تفاقم أزمة المديونية اليونانية
آخر تحديث: 2015/7/10 الساعة 15:45 (مكة المكرمة) الموافق 1436/9/24 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/7/10 الساعة 15:45 (مكة المكرمة) الموافق 1436/9/24 هـ

تفاقم أزمة المديونية اليونانية

 

صباح نعوش

أدت ديون اليونان إلى اتباع سياسة تقشفية مفروضة من قبل الأجهزة الأوروبية أثرت بشدة على الحالة الاقتصادية للمواطنين, لذلك قرر اليونانيون التخلي عن هذه السياسة عن طريق الاستفتاء العام، الأمر الذي يمهد الطريق لخروج البلد من منطقة اليورو.

ديون مرتفعة
خطط إنقاذ فاشلة
لا لسياسة التقشف

ديون مرتفعة
إن أزمة الديون اليونانية ليست وليدة السنوات الأخيرة بل ظهرت قبل إنشاء منطقة اليورو بعدة سنوات، وتعود الأزمة إلى السياستين المالية والتجارية المتسمتين بتراكم العجز المالي والعجز التجاري وما يترتب عليهما من ضرورة الحصول على القروض بصورة مستمرة، وهكذا ارتفعت الديون سنويا حتى وصلت في نهاية النصف الثاني من العام الجاري إلى 321 مليار يورو أي 174% من الناتج المحلي الإجمالي وهي من أعلى المعدلات في العالم.

يتكون هيكل هذه الديون من ستة فروع:

1- ديون للصندوق الأوروبي للاستقرار المالي، يقرر مساعداته (قروض بشروط ميسرة) بعد الاتفاق على برنامج إصلاحي يعقد بين البلد المعني من جهة والمفوضية الأوروبية وصندوق النقد الدولي من جهة أخرى، كما تخضع مساعداته لموافقة رؤساء دول وحكومات منطقة اليورو (اليوروغروب).

إن الاعتماد على هذا الصندوق يدل دلالة واضحة على مدى خطورة الأزمة المالية لأنه لا يمنح المساعدات إلا إذا تعذر حصول الدولة المعنية على قروض مصرفية بأسعار فائدة مقبولة.

بلغت ديون اليونان المستحقة للصندوق 131 مليار يورو أي 40% من المجموع.

2- ديون ثنائية ناجمة عن قروض عقدت بصورة خاصة بين الحكومة اليونانية وحكومات دول منطقة اليورو -وفي مقدمتها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا- بلغ مجموعها 53 مليار يورو.

3- ديون مصرفية قيمتها 34 مليار يورو.

4- ديون للبنك المركزي الأوروبي قيمتها 27 مليار يورو، ولا بد من الإشارة إلى أن الأزمات المالية لدول منطقة اليورو أدت إلى خرق واضح للمادة 104 من اتفاقية ماسترخت التي تمنع صراحة أن يمنح البنك المركزي الأوروبي أي مساعدة مالية لجهة عامة أو خاصة.

5- ديون لصندوق النقد الدولي وقدرها 24 مليار يورو.

6- ديون أخرى قيمتها 52 مليار يورو متأتية من عدة مصادر كالبنك الأوروبي للاستثمار.

يعتقد اليونانيون أن مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية -خاصة البطالة وتردي مستوى المعيشة- تتأتى من إجراءات التقشف المفروضة من قبل الأجهزة الأوروبية بموجب خطتي الإنقاذ

قادت هذه الديون الثقيلة العبء إلى تعذر خدمتها (سداد الأصل والفوائد)، فعلى سبيل المثال يتعين في عام 2015 دفع حوالي 18 مليار يورو أي ما يعادل 66% من مجموع الصادرات، في حين تقضي القاعدة العامة المقبولة على الصعيد العالمي بأن خدمة الديون يجب ألا تزيد على 25% من الصادرات، بمعنى آخر إن إصلاح مالية اليونان يتطلب إلغاء ثلثي ديونها على الأقل.

ويلاحظ أن على اليونان سداد 6.4 مليارات يورو خلال العام الجاري لصندوق النقد الدولي، علما بأن البلد لم يستطع دفع أقساط هذا المبلغ المترتبة عليه في النصف الثاني من هذا العام، وهذا أمر خطير لأن ديون هذا الصندوق لا تقبل إعادة الجدولة ولا تقبل من باب أولى الإلغاء، أي لا بد من الاستدانة من جديد لخدمتها.

أضف إلى ذلك عدم حصول البنوك اليونانية على مستحقاتها فظهرت أزمة السيولة النقدية وما ترتب عليها من غلق أبواب هذه البنوك ووضع قيود على السحب الآلي.

خطط إنقاذ فاشلة
للتخفيف من حدة أزمتها حصلت اليونان على مساعدات مالية بموجب خطتين أوروبيتين، الخطة الأولى لعام 2010 وقدرها 110 مليارات يورو موزعة على ثلاث سنوات، والخطة الثانية لعام 2012 بقيمة 130 مليار يورو.

وفي الحالتين وضعت برامج إصلاحية لمعالجة عجز الميزانية العامة باتباع سياسة تقشفية قوامها تقليص النفقات العامة وزيادة الإيرادات العامة، لكن هذه البرامج تعثرت لأسباب عديدة، منها تفشي الفساد المالي وانتشار التهرب الضريبي وارتفاع النفقات العسكرية ورصد أموال لأنشطة ذات قيمة مضافة ضعيفة كالزراعة والبنية التحتية، كما قادت هذه السياسة إلى تنصل القطاع العام عن التوظيف وإلى تقليص المرتبات، وهكذا ظهر تذمر شعبي واسع النطاق من ناحية، وفقدت ثقة الدائنين الأوروبيين بالسياسة الاقتصادية اليونانية من ناحية أخرى.

إن الاستفتاء على خطة الدائنين نتيجة منطقية لهذا التذمر لكنه أفضى إلى تفاقم أزمة الثقة، اليونان لا تثق بأوروبا، وأوروبا لا تثق باليونان، وبات من اللازم إذاً عقد مؤتمر لليوروغروب بعد يومين فقط من ظهور نتائج الاستفتاء لمحاولة إعادة الثقة عن طريق اقتراحات جدية وعملية تقدمها اليونان بغية التوصل إلى خطة إنقاذ ثالثة، لكن هذه المحاولة باءت بالفشل.

لا لسياسة التقشف
يعتقد اليونانيون أن مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية -خاصة البطالة وتردي مستوى المعيشة- تتأتى من إجراءات التقشف المفروضة من قبل الأجهزة الأوروبية بموجب الخطتين المذكورتين، لذلك وانسجاما مع برامجها السياسية نظمت الحكومة اليونانية خلال فترة قصيرة حملة استفتاء شعبي للتصويت على هذه الإجراءات فكانت النتيجة معارضة 61.1% من المصوتين.

يمكن النظر إلى هذا الموقف من الزاوية الشكلية التي تقتصر على منطوق السؤال المطروح على اليونانيين، فالاستفتاء رسالة استغاثة موجهة للدول الأوروبية خاصة ألمانيا بضرورة تعديل خطط الإنقاذ بحيث تتلاءم مع الوضع الجديد الذي يرفض الخطط المؤدية إلى تفاقم البطالة والفقر مع الرغبة بالدخول حالا في مفاوضات بشأن التخفيف من عبء المديونية التي أنهكت الاقتصاد اليوناني، والحصول على مساعدات لترتيب الأحوال المالية المتدهورة.

لكن على الصعيد العملي فإن التصويت المعارض لخطط الإنقاذ بيعة جديدة للحكومة اليسارية الحالية التي تواجه عدة انتقادات من قبل الأوروبيين، أي أنه رفض ساحق للمعارضة اليمينية، والأبعد من هذا وذاك يشكل التصويت خطوة كبيرة نحو خروج اليونان من منطقة اليورو وربما من الاتحاد الأوروبي أيضا لأن فشل سياسة التقشف في معالجة المشاكل المالية يعني ببساطة عدم ملاءمة السياسة الأوروبية للوضع اليوناني، هذا التصويت يترجم رغبة الشعب اليوناني في العودة إلى الدراخما وممارسة سيادته الكاملة على اقتصاده.

إن نتيجة تصويت اليونانيين تترجم إلى رغبة الشعب اليوناني في العودة إلى الدراخما وممارسة سيادته الكاملة على اقتصاده

أما دول منطقة اليورو فتنقسم إلى شطرين: الشطر الأول كفرنسا يرى ضرورة الإبقاء على اليونان في منطقة اليورو مهما بلغ الثمن، لأن اليونان بوابة أوروبا مقابل العالم العربي المتسم بالتوترات السياسية والصراعات العسكرية، كما أن هذا البلد همزة وصل بين الهجرة غير الشرعية وأوروبا، أضف إلى ذلك أن حكومة أثينا الحالية سوف لن تتردد (في حالة الخروج من الاتحاد الأوروبي) بإقامة علاقات متينة جدا مع موسكو.

أما الشطر الثاني -كألمانيا- فيرى عدم إمكانية منح المساعدات المالية دون اتباع سياسة التقشف، وإلا فسوف تحذو البرتغال وإسبانيا وإيرلندا حذو اليونان، كما أن جميع دول أوروبا الشرقية الأعضاء في منطقة اليورو ستطالب بتسهيلات مالية، عندئذ تدخل أوروبا في صراعات قد تنتهي بسقوط منطقة اليورو.

إن التخوف من هذه النتائج هو الذي أدى في الأيام الماضية إلى انخفاض القيمة التعادلية لليورو وإلى تراجع مؤشرات البورصة في جميع أنحاء أوروبا ومناطق أخرى من العالم، فمن المعلوم أن هذا التدهور لا يتأتى من الأهمية الاقتصادية لليونان التي لا تتجاوز صادراتها 0.5% من صادرات منطقة اليورو.

في مؤتمر اليوروغروب طالب الجانب اليوناني بإلغاء 30% من الديون أي حوالي مئة مليار يورو مع منح فترة إضافية لخدمة النسبة المتبقية، كما أكد على عدم إمكانية رفع أسعار الضريبة على القيمة المضافة وتقليص مرتبات موظفي القطاع العام.

لم يجد المؤتمرون في هذه المقترحات اليونانية أي جهود لإصلاح المالية العامة، لذلك قرروا تأجيل المناقشات، وهذه إشارة واضحة إلى تعذر الحلول التوفيقية، الأمر الذي قد يفضي إلى خروج اليونان من منطقة اليورو.

عندئذ سيصحح الأوروبيون خطأ انضمام اليونان إلى منطقتهم النقدية في مطلع عام 2001 إذ إنه البلد الأوروبي الوحيد الذي لم ينطبق عليه أي معيار من معايير التقارب الأربعة التي وضعتها معاهدة ماسترخت للانتماء إلى الاتحاد الاقتصادي والنقدي، ومع ذلك تم قبوله في المنطقة لاعتبارات سياسية.
ـــــــــــــــــ
باحث اقتصادي عراقي

المصدر : الجزيرة

التعليقات