بكر ياسين اشتية

وسط الزحام الذي يكتنف القضايا الحقوقية للمرأة الفلسطينية بدءا بالمؤسسات الرسمية، مرورا بالمعارك القانونية، وصولا لتخمة مؤسسات المجتمع المدني التي امتلأت بها مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة؛ يبقى التساؤل المشروع قائما حول مدى نجاح تلك الجهود في مسعاها لضمان الحد الأدنى من التمكين والدمج في الحياة الاقتصادية للمرأة الفلسطينية.  

ارتفاع مضلّل بمعدلات المشاركة
قوانين العمل والتمييز السعري
صاحبات الأعمال والبدائل المتاحة
كلفة العمل
احتياجات وأولويات

ارتفاع مضلّل بمعدلات المشاركة
تشير إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لتحسن واضح في نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة ما بين العامين 2000 و2014 من 10% إلى 19.4%، أي بمعدل زيادة 94%، (ويقصد هنا بمعدل المشاركة: أعداد النساء العاملات والراغبات بالعمل نسبة إلى مجموع النساء ممن أتممن سن 15 عاما)، في حين وصلت نسبة المشاركة لدى الذكور 71.5%.

إحصائيات الجهاز المركزي حول نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة بين 2000 و2014 تبدو مطمئنة، لكن تلك الأرقام تفقد الجزء الأكبر من أهميتها إذا ما علمنا أن معدل البطالة لدى النساء خلال الفترة نفسها قد ارتفع من 13.8% إلى 38.4%، أي زيادة بمعدل 178%، بينما انخفضت معدلات البطالة لدى الذكور من 27.1% إلى 23.9%

للوهلة الأولى تبدو تلك الأرقام مطمئنة إذا ما قرأنا من خلالها تحولا اجتماعيا إيجابيا باتجاه السماح للمرأة الفلسطينية بالانخراط في سوق العمل، لكن تلك الأرقام تفقد الجزء الأكبر من أهميتها إذا ما علمنا أن معدل البطالة لدى النساء خلال نفس الفترة قد ارتفع من 13.8% إلى 38.4%، أي زيادة بمعدل  178%، فيما انخفضت معدلات البطالة لدى الذكور من 27.1% إلى 23.9%.

وعند استحضار حقيقة أن نسبة المشاركة تشمل كلا من العمالة والبطالة، نصل لنتيجة مفادها أن الارتفاع الملحوظ لنسبة مشاركة النساء في القوى العاملة كان لصالح زيادة معدلات النساء الباحثات عن عمل ممن لم يجدن عملا، أي ضمن تصنيفات البطالة، وعلى حساب العاملات منهن.

قوانين العمل والتمييز السعري
في الوقت الذي لا تشكل فيه النساء سوى 18% من مجموع العمالة الفلسطينية، ترتفع نسبة إشغالهن للوظائف الحكومية إلى 42% من مجموع موظفي القطاع العام، فيما تشير الإحصاءات إلى أن النساء العاملات في القطاع الخاص يشكلن 17% من مجموع العمالة هناك. الأمر الذي يعني تراجعا واضحا في دور القطاع الخاص، مع تقدم سياسات التوظيف الحكومية الرامية لامتصاص الجزء الأكبر من المشاركات في القوى العاملة.

ويبدو أن الإنجازات القانونية التي حققتها المؤسسات الرسمية والأهلية الداعمة لحقوق المرأة، سواء من حيث إجازات الأمومة وساعات الرضاع اليومية المدفوعة الأجر، أو إجازات رعاية الطفل ومرافقة الزوج، أو تأمين المرافق الخاصة التي تضمن توفير وسائل الراحة للعاملات، كل تلك الإنجازات باتت تشكل أعباء إضافية على أرباب العمل، مما جعل الشريحة الأوسع من منشآت القطاع الخاص تفضل الذكور على الإناث في التوظيف.

كما تشير الإحصاءات إلى أن 42% من مجموع العاملات في القطاع الخاص خلال العام 2014  يتقاضين أجرا شهريا دون الحد الأدنى للأجور المقر من قبل السلطة الفلسطينية، فيما انخفضت تلك النسبة بين الذكور إلى 30%، مع ملاحظة أن متوسط أجر المرأة اليومي في القطاع الخاص الفلسطيني لا يتجاوز 81 شيكلا (21 دولارا)، في حين يحصل الرجل على متوسط 106 شيكلات (27.5 دولارا) أجرا يوميا.

هذا الواقع يقودنا لضرورة وجود قوانين وتشريعات مكملة لقانون العمل، تضمن سلامة استخدام البنود والفقرات الخاصة بعمل النساء دونما ضرر. فعلى سبيل المثال، من الممكن أن يشمل قانون تشجيع الاستثمار إعفاءات ضريبية إضافية للمنشآت التي تشغل أعدادا أو نسبا محددة من النساء، مع ضرورة تطبيق تلك المنشآت لقوانين العمل الخاصة بالمرأة.

صاحبات الأعمال والبدائل المتاحة
بدأت في السنوات الأخيرة تتعالى بعض الأصوات المنادية بضرورة تمكين المرأة في سوق العمل من خلال دعم وتمويل مشاريع خاصة تشرف عليها وتديرها شرائح مختلفة من النساء، ضمن برامج أهلية تابعة لمؤسسات المجتمع المدني. وما يدفع نحو تبني هكذا توجه، الضعف الواضح في قدرة المرأة الفلسطينية على اختراق عالم الأعمال، سواء لمحدودية تراكم الخبرات العملية، أو لضعف القاعدة الادخارية لديهن، وبالتالي انخفاض نسبة النساء تحت اسم "صاحبات عمل" للعام 2014 إلى 1.9% من مجموع النساء العاملات، مقابل 7.4% لصالح الذكور.

لكن في الوقت الذي تركّز فيه المؤسسات الداعمة على تلقي الدعم والتمويل من الجهات الدولية المانحة تحت شعار المشاريع النسوية، أغفلت تلك المؤسسات أهمية البدء بتشكيل أجسام وكيانات قانونية رسمية تضمن استمرارية النهج الداعم والمساند للمشاريع النسوية، من خلال تبني أشكال الدعم التمويلي والتسويقي والفني والإجرائي خلال كافة مراحل عمر المشروع، الأمر الذي أدى لعدم قدرة غالبية تلك المشاريع على البقاء والاستمرار.

ومن اللافت للانتباه أن نجد 50.6% من النساء من حملة الشهادات الجامعية في صفوف البطالة، في الوقت الذي تنخفض فيه تلك النسبة لدى الذكور إلى 21.8%، كما وتصل نسبة النساء العاملات تحت بند "أفراد أسرة غير مدفوعي الأجر" إلى 18.9% مقابل 4.4% بين الذكور للعام 2014. ومع غياب التوجيه والتوعية المجتمعية، يتزايد إقبال الفتيات الفلسطينيات على التخصصات والمهن التي تنسجم مع النموذج التقليدي للنوع الاجتماعي الذي يحكم سوق العمل، والمرتكز أساسا على مهن التعليم والخدمات والزراعة.

كلفة العمل
من خلال دراسة أسباب رغبة الشريحة الأكبر من النساء في البقاء خارج القوى العاملة واكتفائها بدورها كربة منزل، نجد أنها انقسمت بين أسباب متعلقة ببعض الموروثات الاجتماعية الرافضة لانخراط المرأة في سوق العمل من جهة، وأسباب الكلفة الاقتصادية لعمل المرأة من جهة أخرى. أما عن الكلفة الاقتصادية، فتتلخص بأن متوسط حجم الأسرة الفلسطينية مرتفع نسبيا مقارنة بالمتوسط العالمي، إذ يبلغ ستة أفراد لكل أسرة (أب وأم وأربعة أبناء). وبالنظر لارتفاع الكلفة المادية لحضانات ورياض الأطفال مقارنة بمتوسط الأجر المنخفض الذي تتقاضاه المرأة الفلسطينية، نجد أنه من المجدي لشريحة واسعة من النساء التفرغ لرعاية الأطفال وشؤون المنزل بدلا من البحث عن عمل.

مع حقيقة أن 84% من النساء الفلسطينيات لا يحصلن على حقهن في الميراث، وأن 19.3% منهن تزوجن في سن الطفولة، ومع انحسار قدرة المرأة الفلسطينية على اختراق سوق العمل، ومحدودية قدرة العاملات فيه على التحكم بأجورهن؛ يبقى السؤال الأكبر حاضرا: كيف يمكن للمرأة الفلسطينية أن تأخذ زمام المبادرة في حقها في العمل؟

هذه الظاهرة تتطلب من مؤسسات الأعمال تعزيز تطبيق نظام الحضانات الداخلية بما يضمن للمرأة العاملة كلفة اقتصادية واجتماعية أقل، وفي نفس الوقت بيئة عمل وإنتاجية أفضل للعاملين في تلك المؤسسات، مع ضرورة التأكيد على تبني سياسات دعم حكومي وأهلي للحضانات الخاصة لتمكينها من تقديم خدماتها بأسعار مناسبة.

احتياجات وأولويات
مع حقيقة أن 84% من النساء الفلسطينيات لا يحصلن على حقهن في الميراث، وأن 19.3% منهن تزوجن في سن الطفولة، ومع انحسار قدرة المرأة الفلسطينية على اختراق سوق العمل، ومحدودية قدرة العاملات فيه على التحكم بأجورهن، يبقى السؤال الأكبر حاضرا: كيف يمكن للمرأة الفلسطينية أن تأخذ زمام المبادرة في حقها في العمل؟

الإجابة على هكذا سؤال يتطلب منا ترتيبا منطقيا للأولويات، وفقا لما يلي:

أولا: تضافر جهود كل من وزارة التربية والتعليم والجامعات الفلسطينية في نشر الوعي المجتمعي لدى الطالبات وأسرهن حول التخصصات والمهن المتاحة، بعيدا عن النظرة التقليدية التي قيدت فرص المرأة الفلسطينية في المشاركة بسوق العمل.

ثانيا: تأسيس حاضنات أعمال نسوية بالتعاون ما بين وزارة شؤون المرأة ووزارة الاقتصاد الوطني ووزارة العمل وبعض مؤسسات المجتمع المدني الناشطة في مجال تمكين المرأة، وذلك بشراكة حقيقية مع القطاع الخاص. الهدف منها تمكين الرياديات والمبادرات من اختراق عالم الأعمال تمويليا وفنيا وتسويقيا خلال كافة مراحل عمر المشروع.

ثالثا: توفير كافة أشكال الحماية القانونية والقضائية للمرأة الفلسطينية في كافة القضايا التي تتعلق بالتعسف والتمييز في الأجور والتوظيف والمواريث على أسس النوع الاجتماعي.
ــــــــــــــــــــــــ
* محاضر في قسم الاقتصاد -ورئيسه سابقا- بجامعة النجاح الوطنية في نابلس بفلسطين

المصدر : الجزيرة