تامر بدوي

بات واضحاً أن إعادة الاصطفاف الإقليمي الذي يهدف إلى كبح جماح التوسع الإيراني في المنطقة، أصبحت انعكاساتها ملموسة ميدانياً في الساحة السورية في دعم المعارضة.

فتقدم المعارضة السورية المسلحة جنوباً وشمالاً وصولاً إلى المناطق المحيطة بالساحل, يعني أن طهران سيزداد استنزافها اقتصادياً حتى تستطيع إعادة الاستحواذ على المناطق المحررة بحشد مليشياتها ودعمها مالياً.

ووفقاً لتقديرات, تنفق إيران ما يقارب 35 مليار دولار سنوياً على دعمها للنظام السوري وتشكيلاتها المسلحة، فكيف استطاعت الاستمرار في إنفاقها على الحرب طوال السنوات الماضية؟ وإلى أي مدى ستتمكن من الاستمرار مستقبلاً في سلوكها في ظل تراجع سعر برميل النفط؟

من ناحية أخرى, ما تداعيات استمرار مثل هذا الإنفاق على مؤشرات اقتصادها الكلي والوضع المعيشي للشعب الإيراني؟

تعكس الأرقام التي تعلنها المؤسسات الاقتصادية الإيرانية في منشوراتها خلال الشهور الماضية تحسناً تدريجياً في أداء اقتصادها المنهك. وإذا صحت دقة تلك الأرقام, هل تتمكن طهران من الحفاظ على تلك المكتسبات إذا حسم صناع القرار الإيرانيون قراراتهم لصالح الاستمرار في تقديم الدعم المالي لدمشق بنفس الحجم أو أكثر؟  

سعر النفط وتمويل النظام السوري
تأثير الإنفاق العسكري على الأداء الاقتصادي
بين النمو الاقتصادي وعدالة التوزيع

سعر النفط وتمويل النظام السوري
يجب العودة أولاً إلى دور النفط في الصراعات من أجل فهم محركات السلوك الإيراني، وذلك من خلال الإشارة إلى قراءات تتناول هذه المسألة. 

تشير دراسة إحصائية لجيف كولجان نشرت عام 2010 بعنوان "النفط والحكومات الثورية.. وقود النزاع الدولي" إلى أن الدول المصدرة للنفط التي تشكل عائداتها النفطية على الأقل 10% من ناتجها المحلي الإجمالي, انخرطت في نزاعات مسلحة أكثر من نظيراتها غير النفطية بنسبة 50% بعد الحرب العالمية الثانية. وفي دراسة أخرى صدرت لنفس الباحث في العام الماضي, تزداد قابلية النظم الثورية النفطية للانخراط في نزاعات مسلحة مقارنة بنظيراتها النفطية غير الثورية بنسبة 250%.

في عام 2012 -العام الثاني للثورة السورية- بلغ سعر برميل النفط 109 دولارات تقريباً، ليفقد أكثر من نصف قيمته في العام الجاري. إذا, لماذا استمر الدعم الإيراني لنظام الأسد حتى بعد السقوط الدراماتيكي لسعر برميل النفط؟

يرجع ذلك إلى ثلاثة اعتبارات:

1- العلاقة بين سعر النفط وقرار استمرار الحرب من عدمه قطعاً ليست علاقة "ميكانيكية"، وإنما ترتبط بالتزامات وحسابات إستراتيجية تتعلق بحلفائها واستثماراتها الاقتصادية في سوريا.

2- احتمال عدم انخفاض سعر برميل النفط بالقدر الذي يدفعها إلى تقليص دعمها دراماتيكياً للنظام ومليشياتها. فبحسب ما يرى الكاتب توماس فريدمان تزيد احتمالات دخول الدول النفطية في نزاعات مسلحة بنسبة 30% عندما يبلغ سعر برميل النفط 60 دولارا، مقارنة بحالة تلك الدول عند بلوغ سعر النفط 20 دولاراً.

3- مستوى احتياطات النقد الأجنبي وتغير أولويات الإنفاق.

وإذا كان الاعتبار الأول ثابتا أو شبه ثابت, فالاعتباران الثاني والثالث يتغيران بوتيرة سريعة نسبياً على المديين القصير والمتوسط.

تأثير الإنفاق العسكري على الأداء الاقتصادي
تستنزف إيران نقدها الأجنبي بشكل متزايد بسبب استمرار دعمها لنظام الأسد ومليشياتها في سوريا. لكن كيف يؤثر إنفاقها على الحرب السورية على اقتصادها؟

وفقاً لتقديرات إحصائية, تُظهر المؤشرات الاقتصادية الإيرانية زيادة معتبرة في الإنفاق العسكري منذ نهاية الحرب مع العراق

أولاً قبل شرح هذا التأثير, من المهم تقسيم إنفاق إيران في سوريا إلى قسمين: دعم مالي مباشر وغير مباشر للنظام السوري، وتمويل وتسليح تشكيلات عسكرية إيرانية أو غير إيرانية.

تشير دراسات اقتصادية إلى أن التزايد غير المتوازن للإنفاق العسكري يؤثر سلباً على النمو الاقتصادي من خلال عدد من القنوات، كتراجع معدلات الادخار والاستثمار، بالإضافة إلى تراجع الإنفاق في قطاعات الصحة والتعليم. وينتج عن ارتفاع الإنفاق العسكري مزيداً من العجز في الموازنة, وتزايد الديون, وارتفاعًا معتبرًا في معدلات الضرائب وتراجع إنتاجية القطاع الخاص.

ووفقاً لبيانات أصدرها البنك الدولي عام 2011, بلغ متوسط إنفاق طهران العسكري خلال العقد الأول من الألفية الثانية 16%، وهي نسبة مرتفعة نسبياً مقارنة بمتوسط بلغ 13% لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال نفس الفترة.

ووفقاً لتقديرات إحصائية, تُظهر المؤشرات الاقتصادية الإيرانية زيادة معتبرة في الإنفاق العسكري منذ نهاية الحرب مع العراق، فبينما بلغ إنفاق طهران العسكري 16% من موازنتها عام 1993, ارتفع بصورة معتبرة عام 2006 إلى 52%. وفي المقابل شهد الإنفاق على التعليم في تلك الفترة تراجعاً من 27 إلى 15%، كما شهد الإنفاق على الصحة وقطاعات أخرى تراجعا أيضا.

في المقابل هناك دراسات اقتصادية تنتمي إلى الاتجاهات الكينزية (نسبة إلى الاقتصادي البريطاني جون كينز)، ترى أن زيادة الإنفاق العسكري له انعكاسات إيجابية على النمو الاقتصادي. فالإنفاق الحكومي على القطاعات العسكرية والأمنية يمكن أن يقلص من نسبة البطالة ويزيد من الدخل القابل للتصرف. ووفقاً لهذا الاتجاه, إذا نتج عن زيادة الإنفاق العسكري تطورات تقنية قابلة للانتقال إلى قطاعات اقتصادية مدنية, فإن تعزيز الصناعات العسكرية يمكن أن يعطي دفعة للنمو الاقتصادي.

لكن في سياق القراءة الاقتصادية الثانية, يتوقع ألا تنعكس زيادة الإنفاق العسكري على الأداء الاقتصادي إيجاباً لعدد من الأسباب:

أولاً- في ظل العقوبات المفروضة على طهران منذ سنوات وتواضع الإمكانات العلمية, من الصعب أن تنتقل تقنيات متطورة من قطاعات التصنيع العسكري إلى القطاعات الاقتصادية المدنية حتى تنعكس إيجاباً على الأداء الإنتاجي والخدمي ومن ثم النمو الاقتصادي. ولكن قد يزيد النمو الاقتصادي مدفوعاً بالإنفاق العسكري من خلال قنوات أخرى.

ثانياً- قد يزيد النمو الاقتصادي بفعل توسيع قطاعات التصنيع العسكري وزيادة رواتب العسكريين،  ولكن سيكون هذا تحسيناً لوضع شريحة اجتماعية معينة، وسيكون توسيع قاعدة الإنتاج العسكري على حساب قطاعات اقتصادية أخرى. وبذلك, لا يعكس بالضرورة النمو الاقتصادي المدفوع بزيادة الإنفاق العسكري في حال حدوثه تحسناً في توزيع الدخول بشكل عادل.

ثالثاً- فعلياً, لا يمكن احتساب الانعكاسات الإيجابية للامتيازات والتنازلات الاقتصادية التي قدمتها دمشق في مقابل دعم طهران المالي والعسكري، إلا إذا كانت الثانية قادرة على حماية تلك المكتسبات (استحواذات اقتصادية ومشروعات) مستقبلاً من خلال اتفاق سياسي مع المعارضة المسلحة والأطراف الإقليمية.

ولذلك, في حال انتهاء الاقتتال في سوريا بتسوية سياسية ما, سيحدد الوضع الميداني على الأرض (أي عسكرياً) مقدار ما ستتمكن إيران من الحفاظ عليه من استثمارات عبر طاولة المفاوضات. وأما الاحتمال الآخر فهو الحسم العسكري، وفي هذه الحال إما أن تبتلع سوريا اقتصادياً في حال حسم المعركة لصالحها، وإما أن تخسر إيران جميع مكتسباتها الاقتصادية في حال سقوط النظام على يد المعارضة.

بين النمو الاقتصادي وعدالة التوزيع
في موازنة السنة المالية 2015/2016 زادت حصص إنفاق القطاع العسكري والأمني بشكل كبير، مقارنة بموازنة العام الماضي.

في موازنة السنة المالية 2015/2016 زادت حصص إنفاق القطاع العسكري والأمني في إيران بشكل كبير مقارنة، بموازنة العام الماضي

ووفقاً للأرقام التي أعلنتها طهران, زادت ميزانية القيادة المشتركة للحرس الثوري الإيراني بنسبة 50.6%، ووزارة الدفاع بنسبة 27%، والقيادة المشتركة للقوات المسلحة بنسبة 27.7%.

ومن المرجح أن تكون أكثر هذه الزيادات الضخمة في ميزانيات القطاعات العسكرية المذكورة (وخاصة الحرس الثوري الإيراني) نتيجة رفع رواتب العسكريين الإيرانيين، وبالطبع تمويل العمليات. فمن المعلوم أن إرسال الآلاف من العناصر العسكرية الإيرانية إلى دمشق وبغداد سيعني ضرورة دعم أسر هذه العناصر اقتصادياً واجتماعياً.

ومع تراجع أسعار النفط وزيادة الإنفاق العسكري (ورغبة الإدارة الاقتصادية في تقليص إنفاقها من مصادر دخلها الريعية)، قررت طهران في العام المالي الحالي رفع عائداتها الضريبية الفعلية بنسبة 22% في ظل استكمال الحكومة خطط تقليص الدعم (تشير المواقع الإخبارية الإيرانية إلى أنه سيتم إخراج 31.135 مليون مواطن إيراني من قوائم تلقي الإعانات النقدية لسد عجز الموازنة ودعم قطاعات الإنتاج). ومن الواضح أن الدعم الاجتماعي لشرائح العسكريين سيكون على حساب الشرائح الأخرى، فقد أعلنت الإدارة الإيرانية سابقاً عن زيادة حقوق العاملين بالدولة بنسبة 14% فقط بعد جدل واسع، وهي نسبة تقل عن مستوى التضخم.

صحيح أن الأرقام التي وردت في تقارير لائحة موازنة العام الجاري تشير إلى زيادة الإنفاق على قطاعات كالتعليم والصحة والقطاع العمراني، وهو تطور إيجابي بلا شك، إلا أن مجرد زيادة في الأرقام لا تعني بالضرورة أن الأموال ستنفق في المخصصات المتفق عليها.

فعلى سبيل المثال، يرى المحلل الاقتصادي الإيراني فرشاد مومني أنه بينما تبلغ مخصصات القطاع العمراني 47 تريليون تومان إيراني، لن يتم إنفاق سوى عشرين تريليونا في ذلك القطاع حتى يتم سد عجز الموازنة في قطاعات أخرى. فهل يمكن أن يتم السحب من مخصصات قطاعات مماثلة لصالح الإنفاق العسكري الموجه للاقتتال في سوريا؟

لا يمكن حسم حجم التأثير السلبي لتمويل الحرب في سوريا على أداء الاقتصاد الإيراني بدقة نظراً لعدم وجود أرقام وتقارير من طرف الحكومة الإيرانية بشأن نشاطاتها العسكرية, إلا أن الاستمرار في تمويل النظام السوري والمليشيات أو زيادته سيكون له عموماً انعكاس سلبي على الوضع المعيشي للشعب الإيراني في ظل حالة الركود التضخمي التي ما زالت الإدارة الإيرانية تسعى لإخراج الاقتصاد منها.
ـــــــــــــــــــ
باحث مختص بالشأن الإيراني والعلاقات الدولية 

المصدر : الجزيرة