نورييل روبيني

في عالم يتسم بضعف الطلب المحلي في العديد من الاقتصادات المتقدمة والأسواق الناشئة استسلم صناع السياسات إلى إغراء تعزيز النمو الاقتصادي وتشغيل العمالة من خلال الإفراط في الاعتماد على النمو القائم على التصدير، وهذا يتطلب عملة ضعيفة وسياسات نقدية تقليدية وغير تقليدية لإحداث الانخفاض المطلوب.

ومنذ بداية العام اتجه أكثر من عشرين بنكا مركزيا في مختلف أنحاء العالم إلى تخفيف السياسة النقدية سيرا على خطى البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان.

وفي منطقة اليورو كانت البلدان الواقعة على أطراف المنطقة في احتياج إلى إضعاف العملة من أجل خفض عجزها الخارجي ودفع عجلة النمو، لكن ضعف اليورو نتيجة التيسير الكمي أدى إلى تعزيز فائض الحساب الجاري لدى ألمانيا الذي كان بالفعل 8% من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي.

ارتفاع الفوائض الخارجية
حروب العملة والحروب التجارية

ارتفاع الفوائض الخارجية
ومع ارتفاع الفوائض الخارجية في بلدان أخرى أيضا في قلب منطقة اليورو أصبح اختلال التوازن الإجمالي في الاتحاد النقدي ضخما ومتناميا.

في اليابان كان التيسير الكمي بمثابة "السهم" الأول في جعبة "اقتصاد آبي" -برنامج رئيس الوزراء شينزو آبي الإصلاحي- وكان إطلاقه سببا في إضعاف قيمة الين بشكل حاد وهو الآن يؤدي إلى ارتفاع الفوائض التجارية.

كانت الضغوط التي دفعت الدولار إلى الصعود نتيجة تبني البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان برامج التيسير الكمي حادة, كما تعززت قيمة الدولار مقابل عملات البلدان المتقدمة المصدرة للسلع الأساسية، مثل أستراليا، وكندا، والعديد من الأسواق الناشئة

وكانت الضغوط التي دفعت الدولار إلى الصعود نتيجة تبني البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان برامج التيسير الكمي حادة، كما تعززت قيمة الدولار مقابل عملات البلدان المتقدمة المصدرة للسلع الأساسية، مثل أستراليا، وكندا، والعديد من الأسواق الناشئة.

وبالنسبة لهذه البلدان كان هبوط أسعار النفط والسلع الأساسية سببا في هبوط قيمة عملاتها على النحو الذي يساعدها على حماية النمو وخلق الوظائف من التأثيرات المترتبة على انخفاض الصادرات.

كما ارتفع الدولار في مقابل عملات الأسواق الناشئة التي تعاني من أسباب الهشاشة الاقتصادية: العجز المالي وعجز الحساب الجاري، وارتفاع التضخم وتباطؤ النمو، وتراكم الديون المحلية والخارجية، وعدم الاستقرار السياسي.

وحتى الصين سمحت لفترة وجيزة لعملتها بالانخفاض مقابل الدولار العام الماضي، وربما يغري تباطؤ النمو الحكومة بالسماح لقيمة الرنمينبي بالانخفاض إلى مستويات أدنى.

ومن ناحية أخرى، يعود الفائض التجاري إلى الارتفاع، وهذا راجع جزئيا إلى تخلص الصين من المعروض الزائد لديها من السلع -مثل الصلب- بأسعار زهيدة في الأسواق العالمية.

وحتى وقت قريب لم يكن صناع السياسات في أميركا مهتمين كثيرا بقوة الدولار، لأن توقعات النمو في أميركا كانت أقوى من مثيلاتها في أوروبا واليابان.

وفي بداية هذا العام كان هناك أمل في أن يكون الطلب المحلي في الولايات المتحدة قويا بالقدر الكافي في 2015 لدعم نمو الناتج المحلي الإجمالي بنحو 3% على الرغم من قوة الدولار. وكان المتصور أن أسعار النفط وفرص العمل الجديدة كفيلة بتعزيز الدخل المتاح للإنفاق والاستهلاك، وأن الإنفاق الرأسمالي (خارج قطاع الطاقة) والاستثمار العقاري السكني سوف يتعززان مع تسارع النمو.

لكن الأمور تبدو مختلفة اليوم، حيث أصبحت التوترات بين المسؤولين الأميركيين بشأن أسعار الصرف ظاهرة على نحو متزايد، فقد ارتفعت قيمة الدولار بسرعة أكبر كثيرا من كل التوقعات.

وكما تشير البيانات عن الربع الأول من عام 2015 فإن التأثير على صافي الصادرات، والتضخم، والنمو كان أكبر وأكثر سرعة مما أوحت به النماذج الإحصائية التي استخدمها صناع السياسات. وعلاوة على ذلك، لم يتحقق الطلب المحلي القوي، وكان نمو الاستهلاك ضعيفا في الربع الأول، وكان الإنفاق الرأسمالي والاستثمار العقاري السكني أضعف، ونتيجة لهذا انضمت الولايات المتحدة فعليا إلى "حرب العملة" لمنع قيمة الدولار من تسجيل المزيد من الارتفاع.

وبدأ القائمون على بنك الاحتياطي الفدرالي يتحدثون صراحة عن الدولار باعتباره عاملا يؤثر في صافي الصادرات، والتضخم، والنمو، وأصبحت السلطات الأميركية متزايدة الانتقاد للمسؤولين في ألمانيا ومنطقة اليورو بسبب تبنيهم سياسات أضعفت قيمة اليورو في حين تجنبت تلك السياسات التي تعزز الطلب المحلي، مثل التحفيز المالي المؤقت ونمو الأجور الأسرع.

وعلاوة على ذلك، سوف يعقب التدخل اللفظي تحرك سياسي، لأن النمو الأبطأ وانخفاض التضخم -نتيجة للدولار القوي جزئيا- سوف يحفزان بنك الاحتياطي الفدرالي للبدء في رفع أسعار الفائدة ببطء أكثر مما كان متوقعا، وهذا من شأنه أن يعكس بعض مكاسب الدولار الأخيرة ويحصن النمو والتضخم ضد المخاطر السلبية.

حروب العملة والحروب التجارية
إن احتكاكات العملة من الممكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى احتكاكات تجارية، ومن الممكن أن تؤدي حروب العملة إلى حروب تجارية، وهذا من شأنه أن يدفع الولايات المتحدة إلى متاعب وهي تحاول إبرام اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ الإقليمية العملاقة.

الواقع أن العالم سوف يكون أفضل حالا إذا نفذت أغلب الحكومات سياسات تعزز النمو من خلال الطلب المحلي بدلا من التدابير المرتبطة بالتصدير والقائمة على مبدأ إفقار الجار

ومن الواضح أن عدم الثقة في قدرة إدارة أوباما على حشد الأصوات الكافية في الكونغرس للتصديق على اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ تفاقم بسبب التشريع المقترح الذي يقضي بفرض رسوم جمركية على البلدان التي تنخرط في "التلاعب بالعملة"، وإذا أقحم هذا الارتباط بين التجارة والعملة على اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ فإن المشاركين من آسيا سوف يرفضون الانضمام إليها.

الواقع أن العالم سوف يكون أفضل حالا إذا نفذت أغلب الحكومات سياسات تعزز النمو من خلال الطلب المحلي بدلا من التدابير المرتبطة بالتصدير والقائمة على مبدأ إفقار الجار.

لكن هذا سوف يتطلب منها أن تقلل من اعتمادها على السياسة النقدية وتكثف اعتمادها على السياسات المالية السليمة (مثل زيادة الإنفاق على البنية الأساسية الإنتاجية)، وحتى سياسات الدخل التي ترفع الأجور -وبالتالي دخل العمل والاستهلاك- تعد مصدرا أفضل للنمو المحلي من خفض قيمة العملة (الذي يتسبب في انخفاض الأجور الحقيقية).

إن مجموع كل الموازين التجارية في العالم يساوي صفرا، وهذا يعني أنه من غير الممكن أن تكون كل بلدان العالم مصدرة صافية، وإن حروب العملة في نهاية المطاف ألعاب محصلتها صفر، لهذا السبب كان دخول أميركا ساحة هذه الحرب مسألة وقت لا أكثر.
ـــــــــــــــــــــــ
رئيس مؤسسة روبيني للاقتصاد العالمي (www.roubini.com)، وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك.

المصدر : بروجيكت سينديكيت