صباح نعوش

تعتمد الدول الأوروبية اعتماداً أساسياً على سلطاتها المحلية في تنفيذ أهداف الطاقة لديها، والمتمثلة في تقليص استهلاك الوقود المستورد وتنمية جميع أشكال الطاقة المتجددة.

ونظراً لاختلال التوازن بين إنتاج واستهلاك الطاقة ترتفع تبعية أوروبا للخارج حتى وصلت حالياً إلى 53%، وينفق الاتحاد الأوروبي نحو مليار يورو يومياً لاستيراد الطاقة، خاصة النفط والغاز الطبيعي.

يقود هذا الوضع إلى التأثير سلبياً على موازين مدفوعات الدول الأوروبية، وبالتالي على نموها الاقتصادي، كما يعاني الأوروبيون من تلوث الهواء بسبب استهلاك الوقود خاصة في المدن.

لذلك تهتم سياسة الطاقة بمعالجة هذه الأزمة من خلال ثلاثة مستويات: أوروبي جماعي وحكومي مركزي ومحلي.

وهناك تنسيق متين وانسجام تام بين هذه المستويات، لأنها تنطلق من أهداف مشتركة ومحددة تحديداً دقيقا. فمن ناحية وقع الاتحاد الأوروبي على اتفاق كيوتو عام 1997، الذي يدعو إلى بذل الجهود للحد من التلوث. ومن ناحية أخرى صدر عن المفوضية الأوروبية التوجيه رقم 28 لسنة 2009 الذي يحدد الأهداف الكبرى في ميدان الطاقة المسماة (3×20).

ففي عام 2020 (قياساً بعام 1990)، ينبغي أن يهبط انبعاث ثاني أكسيد الكربون بنسبة 20%، وأن تصل مساهمة الطاقة المتجددة إلى 20% من الطاقة الكلية، وأن يتم تحسين فاعلية الطاق بنسبة 20%. وفي 24 أكتوبر/تشرين الأول 2014، قررت القمة الأوروبية تعديل هذه الأهداف كالتالي: بات الاستهداف في عام 2030 (مقارنة بعام 1990)، وأصبح تقليص ثاني أكسيد الكربون بنسبة 40%، ومساهمة الطاقة المتجددة وتحسين الفاعلية الطاقية بنسبة 27% لكل منهما. وهكذا حلت هذه الأهداف الجديدة محل الأهداف القديمة. ولما كانت المدن تستهلك 80% من الطاقة وتسهم في التلوث بالنسبة نفسها يصبح من المنطقي منحها الصلاحيات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف.

صلاحيات محلية مختلفة هدفها موحد
تخفيض الاستهلاك
ميثاق البلديات

صلاحيات محلية مختلفة هدفها موحد
تختلف صلاحيات الطاقة للبلديات اختلافاً كبيراً نتيجة لعدة عوامل، فهناك دول تعتمد على الطاقة النووية في إنتاج الكهرباء ودول أخرى تعتمد على الوقود الأحفوري في هذا الإنتاج. ففي فرنسا 17% من الإنتاج الكلي للطاقة و78% من إنتاج الكهرباء يتأتى من المحطات النووية المملوكة للسلطة المركزية. وفي المقابل، في هولندا تمثل الطاقة النووية أقل من 2% من الإنتاج الكلي للطاقة، وتبلغ مساهمة الوقود الأحفوري في إنتاج الكهرباء 81%. ويفسر هذا الأمر إلى حد كبير كثرة مساهمة الفرد في انبعاث أكسيد الكربون في هولندا مقارنة بفرنسا، لذلك تصبح الحاجة ماسة في هولندا لتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري وزيادة استخدام الطاقة المتجددة، فيظهر بالتالي دور مدنها في هذا المجال، في حين لا توجد في فرنسا نية لتقليص الطاقة النووية، فيصبح الدور الخاص بالطاقة لمدنها ضعيفا نسبيا.

كما يجد اختلاف صلاحيات البلديات تفسيراً له في تباين التنظيم الإداري، ففي البلدان الاتحادية كالنمسا وألمانيا تتمتع السلطات المحلية بصلاحيات واسعة في الميادين الاقتصادية كالطاقة. وفي المقابل، تضعف هذه الصلاحيات في الدول المركزية كالبرتغال وفرنسا. لكل مدينة ألمانية يتجاوز عدد سكانها مائة ألف نسمة مؤسسة تابعة للسلطة المحلية تتولى إنتاج وتوزيع الكهرباء. في حين هناك من الناحية العملية شركة حكومية واحدة في فرنسا (إي دي أف) تنتج الكهرباء وتوزعه على جميع أنحاء البلاد، ولا تلعب المدن أي دور في هذا الميدان.

إن اختلاف الصلاحيات الخاصة بالطاقة للمدن الأوروبية يرتبط فقط بالأسلوب لبلوغ غاية واحدة وهي خفض استهلاك النفط والغاز الطبيعي أو على الأقل الحد من زيادته، وقد نجحت الدول الأوروبية الكبيرة نجاحاً باهراً في هذا المضمار

ورغم هذا الاختلاف في الصلاحيات، فإنها جميعها تصب في أهداف موحدة. فهي تسعى بالدرجة الأولى إلى تقليص استهلاك الوقود الأحفوري المستورد، الأمر الذي يقود إلى توفير أموال لا يستهان بها. بيد أن هذا التقليص يجب ألا يؤثر سلبياً على الأنشطة الاقتصادية خاصة الصناعية، لذلك ظهر هدف آخر تتمسك به جميع المدن، وهو تحسين فاعلية الطاقة، مما يعني استهلاك أقل كمية ممكنة من الطاقة للحصول على أعلى درجة ممكنة من الإنتاج. الأمر الذي يستدعي اتخاذ الإجراءات ضد التبذير من جهة وتشجيع البحوث العلمية والتطوير التكنولوجي من ناحية أخرى، كما يتعين على السلطات المحلية تنمية الطاقة المتجددة المتوفرة لديها.

ويقود تضافر هذه العوامل إلى خلق فرص عمل جديدة في المدن غير قابلة للانتقال إلى مناطق أخرى، كما يفضي إلى زيادة القدرة التنافسية لمشاريع المدينة، وتزداد درجة استقلالها في ما يتعلق بالطاقة، ناهيك عن تقليص انبعاث الغازات الضارة فتتحسن الشروط البيئية. ومما لا شك فيه ينعكس تحقيق هذه الأهداف في المدن مباشرة على الدولة برمتها.

نتيجة لهذه السياسة المحلية، أصبح تقليص الطاقة المستوردة من عوامل النمو الاقتصادي للمدن الأوروبية. وقد أشارت البيانات إلى أن بريستول المدينة الأكثر اقتصاداً للطاقة في بريطانيا تسجل معدلاً للنمو الاقتصادي يفوق المعدل العام في المدن الأخرى.

إن اختلاف الصلاحيات الخاصة بالطاقة للمدن الأوروبية يرتبط فقط بالأسلوب لبلوغ غاية واحدة وهي خفض استهلاك النفط والغاز الطبيعي أو على الأقل الحد من زيادته، وقد نجحت الدول الأوروبية الكبيرة نجاحاً باهراً في هذا المضمار.

خلال الفترة بين 2010 و2013، انتقل الاستهلاك السنوي للنفط من 901 مليون برميل إلى 869 مليون برميل في ألمانيا. ومن 669 مليون برميل إلى 614 مليون برميل في فرنسا. ومن 591 مليون برميل إلى 477 مليون برميل في بريطانيا. وعند إضافة إيطاليا وإسبانيا وهولندا والسويد وسويسرا إلى هذه الدول الثلاث نلاحظ أن حجم هبوط الاستهلاك خلال هذه الفترة القصيرة يتجاوز مليون برميل يومياً أي ما يعادل الإنتاج الكلي للجزائر. 

تخفيض الاستهلاك
بما أن المدن تستهلك القسط الأكبر من الطاقة في أوروبا، لذلك اتجهت الأنظار أولاً نحو تحديث البنايات القديمة بحيث تصبح مطابقة للمواصفات المطلوبة. فعلى سبيل المثال، قررت بلدية شارل لروا البلجيكية تحديث بناياتها للاقتصاد من الوقود. ويبين تقرير البلدية أن إنفاق ثمانية ملايين يورو للتحديث قاد إلى تقليص طلب الطاقة بنسبة 35%. لكن دفع هذا المبلغ لم يؤثر إطلاقاً على مالية البلدية، فقد اتفقت مع شركة لإنجاز الإصلاحات المطلوبة، وبموجب الاتفاق دفعت البلدية المبلغ المذكور بأقساط سنوية يساوي القسط الواحد منها المبلغ الذي وفرته البلدية جراء الاقتصاد في استهلاك الطاقة، وهكذا سددت جميع الأقساط دون رصد اعتمادات إضافية في ميزانيتها.

وتشير التقارير الصادرة عن بلدية أودانس الدانماركية أن إنفاق عشرة ملايين يورو في التسعينيات من القرن المنصرم لإصلاح  بناياتها وفق ضرورات سياسات اقتصاد الطاقة أدى في غضون عشرين سنة إلى توفير مبلغ 36 مليون يورو.

واتخذت بلدية برشلونة قراراً تلزم بموجبه جميع الأبنية الحديثة بتوليد الكهرباء لتسخين الماء عن طريق الطاقة الشمسية بنسبة لا تقل عن 60% من حاجاتها، وينص القرار على عقوبات توقع على من يخالفه، وتتجلى بغرامة مالية تصل إلى ستين ألف يورو مع إلغاء رخصة البناء ومصادرة معدات البناء. وقد نجحت برشلونة في تنفيذ سياستها التي انتقلت إلى مدن إسبانية أخرى.

ولا يقتصر دور البلديات على الأبنية، بل يمتد إلى أنشطة أخرى متعددة تتكفل بتنفيذها مؤسسة يطلق علها اسم "الوكالة المحلية للطاقة". هنالك وكالات تهتم بالدرجة الأولى بقطاع معين كالنقل أو استغلال الطاقة المتجددة. وهنالك وكالات تعنى بجميع المجالات ذات الصلة بالطاقة. وتتولى البلدية إنشاء وقيادة الوكالة وتحديد سياستها، وتختص الوكالة بتوعية الأفراد وإرشاد المؤسسات. ففي المدن النمساوية تقدم الوكالات المعلومات للأشخاص قبيل شراء المعدات العاملة بالطاقة، وتتناسب المعلومات مع كل حالة على حدة، وتقدم هذه الوكالات نحو ألف إرشاد شهريا. وفي فرنسا ترسل الوكالات المحلية موظفيها إلى دور السكن لتقديم النصائح المجانية حول تأثير الشبابيك وأجهزة التدفئة ونظام الإنارة ومعدات الطبخ على استهلاك الطاقة.

ولا يتوقف دور الوكالة على الإرشاد بل تقدم قروضاً بأسعار فائدة منخفضة للمؤسسات التي تقتصد الطاقة وفق شروط معينة، كما يقدم بعضها منحاً مجانية للأفراد الذين يختارون خلايا الطاقة الشمسية لتسخين الماء. وفي مدينة تور الفرنسية تقدم الوكالة مبلغاً يتراوح بين خمسمائة وسبعمائة يورو إضافة إلى إعانات أخرى تقررها السلطة المركزية.

ورغبة في تعزيز دور السلطات المحلية في مجال الطاقة، ظهر ميثاق البلديات الذي ينطلق من كون التعاون في أوروبا بين المدن أكثر فاعلية من التعاون بين الدول.

ميثاق البلديات
نتيجة لعوامل عديدة، في مقدمتها الارتفاع الكبير في أسعار النفط عام 2008، أطلقت المفوضية الأوروبية ميثاق رؤساء البلديات، الذي يتضمن التزام السلطات المحلية للمدن الأوروبية الموقعة عليه بالتعاون البيني وبذل الجهود من أجل تنمية الطاقة المتجددة وتقليص انبعاث ثاني أكسيد الكربون.

يتعين على البلدية وضع خطة تقديرية لكمية ثاني أكسيد الكربون المنبعث في نطاقها الجغرافي، وعليها خلال سنة واحدة من تاريخ توقيعها الميثاق اتخاذ الإجراءات العملية لمعالجة هذا الانبعاث.

يتطلب تنفيذ هذه السياسة المحلية رصد الأموال اللازمة، وكذلك إنجاز البحوث العلمية المطلوبة. لذلك تحصل المدن المنتمية للميثاق على المساعدات من الحكومات التابعة لها والقروض من البنك الأوروبي للاستثمار والصندوق الأوروبي للتنمية المحلية، كما أن "المركز المشترك للبحث" وهو الذراع العلمية للمفوضية الأوروبية يقدم الدعم العلمي للمدن في ميدان الطاقة.

حتى نهاية أيار/مايو 2015 بلغ عدد الموقعين على الميثاق 6341 بلدية، من بينها العواصم والمدن الأوروبية الكبيرة، ويزداد العدد بصورة مستمرة تكاد تكون يومية، والانتماء للميثاق مفتوح أمام جميع المدن الأوروبية بغض النظر عن مساحتها أو عدد سكانها، ولا يوجد موعد محدد للانضمام، ولكن يشترط أن تكون سلطة البلدية منتخبة، وأن تلتزم بتقليص انبعاث الكربون.

وفي عام 2011، وتحت تأثير سياسة الجوار الأوروبية، تطورت عضوية الميثاق لتشمل مدناً أوروبية خارج نطاق الاتحاد الأوروبي كبعض المدن الأوكرانية والأرمينية والأذربيجانية، ثم شملت أيضاً مدناً جزائرية (باتنة وسيدي بلعباس) ومغربية (وجدة وأغادير) ولبنانية (منجز وبعقلين) وفلسطينية (نابلس ورام الله).

إن جهود البلديات للحد من استهلاك الطاقة ستزداد في السنوات القادمة حتى وإن استمرت أسعار النفط في التراجع، لأن تقليص الطلب على النفط يدخل في نطاق هبوط نفقات البلديات وكذلك حصولها على مساعدات مالية، فيسهم بالتالي في تخفيف عبء المديونية التي تعاني منها أغلبية المدن الأوروبية

الالتزام هو الأساس الذي يقوم عليه الميثاق، ويتسم بسمتين أساسيتين: السمة الأولى أنه اختياري، أي للمدينة تحديد النسبة التي تراها مناسبة لتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري وتحسين فاعلية سياسة الطاقة وزيادة مساهمة الطاقة المتجددة. والسمة الثانية أن النسبة المختارة المستهدفة يجب ألا تقل عن النسبة المقررة من قبل السلطات الأوروبية المذكورة أعلاه.

والالتزام يندرج في إطار السياسة الكلية للبلدية، وبالتالي فإن السلطات المحلية مسؤولة مسؤولية مباشرة أمام ناخبيها عن تنفيذها، أضف إلى ذلك أن الميثاق ينص صراحة على أن عدم التنفيذ يفضي إلى إلغاء عضوية المدينة.

وقد قدمت بعض البلديات التزامات تفوق بكثير تلك التي حددتها المؤسسات الأوروبية، فقد التزمت مدينة ميونخ الألمانية التي تتمتع بعضوية ميثاق البلديات بالاعتماد بنسبة 100% على الطاقة المتجددة في إنتاج الكهرباء اعتباراً من عام 2025، وخصصت تسعة مليارات يورو لتحقيق هذا الهدف.

وذهبت بلدية فاكسجو السويدية التي تعد من أوائل المدن المنضوية تحت الميثاق إلى أبعد من ذلك، فقد وضعت خطة طموحة في عام 1996 تقضي بالاستغناء كلياً عن جميع أشكال الوقود الأحفوري بحلول عام 2010، لكن تبينت صعوبة الوفاء بهذا الالتزام لذلك قررت البلدية تعديله لتصبح السنة المستهدفة 2030. ومما لا شك فيه أن هذه المدينة البالغ عدد سكانها 85 ألف نسمة قطعت شوطاً بعيداً في تنمية الطاقة المتجددة المتوفرة لديها خاصة الحطب، كما استطاعت تقليص انبعاث ثاني أكسيد الكربون بنسبة 41% في عام 2012، أي ما يعادل المعدل الأوروبي المستهدف لعام 2030.

وهبط انبعاث هذا الغاز في المدينة إلى 2.7 طن للفرد الواحد في السنة مقابل 7.0 أطنان للفرد الواحد في الاتحاد الأوروبي، ويصل إلى 9.1 أطنان في ألمانيا و11.0 طنا في هولندا، لكنه يهبط إلى 5.6 أطنان في فرنسا.

وتجدر الإشارة إلى الارتفاع الهائل لهذه المساهمة الفردية في جميع دول مجلس التعاون الخليجي التي باتت تحتل مرتبة الصدارة على الصعيد العالمي، ففي دولة الكويت بلغت المساهمة الفردية 31.3 أطنان. وينبغي على السلطات المحلية للمدن الخليجية معالجة هذه الأزمة بأقصى سرعة ممكنة بأسلوب أو آخر كتنظيم تجمع خليجي على غرار الميثاق الأوروبي.

وشهدت السنوات القليلة المنصرمة أزمة مالية حادة مقترنة بارتفاع أسعار النفط، الأمر الذي أدى إلى قيام المدن الأوروبية بجهود كبيرة من أجل تقليص استهلاك الطاقة عامة والنفط خاصة، لكن الجهود ستزداد في السنوات القادمة حتى وإن استمرت تلك الأسعار في التراجع لأن تقليص الطلب النفطي يدخل في نطاق هبوط نفقات البلديات وكذلك حصولها على مساعدات مالية، فيسهم بالتالي في تخفيف عبء المديونية التي تعاني منها أغلبية المدن الأوروبية. كما يرى الأوروبيون أن هذا التقليص ضروري لمعالجة التلوث من جهة والحد من تفاقم التبعية الطاقية من جهة أخرى.
ـــــــــــــــــ
باحث اقتصادي عراقي

المصدر : الجزيرة