يزداد بفعل النمو الاقتصادي والسكاني ونمو قطاع النقل والخزن الإستراتيجي.

وقد يتأثر النمو بفعل قيام الصين بإصلاح أسعار المنتجات النفطية لتتماشى مع السوق، إضافة إلى سعيها لرفع كفاءة الاستخدام وزيادة إنتاج الطاقات المتجددة. ومع ذلك تقدر إدارة معلومات الطاقة التابعة لوزارة الطاقة الأميركية أن الطلب على النفط في الصين سيصل إلى 18.5 و20 مب/ي في 2035 و2040 على التوالي. أما إنتاج الصين من حقولها التقليدية فربما يستقر أو ينخفض قليلا. لكن وسائل الاستخلاص المدعم والمنافسة بين الشركات الصينية والاستثمار في أماكن صعبة فنيا كفيل برفع إنتاج الصين إلى 5.6 و5.7 مب/ي في الفترة نفسها. ويتفق المحللون على أن استيراد الصين سيبلغ 13 و14 مب/ي في نفس الفترة.

هذا الارتفاع غير المسبوق في الاستيراد جعل الصين تسعى للاستثمار أينما وجدت الفرصة في العالم، حيث ارتفعت نسبة اعتمادها عليه من 30% في 2000 إلى 57% في 2014، واستثمرت 73 مليار دولار في استكشاف وإنتاج النفط والغاز في دول أخرى بين 2011 و2013.

استثمرت 73 مليار دولار في استكشاف وإنتاج النفط والغاز في دول أخرى بين 2011 و2013

وتقول وكالة الطاقة الدولية "إن إنتاج الصين من مساهماتها الدولية نما بشكل كبير من 1.36 إلى 2.1 مب/ي بين 2010 و2013 على التوالي" حيث تمتد نشاطاتها إلى 42 بلدا حول العالم منها دول الشرق الأوسط.

ومن الواضح أن الشرق الأوسط هو أكبر مزودي الصين بالنفط في 2014 حيث استوردت 3.2 مب/ي أو 52% من مجموع وارداتها، إذ صدرت السعودية والعراق 16.1% و9.3% من واردات الصين على التوالي.

في الوقت نفسه تسهم السعودية والكويت وقطر بمشاريع التكرير والبتروكيماويات في الصين في الوقت الذي تتشارك شركتا سينوبيك الصينية وأرامكو السعودية في مصفاة ينبع الجديدة التي تكرر 400 ألف برميل يوميا.

وتجدر الملاحظة بأن استثمارات الصين في الخارج لا تقتصر على قطاع الطاقة بل تتعداه إلى المعادن والمشاريع الهندسية والإقراض لتنفيذ مشاريع البنية التحتية.

لذا فإن مجمل استثماراتها تقدر بـ870 مليار دولار في نهاية 2014، وإن نصف هذا المبلغ تقريبا في قطاع النفط والغاز.

نمو مستمر في استهلاك الغاز
أما فيما يتعلق بالغاز، فإن نسبة استهلاكه من مجمل الطاقة في الصين لا تتجاوز 5% مقارنة بـ66% للفحم و20% للنفط. لكن الاستهلاك يبقى عاليا وفي نمو مستمر، خاصة في العقد الأخير.

وتخطط الصين لرفع نسبة مساهمة الغاز في ميزان الطاقة إلى 10% في 2020 بتوفير مصادر إنتاج محلية جديدة وزيادة الاستيراد بسبب فوائد الغاز البيئية وكفاءة استخدامه وتنافسية أسعاره.

وتقول إدارة معلومات الطاقة الأميركية إن احتياطي الصين من الغاز يبلغ 164 تريليون قدم مكعب (ت ق م)، وهو الأكبر في منطقة آسيا والهادئ، لكنه لا يتجاوز 2% من الاحتياطي العالمي.

وارتفع إنتاج الغاز في الصين من أقل من تريليون قدم مكعب في 2000 إلى 4.8 ت ق م في 2014 في وقت ازداد فيه الطلب إلى 6.6 ت ق م, علما بأن الصين كانت تصدر الغاز حتى 2007.

وتقدر وكالة الطاقة الدولية ارتفاع الطلب على الغاز إلى 10.4 و21.3 ت ق م في 2020 و2040 على التوالي أي بنسبة نمو أكثر من 5% بالسنة.

وبالنظر للاستثمارات الكبيرة في حقول الغاز المحلية التقليدية وغير التقليدية بما في ذلك حقول الغاز الصخري وميثان الفحم ومعامل تحويل الفحم إلى غاز فإن إنتاج الصين في 2020 يتوقع أن يصل إلى أكثر من 6 ت ق م، وهذا دون الهدف الذي تسعى إليه الحكومة والبالغ 6.5 ت ق م.

وفي 2040 تشير التوقعات إلى بلوغ الإنتاج 13 ت ق م، ولو أن انخفاض أسعار النفط قد يؤخر أو يؤجل بعض المشاريع.

ولسد العجز استوردت الصين 1.8 ت ق م أو ما يعادل 32% من الطلب في 2013 بصورة رئيسية بالأنابيب من تركمانستان وكغاز مسال من قطر، بينما ارتفع الاستيراد إلى 2 ت ق م في 2014.

تخطط الصين لرفع نسبة مساهمة الغاز في ميزان الطاقة إلى 10% في 2020 من 5% حاليا، بتوفير مصادر إنتاج محلية جديدة وزيادة الاستيراد بسبب فوائد الغاز البيئية وكفاءة استخدامه وتنافسية أسعاره

وتسعى الصين لاستيراد الغاز من الدول المجاورة على شكل غاز أو غاز مسال من مجموعة كبيرة من المنتجين، وتطور شبكة النقل والتوزيع المحلية وتتبارى الشركات الوطنية الثلاث في أغلب النشاطات، ولو أن شركة سي إن بي سي تسيطر على 77% من الإنتاج المحلي، بينما تتخصص شركة سي إن أو أو سي بتطوير مرافئ استقبال الغاز المسال ومشاركة الشركات الأجنبية في الاستثمار في الحقول البحرية.

إن انفتاح الشركات الصينية على التعاون مع الشركات الأجنبية سيساعد على ارتفاع كبير في إنتاج الغاز. وتسعى الصين في الوقت نفسه إلى ترشيد الاستهلاك بزيادة أسعار الغاز بما يوازي كلفة الاستيراد باستثناء استهلاك الغاز المنزلي الذي ربما سيأتي دوره لاحقا.

إن شبكة خطوط أنابيب الغاز في الصين واسعة ويبلغ طولها 35498 ميلا في 2013 بينما تسعى الصين إلى مضاعفة هذه الشبكة في 2020.

فهناك ثلاثة خطوط رئيسية تمتد من غرب البلاد إلى شرقها بينما تخطط الصين لإنشاء خط رابع. ومنذ 2010 امتدت الخطوط الدولية من تركمانستان وأوزبكستان وكزاخستان لنقل الغاز المستورد والارتباط بالخطوط المذكورة سابقا.

أما في الجنوب فإن الصين تستورد الغاز من ميانمار بخط أنابيب منذ منتصف 2013. كذلك هناك المشروع العملاق لنقل 1.3 ت ق م بالسنة من حقول شرق سيبيريا وحقول جزيرة ساخالين بحلول 2018 في صفقة لثلاثين سنة تصل إلى 400 مليار دولار.

وبينما دخلت الصين سوق الغاز المسال في 2006 فسرعان ما أصبحت المستورد الثالث عالميا في 2012 واستوردت 0.96 ت ق م في 2014. وتفاخر الصين بامتلاكها 12 محطة لاستقبال الغاز المسال وثمانية قيد الإنشاء وغيرها قيد التخطيط لاستقبال الغاز المستورد من عدد كبير من مصدري الغاز الآسيويين ومن قطر. وربما تستورد الغاز المسال مستقبلا من روسيا وكندا من حصة شركاتها المشاركة هناك.
ـــــــــــــــــ
خبير اقتصادي عراقي

المصدر : بروجيكت سينديكيت