الفلسطينيون بين تلاعب تجار الوطنية والمقاطعة
آخر تحديث: 2015/6/25 الساعة 02:30 (مكة المكرمة) الموافق 1436/9/9 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/6/25 الساعة 02:30 (مكة المكرمة) الموافق 1436/9/9 هـ

الفلسطينيون بين تلاعب تجار الوطنية والمقاطعة

بكر ياسين اشتية

مع بدء شهر رمضان بدا التخبط واضحا في سياسات السلطة الفلسطينية حيال ما بدأ يعرف مؤخرا بظاهرة تصاريح الدخول إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48 من جهة، والتسوق من متاجر المستعمرات الإسرائيلية المقامة في أراضي الضفة الغربية من جهة أخرى.

وبين مؤيد ومعارض ارتأيت أن أحلل هاتين الظاهرتين من منظور اقتصادي. 

مؤشرات الفقر والتشغيل
سلة المستهلك
جدلية المقاطعة
من يتحمل المسؤولية؟
تصاريح الدخول.. جدل قائم


مؤشرات الفقر والتشغيل
لا بد هنا من فصل مؤشرات اقتصاد الضفة الغربية عن قطاع غزة نظرا لتركز ظاهرتي تصاريح الدخول ومتاجر المستعمرات في مناطق الضفة الغربية وتلاشيها في قطاع غزة، حيث تشير البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن معدلات البطالة في الضفة الغربية للعام 2014 بلغت 17.7%، (وهي نسبة منخفضة نسبيا إذا ما قورنت بنظيرتها في قطاع غزة، حيث وصلت معدلات البطالة فيها لنفس العام 44%)، في حين ترتفع معدلات الفقر وفق مستويات الدخل في الضفة الغربية إلى 36% من مجموع الأسر الفلسطينية هناك، علما بأن 47% من الأسر التي تعيلها شريحة العمال والموظفين، و62% من الأسر التي تعتمد على الزراعة في دخلها تقبع ضمن مؤشر مستويات الدخل تحت خط الفقر.

من اللافت أن متوسط أسعار الكثير من السلع الأساسية في الكيان الإسرائيلي أقل ثمنا من تلك السائدة في الضفة، علما أن متوسط نصيب الفرد الإسرائيلي من مجموع الدخول المتحققة في إسرائيل يبلغ 19 ضعف نظيره الفلسطيني

وتعكس تلك الفجوة بين معدلات البطالة ومستويات الفقر انخفاضا حادا في معدلات الدخول، خاصة في ظل غياب تطبيق قانون الحد الأدنى للأجور في مناطق الضفة الغربية.

سلة المستهلك
تشير بيانات مسح إنفاق واستهلاك الأسرة الفلسطينية في مناطق الضفة الغربية إلى أن مجموعة الغذاء تشكل 39% من مجموع إنفاق الأسرة، وإذا ما أضيفت لها مجموعتا النقل والاتصالات فإن النسبة ترتفع إلى 53%، علما بأن تلك النسبة ترتفع أكثر وأكثر كلما قل متوسط دخل الأسرة.

أي أن التغاضي عن ممارسات شريحة من أصحاب الوكالات والاحتكارات الحصرية في الضفة الغربية يعني التلاعب بأكثر من نصف القوة الشرائية لمتوسط إنفاق الأسرة الفلسطينية، وأكثر من 85% من متوسط إنفاق الفقراء.

ويكفي أن نعرف أن المواطن الفلسطيني في الضفة الغربية يدفع أعلى ثمن دقيقة اتصال وأعلى ثمن محروقات في العالم نسبة لمتوسط الدخل السائد، ويكفي أن نعلم أن تكلفة سلة الغذاء للمواطن الفلسطيني هي الأعلى مقارنة بالمحيط العربي.

ومن اللافت للانتباه ضمن هذا السياق أن متوسط أسعار الكثير من السلع الأساسية في الكيان الإسرائيلي أقل ثمنا من تلك السائدة في الضفة، علما أن متوسط نصيب الفرد الإسرائيلي من مجموع الدخول المتحققة في إسرائيل يبلغ 19 ضعف نظيره الفلسطيني.

جدلية المقاطعة
شهد العام 2014 تراجعا ملحوظا في حجم الواردات الفلسطينية من السوق الإسرائيلي بنحو 360 مليون دولار، وجاء هذا التراجع نتيجة جملة من الجهود والحملات الشعبية والرسمية كنوع من الرد على الحرب الأخيرة على قطاع غزة من جهة، واحتجاز الجانب الإسرائيلي مستحقات السلطة الفلسطينية من أموال المقاصة من جهة أخرى.

ومن اللافت في هذا السياق انحراف البوصلة مؤخرا في التعامل مع ملف مقاطعة المنتجات الإسرائيلية من خلال شواهد كثيرة، نذكر منها تهافت أعداد كبيرة من المستهلكين الفلسطينيين على متاجر المستعمرات الإسرائيلية المنتشرة في الكثير من محافظات الضفة الغربية نظرا لانخفاض أسعار السلع الأساسية فيها، ومحاولة السلطة الفلسطينية الحد من أعداد تصاريح الزيارة للداخل الفلسطيني بسبب التخوف من انتشار ظاهرة التسوق من المتاجر الإسرائيلية هناك، إضافة لتنامي الغضب والسخط الشعبي على تهاون الحكومة الفلسطينية في تعاملها مع ملف تلاعب التاجر الفلسطيني بالأسعار، فبدلا من أن يكافأ المستهلك الفلسطيني على مقاطعته تمت معاقبته بلقمة عيشه.

تلك الشواهد جاءت نتيجة جملة من العوامل، نذكر منها:

1. ضعف التنسيق بين مؤسسات المجتمع المدني الداعية للمقاطعة والمؤسسات الرسمية للسلطة الفلسطينية بصفتها الجهة الضامنة بسياساتها الاقتصادية لإنجاح جهود المقاطعة.

2. اعتماد خطاب المقاطعة على البعدين الوطني والعاطفي دون التركيز على آليات خلق البدائل.

3. اقتصار التركيز في حملات الوعي المجتمعي على المستهلك، وتحميله كامل المسؤولية في هذا الملف دون الالتفات لدور المنتج والتاجر الفلسطيني.

4. انعدام الرؤية والتخطيط المركزي الإستراتيجي في سد فجوة الإنتاج، سواء بالإنتاج المحلي أو بالاستيراد.

5. الاحتكارات والوكالات الحصرية التي تجعل الأسواق الفلسطينية عرضة لمصالح وجشع التجار في ظل غياب الرقابة الرسمية على الأسعار، وضعف الدور الذي تلعبه جمعيات حماية المستهلك.

من يتحمل المسؤولية؟
تشير آخر الإحصاءات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى ارتفاع كبير في نسبة القيمة المضافة إلى الإنتاج النهائي لقطاع تجارة الجملة والتجزئة، مع انخفاض واضح في أجور العاملين فيه، مما يعني ارتفاع هامش الربح لذلك القطاع، فمن خلال طرح أجور العاملين والاستهلاك الوسيط (مستلزمات الإنتاج) من الإنتاج النهائي وحساب نسبة حاصل العملية من القيمة المضافة يتبين أن أرباح قطاع تجارة الجملة والتجزئة تشكل 85% من مجموع القيم المضافة المتشكلة عن ذلك القطاع، و69.5% من مجموع المبيعات، وبمقارنة بسيطة نجد أن قطاع تجارة الجملة والتجزئة يعتبر القطاع الأعلى ربحية بين قطاعات الاقتصاد الفلسطيني.

إن ثقافة دعم المنتج الفلسطيني يجب ألا تقتصر على شريحة المستهلكين دون شريحة التجار وصناع القرار، ومن غير المنصف تحميل المستهلك أكثر من طاقته في مواجهة تجار الوطنية والشعارات فمن حق كل فلسطيني أن ينعم بحياة كريمة على أرضه ليوفي أرضه حقها عليه بالرباط فيها

هذا يعني ارتفاع قدرة التاجر الفلسطيني على المناورة السعرية مقابل نظيره الإسرائيلي بدلا من الارتفاع غير المبرر في معظم البضائع والسلع الاستهلاكية للدرجة التي باتت فيها أسعار بعض المنتجات الاستهلاكية الأساسية تباع في المتاجر الإسرائيلية بأسعار لا تتجاوز 60% من السعر السائد في الضفة الغربية، الأمر الذي أدى لجعل شريحة كبيرة من المستهلكين الفلسطينيين في حل من أي التزام أخلاقي تجاه فكرة مقاطعة المنتجات الإسرائيلية.

وعلى الرغم من رفضنا فكرة معاقبة المستهلك للتاجر الفلسطيني بأدوات سلبية تتمثل بدعم المنتج الإسرائيلي فإن المعطيات السابقة تجعلنا نعيد النظر في من يتحمل مسؤولية الارتفاع الحاد بأسعار سلة المستهلك الفلسطيني، وبالتالي مسؤولية إفشال جهود المقاطعة.

تصاريح الدخول.. جدل قائم
لا يكاد يخلو مجلس في المناطق الفلسطينية من الحديث عن تصاريح الدخول التي يمنحها الجانب الإسرائيلي للمواطن الفلسطيني خلال فترة رمضان والأعياد، فمنهم من اعتبر الخطوة الإسرائيلية التفافا على جهود المقاطعة المحلية والأوروبية للمنتجات الإسرائيلية، ومنهم من ذهب إلى حد تخوين الطوابير البشرية المنتظرة للحصول على تلك التصاريح والمتوقع أن يصل عددها إلى 750 ألف تصريح.

وهنا لا بد من الإشارة للتالي:

أولا: النسبة الكبرى ممن يحصلون على تلك التصاريح تكون وجهتهم إما زيارة المسجد الأقصى (وبالتالي التسوق من متاجر المقدسيين هناك)، أو زيارة الأهل.

ثانيا: ليس من حق أحد منع أي فلسطيني من زيارة الداخل الفلسطيني، سواء أكانت الزيارة دينية أو اجتماعية أو سياحية، وإن كانت مبررات المنع ضغوطا من شريحة المتنفذين احتكاريا لتعظيم أرباحهم فإنه من باب أولى منع تلاعب تلك الشريحة بالأسعار.

ثالثا: لو افترضنا أن متوسط إنفاق فلسطينيي الضفة الغربية في الأسواق الإسرائيلية ثلاثين دولارا فإن مجموع ما سينفقه 750 ألف فلسطيني سيبلغ 22.5 مليون دولار، علما أن أرباح القطاع التجاري في الضفة الغربية خلال العام 2014 قد تجاوز ملياري دولار.

خلاصة القول إن ثقافة دعم المنتج الفلسطيني يجب ألا تقتصر على شريحة المستهلكين دون شريحة التجار وصناع القرار، وإنه من غير المنصف تحميل المستهلك أكثر من طاقته في مواجهة تجار الوطنية والشعارات، فمن حق كل فلسطيني أن ينعم بحياة كريمة على أرضه ليوفيها حقها عليه بالرباط فيها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
رئيس قسم الاقتصاد سابقا ومحاضر حاليا في قسم الاقتصاد بجامعة النجاح الوطنية في نابلس

 

المصدر : الجزيرة