هشام موفق-الجزائر

تعيش الجزائر هذه الأيام للشهر السادس على وقع محاكمات في ثلاث قضايا فساد كبرى متورط فيها مسؤولون كبار في الدولة وحتى وزراء، تمت برمجتها في الدورة الجنائية الحالية.

وعلى الرغم من تفجر هذه القضايا منذ عام 2007 فإنه لوحظ تسارع في برمجتها في وقت واحد، مما أعطى الانطباع بأن يدا ما تدخلت في ذلك.

وكان جدل قد دار عن "سر" هذه البرمجة، وأُطلقت تخمينات عن احتمال "استعجال" جهات معينة في السلطة تريد الدفع بهذه الملفات للانتهاء منها.

وتعتبر هذه المرحلة امتحانا كبيرا للعدالة الجزائرية لإثبات مصداقيتها ونزاهتها، وهو ما اختلف حوله الفاعلون في هذا القطاع.

قضايا
وقد بدأت أمس الاثنين بمجلس قضاء العاصمة عملية الاستماع للمتهمين بعد يوم من تلاوة قرار الإحالة المكون من 250 صفحة في قضية الطريق السيار (السريع) شرق-غرب.

خالد برغل يعتقد أن القضايا المطروحة نضجت في وقت واحد (الجزيرة نت)

وتمت برمجة المحاكمة الأولى يوم 19 أبريل/نيسان الجاري بعد خمس سنوات من الانتظار، إلا أنها أجلت لغياب محامٍ (وهو فرنسي لم تمنح له تأشيرة الدخول للبلاد) المتهم الرئيسي الذي رفض أن تقوم المحكمة بتعيين محامٍ آخر له.

وتتعلق القضية بالفساد وتقديم رشى في صفقة الطريق السيار شرق-غرب الذي يمتد لأكثر من 1200 كلم.

وستنطلق في الرابع من مايو/أيار المقبل محاكمة المتهمين في قضية بنك الخليفة المنهار، وهي إحدى أكبر قضايا الفساد التي ضربت المنظومة المالية الجزائرية.

وانطلقت التحقيقات فيها بعد تسجيل بنك الجزائر ثغرة مالية بقيمة 3.2 مليارات دينار جزائري (أكثر من 30 مليون دولار) على مستوى الخزينة الرئيسية لبنك الخليفة.

وكانت المحاكمة الأولى قد دامت ثلاثة أشهر ربيع عام 2007 بمجلس قضاء البليدة (50 كلم جنوب العاصمة) أفضت إلى صدور أحكام بين سنة وعشرين سنة سجنا، وكان أبرزها حكم على المتهم الرئيسي عبد المؤمن خليفة الذي حكم عليه بالمؤبد غيابيا.

واستلمت السلطات الجزائرية من نظيرتها البريطانية الخليفة أواخر عام 2013، لتعاد الإجراءات القضائية من جديد فتبرمج بداية الشهر القادم.

وفي 7 يونيو/حزيران المقبل ستشهد أروقة العدالة محاكمة في ملف الشركة الجزائرية للنفط سوناطراك بعد تأجيلها في محاكمة منتصف مارس/آذار الماضي.

وكان انسحاب فريق دفاع المتهمين والاعتراض على تأسيس الخزينة العمومية طرفين مدنيين حاسمين في تأجيل هذه القضية.

خلاف
ويرفض المحامي خالد برغل الحديث عن "امتحان" تعيشه العدالة الجزائرية بسبب هذه الملفات، ويرى أن العدالة الجزائرية أثبتت جدارتها وقدرتها في التحكم بهذه الملفات الصعبة والمتشعبة.

وأضاف للجزيرة نت أن "قانون الإجراءات الجزائية والرزنامة القضائية هي وحدها التي تتحكم في برمجة هذه الملفات وليس الرزنامة السياسية".

ويعتقد برغل أن هذه القضايا قد "نضجت في وقت واحد وأحيلت في توقيت متقارب، ولا بد أن تُجرى المحاكمات في الوقت نفسه أيضا".

وتابع "هذه القضايا وغيرها لا علاقة لها بما يروج له بعض المعارضين بأنها خاضعة لصراع مفترض بين أجنحة السلطة".

محند بلعريف يعتقد أن برمجة القضايا هي أحد تجليات الصراع في أعلى هرم السلطة (الجزيرة نت)

لكن زميله المحامي محند بلعريف لا يتفق معه في ذلك، ويجزم بأن هذه البرمجة "إنما هي أحد تجليات الصراع في أعلى هرم السلطة.. وهو ما يجعل عدالتنا اليوم أمام تحد وامتحان حقيقي لتثبت أنها نزيهة ومستقلة".

وقال للجزيرة نت "مثلا في قضية الطريق السريع، أيعقل أن يكون قرار الإحالة نسخة طبق الأصل عن محاضر جهاز الاستعلامات، أين العدالة؟". ويضيف أن "العدالة اليوم أداة في يد سلطة مجنونة".

إصلاح
من جانب آخر، يرى المحامي البارز خالد بورايو أن "الجهاز القضائي بتصوره وبتنظيمه الحالي وبكيفية تسييره غير قادر على تأطير قضايا الفساد والتحكم فيها".

وضرب المتحدث مثالا للجزيرة نت بالقول إنه "خلال معالجة قضايا الفساد عند القضاء الأجنبي تفضح الأسماء وتكشف المسؤوليات، أما في بلدنا فالعكس هو الصحيح حيث تطمس الأسماء وتبعد بعض المسؤوليات".

ويعتقد المتحدث أن هذا راجع إلى أن "الرشوة أصبحت جزءا أساسيا من نظام البلد، وأن العدالة الحالية غير قادرة على التحكم في هذه القضايا".

ودعا بورايو إلى تصور جديد للعدالة الجزائرية "ترتكز على دولة القانون واستقلالية القضاء". 

المصدر : الجزيرة