مايكل سبنس

يبدو أن الاقتصادين الأكبرين في العالم -الولايات المتحدة والصين- يعانيان من التباطؤ المزمن، وتظل الشكوك تحوم حول مسار نموهما، مع ما يصاحب ذلك من عواقب.

وتستقر معدلات النمو السنوية الحقيقية بالولايات المتحدة (المعدلة تبعا للتضخم) عند نحو 2%، وإن كان تحديد ما إذا كانت هذه النسبة عند مستوى إمكانات الاقتصاد أو دونها يظل يشكل مصدرا للجدل.

ويبدو أن الصين تتجه نحو معدل نمو بنسبة 6% إلى 7%، والذي حددته الحكومة في العام الماضي باعتباره "المعتاد الجديد" للاقتصاد, أي ما ستعتاد عليه البلاد في أعقاب النمو الكبير بالسنوات السابقة.

ويتفق بعض المراقبين على إمكانية الحفاظ على هذا المعدل على مدى العقد المقبل أو ما إلى ذلك، شريطة أن تنفذ الحكومة مجموعة شاملة من الإصلاحات في السنوات القليلة المقبلة، غير أن آخرين يتوقعون أن يواصل نمو الناتج المحلي الإجمالي في الصين الاتجاه نحو الهبوط مع إمكانية الهبوط الحاد.

رياح معاكسة للصين والولايات المتحدة
تراجع قطاع العقارات الصيني

رياح معاكسة للصين والولايات المتحدة
وهناك بكل تأكيد سبب للقلق، ذلك أن النمو البطيء وغير المؤكد في أوروبا -الشريكة التجارية الرئيسية لكل من الولايات المتحدة والصين- يخلق رياحا معاكسة للاقتصادين.

وعلاوة على ذلك، تعاني الولايات المتحدة والصين -بل الاقتصاد العالمي بأسره في واقع الأمر- من ضعف الطلب الكلي، وهو ما يؤدي إلى خلق ضغوط انكماشية، وفيما تحاول البنوك المركزية مكافحة هذه الضغوط من خلال خفض أسعار الفائدة فإنها تتسبب دون قصد في العودة إلى الاستدانة المفرطة (وهو نمط النمو غير المستدام)، وارتفاع أسعار الأصول (مع بعض المخاطر المتمثلة في التصحيح نحو الانخفاض نظرا للنمو البطيء)، وخفض القيمة (الذي يعمل على دفع الطلب إلى التنقل حول الاقتصاد العالمي دون أن يزيد فعليا).

وفي حالة الصين -التي لا تزال تعتمد إلى حد ما على الأسواق الخارجية لدفع عجلة النمو الاقتصادي- تشكل هذه البيئة تحديا من نوع خاص، خاصة مع تسبب خفض قيمة العملة في أوروبا واليابان في المزيد من تآكل الطلب على الصادرات.

لكي تتمكن الصين من تعزيز الطلب يتعين عليها أن تعمل على زيادة استهلاك الأسر وتحسين سبل تقديم الخدمات ذات القيمة العالية.

لكن حتى في ظل غياب الأزمة في الأسواق الخارجية الرئيسية فإن الاقتصاد المعقد المتوسط الدخل مثل اقتصاد الصين من غير الممكن أن يتوقع حقا معدلات نمو أعلى من 6% إلى 7%.

ومع هذا، أصرت الصين في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية على الحفاظ على معدلات نمو مرتفعة للغاية بلغت 9% لعامين، وذلك من خلال الاعتماد على التحفيز المالي، وضخ كميات كبيرة من السيولة، والتوقف المؤقت عن رفع قيمة الرنمينبي.

ولو كانت الحكومة قد أشارت إلى "المعتاد الجديد" في وقت سابق لكانت التوقعات قد تكيفت بشكل مختلف، ولكان هذا مثبطا للاستثمار غير المبرر في بعض القطاعات، وحد من القروض المتعثرة، واحتوى الاستدانة المفرطة في قطاع الشركات، في حين تجنب سوء تسعير السلع، ولكان النمو متباطئا ولكن في ظل قدر أقل كثيرا من المخاطر.

لكن في الوضع الحالي تواجه الصين تحديات خطيرة، ونظرا لضعف نمو الطلب الخارجي وحصة السوق الكبيرة بالفعل لكثير من السلع فإنها لا تستطيع أن تعتمد على نمو الصادرات لدعم الأداء الاقتصادي في الأمد القريب، ورغم أن دعم الاستثمار في البنية الأساسية من قبل شركاء الصين التجاريين -خاصة من خلال سياسة "حزام واحد، طريق واحد"- ربما يساعد على تعزيز الأسواق الخارجية في الأمد الأبعد فإن هذا لا يصلح كبديل للطلب الكلي المحلي.

ولكي تتمكن الصين من تعزيز الطلب يتعين عليها أن تعمل على زيادة استهلاك الأسر وتحسين سبل تقديم الخدمات ذات القيمة العالية.

وتشير البيانات الحديثة إلى أن الاستهلاك -رغم الزيادات الأخيرة في الأجور- لا يتجاوز نحو 35% من الناتج المحلي الإجمالي.

وفي ظل ارتفاع معدل مدخرات الأسر إلى نحو 30% من الدخل المتاح فإن نصيب الفرد في الدخل المتاح يبلغ نحو نصف نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي.
رغم أن دعم الاستثمار في البنية الأساسية من قبل شركاء الصين التجاريين ربما يساعد على تعزيز الأسواق الخارجية في الأمد الأبعد فإن هذا لا يصلح كبديل للطلب الكلي المحلي

والواقع أن التوسع في برامج الضمان الاجتماعي وتقديم قائمة أغنى بخيارات الادخار والاستثمار من الممكن أن يساعدا كثيرا على الحد من الادخار الاحترازي، وأن يعززا الاستهلاك، ولكن المطلوب حقا هو التحول في عملية توزيع الدخل نحو الأسر.

وفي غياب الجهود المتضافرة لزيادة حصة الأسر في الدخل الإجمالي وزيادة حصة الاستهلاك في الطلب الكلي فإن نمو المنتجات الاستهلاكية والخدمات سوف يظل غير كاف، ولأن الخدمات تشكل مصدرا كبيرا لتشغيل العمالة المتزايدة فإن توسعها بشكل خاص من شأنه أن يساعد على دعم النمو الشامل.

تراجع قطاع العقارات الصيني
ويتعلق تحد آخر رئيسي بتراجع قطاع العقارات في الصين، حيث انخفض نشاط البناء والأسعار بسرعة في العام الماضي، وإذا كانت شركات البناء المفرطة في الاستدانة خاضعة لضغوط شديدة فإنها من الممكن أن تنتج قروضا متعثرة -وبالتالي مخاطر كبيرة- في القطاع المصرفي التقليدي وقطاع الظل المصرفي على حد سواء.

ومن حسن الحظ أن معدل الاستدانة المنخفض نسبيا لدى الأسر الصينية يعني أن ذلك النوع من الإضرار بالميزانية العمومية -والذي حدث في بعض البلدان المتقدمة أثناء الأزمة وأدى إلى انخفاض الطلب بشكل كبير- غير مرجح حتى إذا استمرت أسعار العقارات في الانخفاض، وهذا يعني أيضا أن بعض الحيز يظل متاحا لتوسيع الائتمان الاستهلاكي بهدف تعزيز الطلب.

وهذا ليس المصدر الوحيد للأمل، فالأجور تشهد ارتفاعا ملموسا، وسوف يتم إدخال التأمين على الودائع، كما يجري الآن تحرير أسعار الفائدة على الودائع.

وتشهد أدوات الاستثمار على شبكة الإنترنت نموا ملحوظا، وتعمل الشركات الجديدة في قطاع الخدمات -3.6 ملايين شركة منها بدأت العمل في العام الماضي فقط- على توليد العمالة المتزايدة، ويرجع الفضل في هذا جزئيا إلى إطار الترخيص المبسط الجديد، وتعمل المنصات على شبكة الإنترنت على تسهيل الاستهلاك المتزايد، في حين تساعد في توسيع القدرة على الوصول إلى الأسواق وتمويل الشركات الأصغر حجما.

ينبغي لقادة الصين أن يعملوا على التعجيل بهذه الاتجاهات والبناء عليها بدلا من ملاحقة المزيد من التحفيز المالي والنقدي.

إن الاستثمار العام مرتفع بالقدر الكافي، وتوسيعه الآن من شأنه أن يحول تركيبة الطلب الكلي في الاتجاه الخطأ، وفي حين يتحمل قطاع الشركات مديونية مفرطة بالفعل فإن التوسع العريض القاعدة في الائتمان ليس آمنا.

إن الحوافز المالية الآن لا بد أن تركز على تحسين الخدمات العامة، وتشجيع الاستهلاك، وزيادة دخل الأسر.

إن الحوافز المالية في الصين لا بد أن تركز حاليا على تحسين الخدمات العامة، وتشجيع الاستهلاك، وزيادة دخل الأسر

والتعجيل بتوسيع قاعدة الضمان الاجتماعي الذي تموله الدولة من شأنه أن يؤدي إلى خفض معدلات ادخار الأسر بمرور الوقت.

وبصورة عامة، يتعين على الصين أن تستخدم ميزانيتها العمومية الضخمة لتوفير الدخول أو الفوائد التي تعمل على توسيع ما تعتبره الأسر دخلا يمكن استهلاكه بأمان، ولأن الاستثمار الخاص يستجيب للطلب في الأساس فإن مثل هذه التدابير من المرجح أن تعمل على عكس اتجاه المسار النزولي الحالي للطلب.

إن المزيد من التباطؤ في الصين احتمال واضح، ويتعين على قادة الصين أن يبذلوا قصارى جهدهم لضمان عدم النظر إلى مثل هذا التباطؤ باعتباره اتجاها مزمنا، وهو التصور الذي قد يؤدي إلى تقويض الاستهلاك والاستثمار اللذين يحتاج إليهما الاقتصاد بشدة.
ـــــــــــــــــ
حائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد، وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك، وكبير زملاء مؤسسة هوفر، وأحدث مؤلفاته كتاب "التقارب التالي.. مستقبل النمو الاقتصادي في عالم متعدد السرعات".

المصدر : بروجيكت سينديكيت