آفاق قاتمة للاقتصاد العالمي بالأمد البعيد
آخر تحديث: 2015/6/14 الساعة 17:11 (مكة المكرمة) الموافق 1436/8/27 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/6/14 الساعة 17:11 (مكة المكرمة) الموافق 1436/8/27 هـ

آفاق قاتمة للاقتصاد العالمي بالأمد البعيد

أنخيل غوريا

مع امتداد آثار الأزمة المالية العالمية للعام السابع على التوالي، تستمر معظم بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على أدائها الضعيف بمستوى أدنى من المؤمل.

ومن المتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي للاقتصادات المتقدمة هذا العام 2% في المتوسط، مقارنة بنحو 3.2% على مستوى العالم.

وليس هناك ما يشير إلى أن عام 2016 قد يكون أفضل حالا، مع نمو الناتج في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بنسبة 2.5%، في حين يتوسع الناتج المحلي الإجمالي لبقية العالم بمعدل 3.8%، وهو معدل قريب من متوسط ما قبل الأزمة.

التوقعات الاقتصادية البعيدة الأمد تبدو قاتمة
تشجيع مستثمري القطاع الخاص

التوقعات الاقتصادية البعيدة الأمد تبدو قاتمة
بيد أن التوقعات الاقتصادية البعيدة الأمد للاقتصاد العالمي ككل تبدو قاتمة. فمع تمكن الشيخوخة السكانية من العديد من بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، واتجاه النمو في الاقتصادات الناشئة الكبرى إلى التراجع، من المتوقع أن يهبط نمو الناتج المحلي الإجمالي العام من متوسط 3.6% في الفترة 2010-2020 إلى ما يقدر بنحو 2.4% في الفترة بين 2050 و2060.

إن التوقعات الاقتصادية البعيدة الأمد للاقتصاد العالمي ككل تبدو قاتمة، فمع تمكن الشيخوخة السكانية من العديد من بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، واتجاه النمو في الاقتصادات الناشئة الكبرى إلى التراجع، من المتوقع أن يهبط نمو الناتج المحلي الإجمالي العام من متوسط 3.6% في الفترة 2010-2020 إلى ما يقدر بنحو 2.4% في الفترة بين 2050 و2060

قد يكون هذا الهبوط حتميا، لكن من الممكن التخفيف منه. وسوف يكون تنفيذ سياسات تسعى إلى تسهيل الاستثمار الطويل الأجل هي المفتاح الرئيس للخروج من الأزمة الحالية وتعزيز إمكانات النمو على مستوى العالم.

الواقع أن الاستثمارات -العامة والخاصة- مطلوبة لتعزيز النمو الأخضر، ودعم الإبداع وروح المغامرة التجارية، والمساهمة في تضييق فجوات التفاوت التي اتسعت خلال الأزمة، والمساعدة في بناء المهارات التي تشكل ضرورة أساسية للاقتصادات الأكثر مرونة والمجتمعات الأكثر شمولا. 

ورغم أن تلبية هذه الاحتياجات سوف تتطلب تغيرات تحويلية في سلوك الحكومات والمستثمرين، فإن المردود سوف يكون كبيرا. باختصار، وكما وضحنا في إطار منتدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، واجتماع المجلس الوزاري السنوي؛ يتعين علينا هذه المرة أن نحرص على تشجيع الاستثمارات التي تركز على البشر وكوكب الأرض.

إن قائمة التحديات البنيوية التي تواجه البلدان في مختلف أنحاء العالم طويلة، لكن الجهود المبذولة للتغلب على أربعة من هذه التحديات على الأقل -البطالة المرتفعة، وقوة العمل التي أصابتها الشيخوخة، وتغير المناخ، وقصور البنية الأساسية- من شأنها أن تستفيد بشكل كبير من السياسات الداعمة للاستثمارات الطويلة الأجل.

إن التصدي لأزمة البطالة، والتي كانت مرهقة بشكل خاص بين الشباب، لن يتطلب التعافي القوي فحسب، بل أيضا التركيز المتجدد على تطوير وتنمية المهارات. ويشكل الاستثمار في التعليم والتدريب المهني العالي الجودة والتعلم على أساس العمل ضرورة أساسية. وتظل هذه الأنماط من الاستثمارات مفيدة طيلة حياة العامل، حيث يسمح له التعرض للمهارات والمعارف الجديدة بالتأقلم مع البيئة التكنولوجية والتجارية المتطورة. وسوف يساعد تمكين عمال اليوم أيضاً في مواجهة التحديات الناجمة عن الشيخوخة السكانية.

وعلاوة على ذلك، سوف يساعد التركيز المتزايد على الاستثمار الطويل الأجل في حل النزاعات المرتبطة تقليدياً بالتصدي لتغير المناخ وتنفيذ مشاريع البنية الأساسية. فالأول يستلزم خفض الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري العالمي، وكان الثاني يميل إلى تشجيع حرق الوقود الأحفوري لأغراض النقل وتوليد الطاقة. والحل بسيط نسبيا، شريطة توفر الإرادة السياسية: فمن خلال تحديد سعر للكربون وإلغاء السياسات التي تحفز استهلاك الوقود الأحفوري، يصبح في الإمكان توجيه الاستثمارات نحو خلق اقتصاد منخفض الكربون، بما في ذلك البنية الأساسية اللازمة لتوليد الطاقة النظيفة.

تشجيع مستثمري القطاع الخاص
لتشجيع المستثمرين من القطاع الخاص على ملاحقة مشاريع مسؤولة طويلة الأجل، يتعين على الحكومات أن تعمل على تعزيز السياسات والأطر المتسقة المتماسكة. فبالإضافة إلى الشكوك المباشرة، يواجه المستثمرون المعوقات بسبب نقص الحوافز ووفرة العوامل التي تقلل من العوائد. ومن بين هذه العوامل القواعد التنظيمية المقيدة التي تحد من قدرة الشركات على القيام بأنشطة جديدة أو الدخول إلى أسواق جديدة، وخاصة عبر الحدود. ويقدم إطار السياسات المعززة للاستثمار المحدث التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مخططاً أولياً لتشجيع الاستثمار والسلوك التجاري المسؤول.

لا بد من إخضاع القواعد التنظيمية التي تحكم المحاسبة الدولية والتمويل للفحص الدقيق من أجل تحديد السياسات التي تثبط -دون قصد- همة المستثمرين المؤسسيين وتثنيهم عن وضع مواردهم في أصول غير سائلة وطويلة الأجل

وسوف يكون لزاماً على الحكومات أيضاً أن تعمل على تسهيل مشاركة المستثمرين المؤسسيين. ذلك لأن تحدي الاستثمار الطويل الأجل من غير الممكن أن يُحَلّ من دون اجتذاب مصادر خاصة وأكثر تنوعاً للتمويل.

في عام 2013، كان مجموع أصول المستثمرين المؤسسيين في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وحدها أكثر من 57 تريليون دولار أميركي، كما جمعت صناديق التقاعد نحو تريليون دولار من المساهمات الجديدة.

وتتضمن الأدوات التي يمكن استخدامها للاستفادة من الاستثمارات المؤسسية الشراكات بين القطاعين العام والخاص لوضع خطوط واضحة وشفافة لمشاريع البنية الأساسية الخضراء الكبرى، والبنوك الخضراء والسندات الخضراء، والأدوات التي تعمل على تخفيف مخاطر الائتمان وتعزيز توفره.

ولا بد من إخضاع القواعد التنظيمية التي تحكم المحاسبة الدولية والتمويل للفحص الدقيق من أجل تحديد السياسات التي تثبط -دون قصد- همة المستثمرين المؤسسيين وتثنيهم عن وضع مواردهم في أصول غير سائلة وطويلة الأجل.

وأخيرا، لا بد من تعزيز قوة أسواق الأسهم العامة، ولا بد من توجيه المدخرات إلى الشركات التي تحتاج إلى رأس المال للإبداع وخلق فرص العمل المستدامة.

لكن اليوم تواجه جودة أطر حوكمة الشركات في مختلف أنحاء العالم التحدي المتمثل في التعقيد المتنامي الذي أصبحت تتسم به سلاسل الاستثمار، وهيمنة إستراتيجيات الاستثمار السلبية القصيرة الأجل.

في عالم يتسم بالترابط والاعتماد المتبادل، لن يتسنى لنا إنتاج نظام مالي واستثماري أفضل على أساس كل دولة على حِدة. وقد لا يكون هناك وجود لنموذج المقاس الواحد الذي يناسب الجميع في عالم التنمية الاقتصادية، لكن في غياب معايير عالمية وقواعد تنظيمية تكميلية، فسوف تظل آفاق الاقتصاد العالمي في الأمد البعيد قاتمة.
ــــــــــ
الأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية

المصدر : بروجيكت سينديكيت