عبد الحافظ الصاوي

أصبح مشهدًا متكررًا في العديد من المناطق المصرية، أن ترى الجيش يقوم بتوزيع معونات غذائية على المواطنين، وبخاصة في المناسبات الدينية والوطنية، إلا أن ما حدث منذ أيام من وفاة نحو أربع سيدات وجرح نحو سبع سيدات أخريات تحت عجلات إحدى سيارات الجيش بمدينة الشيخ زايد بمحافظة الجيزة، أظهر مدى حدة مشكلة الفقر في مصر.

الوضع الطبيعي لقيام الجيش بتوزيع المواد الغذائية على أفراد الشعب، أن تكون هناك نازلة مثل الزلازل أو الفيضانات، مما يتعذر معه عمل المؤسسات المدنية، لتوفير السلع والخدمات للمتضررين من مثل هذه الأحداث.

أما أن يتحول الأمر إلى الاعتياد وقيام الجيش بتوزيع سلع غذائية في مناطق مختلفة في الريف والحضر، فيما قبل الاستحقاقات الانتخابية، أو في العديد من المناسبات الدينية والوطنية، فإن ذلك يدعو لقراءة الدلالات والدوافع لهذا التصرف من قبل الجيش في مصر.

تدهور اقتصادي
إزاحة مؤسسات الدولة
توظيف سياسي

تدهور اقتصادي
في الوقت الذي تشير فيه البيانات الحكومية إلى انخفاض معدلات البطالة من 13.5% إلى 12.9%، فإن البيانات الحكومية لم تتناول أثر هذا الانخفاض على وضع الفقر، حيث لا زالت البيانات تؤكد على استقرار نسب الفقر عند 26% من السكان، لمن تقل نفقاتهم اليومية عن 1.25 دولار.

والمفترض أنه مع انخفاض معدلات البطالة أن تنخفض معدلات الفقر، وهو ما لم يحدث، مما يعني أن الأرقام المنشورة عن البطالة غير حقيقية، ويؤكد ذلك الواقع المعيش من استمرار مشكلة البطالة، وخاصة بين الشباب.

وتعيش مصر معادلة صعبة تؤجج من تفاقم التضخم، ففي الوقت الذي اتجهت فيه السياسة النقدية لتخفيض قيمة الجنيه المصري، أتى أداء الصادرات مخيبا للآمال، حيث انخفضت الصادرات السلعية بنحو 20%، بدلا من أن تستفيد من ميزة انخفاض قيمة الجنيه وتحقق زيادة في قيمة وكمِّ الصادرات، وفي نفس الوقت زادت الواردات بنسبة مماثلة لنسبة انخفاض الصادرات.

وهذه المعادلة تؤدي إلى تحمل المستهلكين بصفة عامة والفقراء بصفة خاصة لفاتورة انخفاض قيمة الجنيه، بسبب انخفاض قيمة دخولهم الحقيقية بنفس نسب انخفاض قيمة الجنيه، مما أثر على سلة السلع والخدمات التي كانوا يحصلون عليها من قبل.

لذلك تدافع الفقراء في مدينة الشيخ زايد وغيرها للحصول على السلع الغذائية المجانية، التي يقوم الجيش بتوزيعها تحت وطأة الفقر.

إن قسوة معيشة المصريين لم تعد أمرًا تقديريًا، ولكنها نتيجة مرصودة من خلال مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، قامت بها مؤسسة "بلومبيرغ" الإخبارية الاقتصادية، حيث أتت مصر ضمن أكثر عشر دول قسوة في مستوى المعيشة من بين 74 دولة شملها المؤشر.

إن قسوة معيشة المصريين لم تعد أمرًا تقديريًا، ولكنها نتيجة مرصودة من خلال مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، قامت بها مؤسسة "بلومبيرغ" الإخبارية الاقتصادية، حيث أتت مصر ضمن أكثر عشر دول قسوة في مستوى المعيشة من بين 74 دولة شملها المؤشر

وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بمصر، فإن الفقر ترتفع معدلاته في الصعيد، أو في الريف، أو المناطق العشوائية. أما أن يقوم الجيش بتوزيع معوناته الغذائية في مدينة الشيخ زايد، فمعنى ذلك أن الفقر امتد إلى مناطق جديدة، لم تكن على خريطة الفقر. فالمدينة تضم -بجوار المجمعات السكانية الفاخرة- إسكانا متوسطا واقتصاديا.

كما أن دلالات ظاهرة الانتحار في مصر، سيئة، فمعظم هذه الحالات -وبحسب ما تنشره وسائل الإعلام- يرجع لأسباب مالية واقتصادية، إما بسبب العجز عن سداد الديون، أو الفشل في الحصول على فرص عمل، أو الفشل في تدبير مسكن وإقامة أسرة جديدة.

إزاحة مؤسسات الدولة
الوضع الطبيعي أن تقوم المؤسسات المدنية للدولة بالأدوار التي تتعلق بالتخفيف من حدة الفقر، يصاحبها في ذلك مؤسسات المجتمع الأهلي، أما أن تأتي مؤسسة الجيش للقيام بمهام غيرها، فليس هناك من قراءة سوى إحكام الجيش لسيطرته على مؤسسات الدولة، وأنه المؤسسة الوحيدة صاحبة اليد الطولى التي تريد أن تشعر المواطن بأنها تدير البلاد.

وإذا ما افترضنا أن الجيش لديه فوائض اقتصادية، فالطبيعي -بحكم أنه إحدى مؤسسات الدولة- أن تؤول هذه الفوائض للخزانة العامة للدولة، ليكون ذلك بمثابة عون للمخطط الاقتصادي للوقوف على الموارد والاحتياجات الحقيقية للاقتصاد المصري.

فلدى مصر وزارة التموين ووزارة الشؤون الاجتماعية، وكلا الوزارتين تمتلك قاعدة بيانات عن الفقراء ومستحقي الدعم، مما يساعد على وصول هذه المساعدات الغذائية لمستحقيها، بما لا يجرح مشاعرهم الإنسانية، أو يعرضهم لأن يفقد الإنسان حياته، لما يترتب من المزاحمة على هذه المعونات من مخاطر.

إذن الوظيفة الرئيسة للجيش في أي دولة هي الدفاع الخارجي، وليس الدخول في المشروعات الإنتاجية التي تطال نشاط قطاع الأعمال. فمن المقبول دخول الجيش في الأنشطة العلمية التطويرية، وبخاصة في ما يتعلق بقضايا التسليح أو تكنولوجيا المعلومات، لاعتبارات الدفاع والأمن، ثم يتم نقل وتوظيف منتجات الجيش في هذا المضمار لصالح الاستخدامات المدنية، كما يحدث من قبل الجيوش الأوروبية وأميركا.

وفي إطار سعي الجيش للدخول في الأنشطة الاقتصادية المدنية، وضع يده على مساحات شاسعة من الأراضي، وزاحم قطاع الأعمال في تنفيذ المشروعات العامة التي أعلن عنها بعد انقلاب 3 يوليو/تموز 2013. ولعل مشروع المليون وحدة سكانية خير دليل، حيث بدأ توقيع بروتوكول المشروع بين مؤسسة الجيش والشركة الإماراتية. كما اشترطت الإمارات أن يقوم الجيش بالمشروعات التي حددتها في إطار مساعداتها التي قدمتها لمصر بعد الانقلاب.

إن المعالجة الحقيقية لمشكلة الفقر، ليست توزيع السلع الغذائية على الفقراء بين الحين والآخر، سواء من قبل الجيش أو المؤسسات المدنية للدولة، أو المجتمع الأهلي؛ ولكن المعالجة الحقيقية أن يمكّن الفقراء من العمل الذي يحولهم من عاطلين إلى عاملين، لهم دخل يكفل لهم حياة كريمة

فضلا عن ضم بعض الموانئ لصالح الجيش، والتي كانت تدار من خلال وزارة النقل، وأصبح من المسلم به أن الفرص المتاحة أمام قطاع الأعمال المدني، في حدود أعمال أو مقاولات الباطن من خلال الجيش المصري. وهو ما أوجد حالة من الاستياء بين رجال الأعمال، وحتى بين أولئك الذين دعموا الانقلاب العسكري في مصر.

إن إحساس المستثمرين -سواء من المصريين أو الأجانب- بأن الجيش أصبح مسيطرًا على المقدرات الاقتصادية لمصر، يعطي انطباعًا بتهميش القانون والمؤسسات المدنية بالدولة، وضآلة فرص المناورة والمنافسة، وأن حدوث أي خلاف أثناء ممارسة النشاط الاقتصادي محسوم بلا شك مستقبلا لصالح الجيش، فضلا عن غياب الشفافية والمساءلة التي تعد أحد أهم متطلبات مناخ الاستثمار الآمن في أي بلد.

توظيف سياسي
منذ الأيام الأولى للانقلاب العسكري في مصر، اتجه الجيش لإقامة سرادقات بيع السلع الغذائية بأسعار مخفضة، أو تسيير حافلات خاصة بالجيش لنقل المدنيين، ثم توالت ظاهرة توزيع السلع الغذائية المجانية.

إن أدبيات المالية العامة تعرف هذا السلوك لتوظيف النفقات العامة، وتضعه تحت عنوان "التوظيف السياسي للإنفاق العام"، ولكن أن تُختزل الدولة في مؤسسة الجيش -الذي من المفترض أنه بعيد كل البعد عن هذه الممارسات- فإن ذلك يدل على الدور السياسي الذي يتوسع فيه الجيش يومًا بعد يوم.

إن المعالجة الحقيقية لمشكلة الفقر، ليست توزيع السلع الغذائية على الفقراء بين الحين والآخر، سواء من قبل الجيش أو المؤسسات المدنية للدولة، أو المجتمع الأهلي؛ ولكن المعالجة الحقيقية أن يمكّن الفقراء من العمل الذي يحولهم من عاطلين إلى عاملين، لهم دخل يكفل لهم حياة كريمة.
ــــــــــــــ
كاتب صحفي مصري

المصدر : الجزيرة