عمر يوسف-حلب

لطالما اشتهرت مدينة حلب السورية بتجارتها وصناعتها الرائدة عالميا، واكتسبت أسواقها القديمة مكانة عريقة حتى أصبحت قبلة السياح من العالم، وأصبح لتجارها صيت ذائع قبل أن تقلب الحرب حياتهم رأساً على عقب.

ولم يبق لهذه الشهرة سوى الذكريات الممزوجة بالألم والحسرة على ماض اندثر على وقع البنادق والصواريخ، في الوقت الذي حمّلت المعارضة جيش النظام مسؤولية دمار سوق أثري مصنف ضمن التراث العالمي بحسب اليونسكو.

في مناطق سيطرة النظام بحلب، وعلى الأرصفة وزوايا الطرقات وأبواب الجوامع، تشدك لافتات مصنوعة بطريقة تقليدية، تحمل أسماء مرموقة لأصحاب حرف، ساقتهم الحرب من محالهم القديمة في حلب إلى بسطات بضائع على قارعة الطريق، فذلك أفضل من الجلوس في المنزل والبكاء على الأطلال، كما يؤكد تاجر حلبي كان يمتلك أحد المحال في سوق المدينة الأثري المدمر.

ينهمك أبو محمد (55 عاما) منذ الصباح في ترتيب بسطة بيع الملابس في حي حلب الجديدة على أحد الأرصفة، ويقوم بتنسيق الملابس لجذب المارة العابرين في الطريق، مجهدا نفسه بتجهيز الشمسية القماشية خوفا من مطر الربيع الذي قد يغرق الملابس.

وتحتوي بسطة أبو محمد على "كنزات" نسائية معظمها مستوردة، وبعضها من الصناعة المحلية، والأسعار هذه الأيام تضاعفت قياساً بالأسعار التي كانت عليها منذ ثلاث سنوات قبل بدء الحرب.

يستحضر أبو محمد ذكرياته القديمة عندما كان على سروج خيله في سوق المدينة المسقوف، غير مصدق حتى اللحظة ما حدث هناك، لا سيما أنه خسر محله الصغير في سوق النسوان الذي ورثه عن أبيه، وملايين الليرات السورية بعد احتدام المعارك بين النظام والمعارضة في المدينة القديمة، واحتراق معظم السوق.

الحرب دفعت التجار إلى مهن يكن يوماً في حسبانهم أن يعلموا بها (الجزيرة نت)

يقول أبو محمد إن السوق كان ينبض بالحياة ويعج بالناس والسياح القادمين من كل أرجاء الأرض من أجل التسوق من المنتجات التقليدية التي اشتهرت بها حلب في الماضي، كالصابون والملابس المطرزة والنحاسيات والزجاج المزخرف والكثير من البضائع.

ويكمل بالقول "قبل ثلاث سنوات بالتحديد، أخبرني أصدقائي في السوق أن النيران تشتعل في محالنا، في ظل عجز فرق الدفاع المدني عن الدخول وإطفاء الحريق، ولم ينفع يومها شيء، فقد وقفنا على بعد بضعة أمتار ونحن نشاهد الدخان يرتفع وسط القتال".

وينهي حديثه وهو يغالب البكاء "لست حزيناً على المال والخسارة، بقدر حزني على ذكرياتي وأيامي الجميلة التي قضيتها هناك بين أصدقاء الطفولة وزبائني القدامى، لقد أصحبت من الماضي واحترق كل شيء، وأنا الآن بائع بسطة في الطريق العام، ولا أقول سوى الحمد لله على كل حال".

إرادة الحياة
لم تدفع الحرب التجار إلى فقط إلى الاستثمارات الصغيرة، بل تحول بعضهم من مزاولة التجارة إلى مهن حرة لم يكن يوماً في حسبانهم أن يعملوا بها.

فحسام (38 عاماً) تحول إلى بائع خضار وفواكه في بسطة صغيرة بحي الجميلية وسط البلد، بعد أن كان يمتلك متجرا لبيع التوابل والعطور في حي صلاح الدين، والذي أصبح جبهة ساخنة لا تهدأ بين المعارضة وقوات النظام.

ولا يجد حسام غضاضة في عمله الحالي، فهو أب لثلاثة أطفال وهم بحاجة إلى مستلزمات الحياة اليومية في ظل الغلاء الفاحش، وانحدار قيمة الليرة السورية.

وفي ظل الصراع لا تكف دوريات النظام وعناصره عن ملاحقة أصحاب البسطات ومحاربتهم في لقمة عيشهم بداعي احتلال أرصفة المشاة، فكثيرا ما تقوم شرطة النظام بمصادرة بضائعهم وبسطاتهم الصغيرة.

وفي تماهي إرادة البقاء والحياة يعود حسام للوقوف وتجهيز بسطة جديدة من الخضار، وهو يرقب عناصر الدورية كي لا تصادر بضائعه مرة أخرى.

المصدر : الجزيرة