ياسين بودهان-الجزائر

أثارت تصريحات رئيس الوزراء الجزائري عبد المالك سلال بشأن إقبال بلاده على مرحلة اقتصادية دقيقة، وإمكانية اللجوء مجددا إلى الاستدانة، انتقادات أحزاب المعارضة، التي حمّلت الحكومة مسؤولية "الإخفاق" في تحرير الاقتصاد الجزائري من التبعية للمحروقات.

وكان عبد المالك سلال أكد أثناء اجتماعه مع كوادر قطاع الطاقة ببلاده أن الجزائر تواجه وضعا دقيقا، بسبب تداعيات تراجع أسعار النفط الذي قد يطول أمده.

وأوضح أن الإيرادات النفطية تراجعت في الربع الأول من العام الجاري بنحو 45%، مقارنة مع مستواها العام الماضي، وعزا ذلك إلى تراجع أسعار النفط الخام بنحو النصف منذ يونيو/حزيران الماضي.

وكشف أن العجز في ميزان المدفوعات بلغ 1.7 مليار دولار، مقابل فائض بنحو 1.8 مليار دولار قبل عام.

وبسبب الوضع الدقيق الذي تمر به البلاد، دعا سلال الجزائريين للتضامن مع الحكومة وشد الأحزمة.

وفي حال استقرار معدلات سعر البرميل عند خمسين دولارا، فمن المتوقع أن تشهد احتياطيات النقد بالجزائر تراجعا كبيرا.

تراجع المداخيل
واعترف سلال بأن حكومته لم تتنبأ، ولم تكن تتوقع الانهيار الكبير لأسعار النفط خلال 2015، وبالتالي تقلصت عائدات بلاده من المحروقات بمعدل 45%، مما يمثل خسارة 7.9 مليارات دولار خلال الربع الأول من العام الجاري، مع ارتفاع التضخم إلى معدل 4.96%.

ولم يستبعد سلال لجوء بلاده مجددا إلى الاستدانة في حال الضرورة، مع تأكيده أن الحكومة ستعلن في ملحق قانون المالية عن تدابير تقشفية لمواجهة أية أزمة محتملة.

وكانت الحكومة لجأت في وقت سابق إلى تقليص ميزانية التجهيز، وتجميد العديد من المشاريع، تحت تأثير تراجع مداخيل البلاد.

ورغم تحذيرات سلال، فإنه شدد على أن وضع الاقتصاد الكلي "تحت السيطرة" بالنظر إلى حجم الاحتياطي من النقد الأجنبي وقلة المديونية الخارجية للبلاد.

أحمد بن بيتور: حديث سلال عن إمكانية اللجوء للاستدانة مجددا أمر غير مجد اقتصاديا (الجزيرة نت)

واعتراف سلال بإقبال الجزائر على "سنوات عجاف" أثار انتقادات المعارضة، التي حمّلت الحكومة مسؤولية "الإخفاق" في الاستفادة من "البحبوحة" المالية التي كانت تنعم بها البلاد على مدار الـ15 عاما الماضية، والتي تمثل فترة رئاسة بوتفليقة الذي فشل في الوفاء بوعده بإنهاء تبعية البلاد لقطاع المحروقات.

وفي بيان موقّع من طرف المكلف بالإعلام لحركة النهضة، اعتبر محمد حديبي أن تصريحات سلال بمثابة "إعلان رسمي لإفلاس الدولة الجزائرية اقتصاديا وماليا، بعد تسجيل حالة إفلاس سياسي".

واعتبر حديبي أن "توقيت هذا التصريح جاء بعد الإعلان عن تعديل حكومي جديد"، وهو ما يعني -في رأيه- "محاولة لرفع المسؤولية السياسية والأخلاقية عن نتائج تسيير نظام الحكم للوضع الاقتصادي".

ودعت النهضة الطبقة السياسية لوقفة جادة لإنقاذ الدولة الجزائرية التي تمر -حسب ما جاء في البيان الذي حصلت الجزيرة نت على نسخة منه- "بمرحلة ابتزاز خطير ورهن مقدراتها وقراراتها خارج إرادة الشعب الجزائري لمصالح الجماعات والأشخاص".

تدابير تقشفية
وتوقع الخبير الاقتصادي محمد حملاوي في حديثه للجزيرة نت أن يكون العام الجاري من أصعب السنوات بخصوص التوازنات المالية مقارنة بالسنوات العشر الأخيرة، كما توقع أن تسجل الجزائر عجزا يتجاوز ستة مليارات دولار في ميزانها التجاري، وعجزا آخر في ميزان المدفوعات.

وما سبق يجبر الحكومة -في رأيه- على اللجوء إلى صندوق ضبط الإيرادات لتغطية العجز المتوقع خلال السنة المالية 2016.

ولمواجهة الوضع، لم يستبعد أن تلجأ الحكومة إلى إجراءات تقشفية، مثل مراجعة سياسة الدعم للكثير من المنتجات، وفي مقدمتها الوقود، مع رفع أسعار الكهرباء والماء وبعض الخدمات، مع إلغاء العديد من المشاريع، ومراجعة بعض السياسات المرتبطة بالجانب الاجتماعي بتقليص الأموال الموجهة للتحويلات الاجتماعية.

دعم شعبي
في المقابل، أكد رئيس الحكومة الأسبق أحمد بن بيتور للجزيرة نت أن حديث سلال عن إمكانية اللجوء للاستدانة مجددا أمر غير مجد اقتصاديا.

وبرر ذلك بقوله "الجزائر لن تستطيع تقديم ضمانات لتسديد ديونها بسبب تراجع حجم احتياطي النقد بسبب تراجع المداخيل، وبالتالي لن تجد من يمنحها ديونا لمواجهة أي أزمة متوقعة".

من جانبه، أكد المرشح للرئاسيات السابقة ورئيس حزب جبهة المستقبل عبد العزيز بلعيد أن الحكومة لن تستطيع مواجهة الأزمة إلا بفتح حوار حقيقي بين كل الشركاء السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين، وبحصولها على دعم شعبي حقيقي.

وأكد بلعيد للجزيرة نت أن كل الجزائريين معنيون بالتغيرات الاقتصادية الجديدة، وإذا أرادت السلطة تفادي المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها البلاد نهاية الثمانينيات فيجب أن يكون هناك تسيير عقلاني ومحكم للمقدرات، مع توظيف الكوادر المؤهلة في المناصب الإدارية العليا.

المصدر : الجزيرة