أحمد الأنباري-بغداد

وصف خبير عراقي عزم حكومة بغداد بيع كميات من النفط بطريقة "الدفع المسبق" بأنه "مجازفة وسوء تخطيط"، وذلك لأنه قد يتسبب في خسائر مالية كبيرة للعراق، ويقصد بالدفع المسبق بيع شحنات الخام لفترات مقبلة بأسعار ثابتة. وتواجه الحكومة العراقية التي أقرت موازنة بعجز يقدر بمليارات الدولارات، مشكلة في توفير السيولة الضرورية لتمويل الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية.

وتباينت آراء لجنتي النفط والمالية في مجلس النواب العراقي وخبراء في مجال النفط إزاء سعي بغداد إلى بيع كميات من النفط الخام بطريقة "الدفع المسبق"، لدعم العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة الذي يسيطر على ثلث مساحة البلاد منذ يونيو/حزيران الماضي.

فقد كشف وزير المالية العراقي هوشيار زيباري -في مؤتمر صحفي قبل أيام- عن سعي الحكومة الاتحادية بيع كميات من احتياطي البلاد النفطي بنظام الدفع المسبق، وأضاف أنه لم تتحدد بعد تفاصيل كميات وقيمة هذه المبيعات التي تعرف في صناعة النفط بالتمويل المسبق.

وبرر زيباري هذه الخطوة بحاجة الحكومة للسيولة لتمويل حملتها العسكرية على تنظيم الدولة، ولتعويض الفاقد من إيرادات الخزينة من عائدات النفط.

المحمداوي: الحكومة لا يمكنها التصرف بالاحتياطي لأنه ملك الأجيال القادمة (الجزيرة)

رفض وقبول
وعبر عضو لجنة النفط والطاقة في البرلمان جمال المحمداوي عن رفضه عزم الحكومة بيع كميات من الاحتياطي النفطي بنظام الدفع المسبق، مؤكداً أن السلطات لا يمكنها التصرف في الاحتياطي لأنه ثروة سيادية تخص الأجيال القادمة.

وأضاف البرلماني أن "الأولى بالحكومة تقديم توضيح بخصوص فائض أموال النفط عند ارتفاع أسعاره في السنوات الماضية"، وشدد على ضرورة الإفادة من الثروة الوطنية في التنمية الاقتصادية والاستثمارية، ودعم الصناعة والتجارة والزراعة "وليس التفكير في بيع النفط بأسعاره المنخفضة الحالية".

وبالمقابل، عبرت عضو اللجنة المالية في البرلمان أمل عطية عن اعتقادها بأن "تطبيق نظام الدفع المسبق للاحتياطي سيفيد الموازنة إلى حين ارتفاع أسعار النفط الخام"، موضحة أن "العراق في حالة حرب بالإضافة إلى انخفاض أسعار النفط، وبالتالي فهو بحاجة كبرى إلى الأموال في الوقت الحالي".

وأضافت للجزيرة نت أن "الدفع المسبق لأسعار النفط يضيف أموالاً إلى الموازنة العامة للبلد ويساعد على تجاوز الأزمة المالية"، لافتة إلى أنه "بالإمكان الاعتماد على الدفع الآجل في بيع بعض المنتجات النفطية، شرط أن يكون في مدة لا تتجاوز الشهر لأخذ الأموال".

عطية: الدفع المسبق لكميات النفط سيساعد الحكومة في تجاوز الأزمة المالية (الجزيرة)

مجازفات اقتصادية
ويرى الاقتصادي العراقي عادل هاشم أن "عملية بيع النفط بطريقة الدفع المسبق تعني أن كميات الخام التي ستستخرج مستقبلا ستباع بأسعارها الحالية أو بأسعار تفضيلية أدنى من معدلاتها الحالية".

وأضاف هاشم أن هذا النوع من البيع يحمل نوعين من المجازفة بحسب وجهة النظر الاقتصادية، الأولى أن الأسعار الحالية تمثل أدنى مستويات الأسعار (أسعار القاع)، ومن المتوقع أن ترتفع أسعار الخام، خصوصا بعد الاضطرابات الأمنية والعسكرية التي تمرّ بها المنطقة العربية.

وأوضح المتحدث أن "العراق سيخسر الفارق السعري عند البيع بالدفع المسبق، وقد تصل الخسارة إلى مليارات الدولارات".

إفلاس لاحق
وتتمثل المجازفة الثانية عند بيع النفط بالدفع المسبق -وفق هاشم- في أن الاعتماد على بيع الإنتاج اللاحق في الزمن الحاضر يعني إفلاس الموازنة مستقبلا، لأن المالية العامة لن تجد مصدرا مدرّا للدخل تعتمد عليه في تمويل موازنتها في المستقبل، وستضطر لمواصلة عملية البيع الآجل وتتحمل كافة المساوئ التي ترافقها.

وأشار الاقتصادي العراقي إلى أن الحكومة "أهملت عنصر التخطيط في التنمية، إذ إن هدف الإيرادات النفطية هنا سيركز على تمويل الإنفاق الاستهلاكي وإدامة الحرب على الإرهاب"، واعتبر أن "اعتماد هذا الأسلوب الخاطئ من وجهة النظر الاقتصادية ربما يحمل شيئاً من الصواب في حالة البلدان التي لديها قدرات إنتاجية تفوق حجم حصتها بالسوق"، مشددا على أن العراق ليس من هذه البلدان.

المصدر : الجزيرة