أوديت ليناو

كانت سياسة حافة الهاوية بشأن ديون اليونان سبباً في إثارة السؤال حول ما إذا كانت البلاد (أو متى) قد تتخلف عن سداد ديونها.

من المؤكد أنه من الأفضل كثيرا بالنسبة لليونان ودائنيها أن يتم التوصل إلى حل من خلال التفاوض، لكن هذه النتيجة ليست مضمونة على الإطلاق. فبالكاد تمكنت الحكومة اليونانية من سداد دفعة كبيرة في الشهر الماضي، وهناك دفعات أكبر مستحقة طيلة الصيف، بدءا بشهر يونيو/حزيران الحالي.

وفي حين يدرس المسؤولون اليونانيون الخيارات المتاحة لهم، فإنهم يحسنون صنعاً إذا وضعوا في الحسبان أن هناك طرقاً أفضل وأسوأ للتخلف عن سداد الديون السيادية، وخاصة في ضوء رغبة البلدان في ترسيخ جدارتها الائتمانية في أقرب وقت ممكن.

ثلاثة مبادئ توجيهية
السداد وربطه بالتعافي

ثلاثة مبادئ توجيهية
ومن الحكمة أن تنظر الحكومة اليونانية في الأسابيع والأشهر المقبلة في ثلاثة مبادئ توجيهية:

الامتناع عن توجيه الإهانات: إن التخلف عن سداد الديون أمر مؤلم، حتى إن تبين أنه ليس الاختيار الصحيح في الأمد البعيد.

إن الدولة التي تتخلف عن سداد ديونها من الممكن أن تؤكد على رفض سداد دين بعينه، ولا يستلزم ذلك بالضرورة رفض منطق مدفوعات الدين بالكامل

وفي خضم كل هذا الألم، قد يكون تبادل الاتهامات مغريا، ولكن من الأهمية بمكان مقاومة هذه الرغبة. فالأرجح أن المدينين السياديين سوف يضطرون إلى التفاعل مع نفس الدائنين والهيئات الدولية مرة أخرى.

ومن الصعب أن نتعرف على حجم الضرر الذي ألحقتها التصريحات غير الدبلوماسية التي أطلقتها الأرجنتين أثناء ملحمة العجز عن سداد الديون بالجهود الرامية إلى التعامل بنجاح مع النظام القانوني في الولايات المتحدة؛ والأمر الواضح هو أن الخطاب الرسمي غير المدروس لم يدعم حجة الأرجنتين.

وفي السياق اليوناني، كان هناك بالفعل القدر الكافي من تبادل الاتهامات لعدة أزمات. وكان من الأفضل كثيراً أن يتم إصدار بيان يُعرِب عن الأسف إزاء عدم القدرة على التوصل إلى حل عن طريق التفاوض، وعرض خطط واضحة في الأمدين القريب والبعيد لإدارة العجز عن سداد الديون، ووضع الخطوط العريضة لإستراتيجية مقنعة لتحقيق التعافي والنمو.

اشرح نفسك: في أعقاب التخلف عن سداد الديون، قد يبدو الأمر وكأن لا أحد يصغي حتى للتفسيرات الأكثر عقلانية. ومن المرجح أن يصر الدائنون على أن التخلف عن السداد كان خطأ رهيبا، ويزعمون أن إدراك التعافي أمر مستحيل ما لم يتم عكس القرار على الفور.

من المفهوم أن الجدارة الائتمانية تعتمد بشكل عام على أمرين: الرغبة في السداد والقدرة على السداد.

ويُعَد التخلف عن سداد الديون تعبيراً قوياً عن حدود رغبة أي دولة في السداد، على الأقل في الأمد القريب. غير أن الأمور ليست بالضرورة بالأسود والأبيض، وليست بهذه البساطة دوما.

وفي حالة اليونان، ربما يتعاطف بعض المستثمرين والمعلقين مع ادعاء السلطات بأن تدابير التقشف لم تسفر إلا عن إعاقة التعافي هناك. وربما يقبلون أن التخلف عن السداد ربما يكون جزءاً من حزمة سياسية مصممة لتحسين أسس الاقتصاد اليوناني، وبالتالي قدرة اليونان على سداد ديونها في الأمد البعيد.

سداد بعض الدين: قد يبدو الأمر مخالفا للبديهة، لكن البلدان التي تعجز عن سداد ديونها لا بد أن تفكر في سداد بعض ديونها -بشروطها وعلى أساس تدريجي- كوسيلة لإعادة بناء الجدارة الائتمانية.

السداد وربطه بالتعافي
وإذا كان تبرير التخلف عن السداد يتضمن التأكيد على أن أقساط الدين لا بد أن تكون مربوطة بالتعافي الاقتصادي، فقد يصبح من المنطقي حينئذ تحديد الظروف الملائمة لاستئناف سداد أقساط الدين، ثم المتابعة عندما تتوفر هذه الظروف.

لا شك أن هذا (وعد السداد في المستقبل) من الممكن أن يُضعِف موقف المدين في إعادة الدائنين إلى طاولة التفاوض، لكنه قد يُظهِر أيضاً للدائنين القدامى والدائنين الجدد المحتملين على حد سواء ليس فقط القدرة، بل أيضا الرغبة في سداد الأقساط، وبالتالي خلق الحوافز للجهات الخارجية لدعم التعافي الاقتصادي.

نأمل أن لا يكون التخلف عن السداد من طرف واحد ضروريا، لكن إذا سلكت اليونان هذا المسار فيتعين عليها أن تسعى إلى جعل المسار سلسا قدر الإمكان

فحتى بعد إنكار الاتحاد السوفياتي لديون روسيا القيصرية -والذي ربما كان التخلف الأكثر شهرة (والأكثر تضررا بسوء الفهم) عن سداد الديون في القرن العشرين- أعرب بعض الدائنين عن اهتمامهم بإقراض النظام الجديد، وهو ما يرجع جزئيا إلى أن السلطات السوفياتية سددت الديون التي اعتبرتها مشروعة. وفي وقت أقرب إلى الزمن الحاضر، استمرت الإكوادور في سداد أقساط قسم صغير من الديون التي اعتبرها مقبولة بعد التخلف عن سداد ديونها الدولية في عام 2008 (في ظل ظروف أقل تطرفاً من تلك التي تعيشها اليونان). وقد ساهم هذا السداد في التحسن البطيء في التصنيف الائتماني للبلاد، وفي نهاية المطاف عودتها إلى أسواق رأس المال الدولية في عام 2014.

وحتى إذا توصلت اليونان إلى اتفاق في الوقت المناسب لسداد أول الأقساط المستحقة لصندوق النقد الدولي في أوائل يونيو/حزيران، فقد لا يكون لديها ما يكفي لتغطية أقساط الدين الأكبر حجما والمستحقة عليها حتى نهاية الصيف. ومن المحتمل أن تعود الحكومة اليونانية ودائنوها إلى طاولة المفاوضات مرة أخرى. ونأمل أن لا يكون التخلف عن السداد من طرف واحد ضروريا، ولكن إذا سلكت اليونان هذا المسار فيتعين عليها أن تسعى إلى جعل المسار سلسا قدر الإمكان.
_______________
أستاذة القانون في جامعة كورنيل، ومؤلفة كتاب "إعادة النظر في الديون السيادية: السياسة، والسمعة، والشرعية في التمويل الحديث".

المصدر : بروجيكت سينديكيت