أحمد الأنباري-بغداد

شهد العراق بعد العام 2003 انفتاحا كبيرا على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والتجارية، إذ أبدت العديد من الشركات العالمية رغبة في الدخول إلى البلاد للاستثمار وإعادة الإعمار بعد الخراب الذي حصل، إلا أنها اصطدمت بالواقع، وقررت غالبيتها المغادرة دون رجعة بسبب مطالبة الجماعات المسلحة التابعة لهيئة حزبية بحصص من قيمة العقود المبرمة بين تلك الشركات والحكومة.

وشهد الأسبوع الماضي اختفاء ثلاثة عمال أجانب يعملون في الشركة الكويتية الوطنية للتنظيف في البصرة، فيما تعرض العشرات من العاملين في الشركات الأجنبية منذ العام 2003 لعمليات اختطاف.

ويقول رجل الأعمال هشام الكناني إن "أغلب المشاريع تسند اليوم لشركات تابعة لشخصيات سياسية نافذة وتابعة لدول مجاورة"، ويضيف في تصريح للجزيرة نت أن "الشركات الرصينة" التي تريد العمل تقرر المغادرة لأنها يجب أن تدفع نسبا من قيمة العقود التي تبرمها للسياسيين، وإذا امتنعت يتم "تهديدها من لدن المجموعات المسلحة المنتشرة في عموم البلاد"، على حد قوله.

مجموعات مسلحة
ويستدل الكناني على ذلك بالقول إن عقدا منح لإحدى الشركات الاستثمارية من أجل إنجاز مشروع في العاصمة بغداد، إلا أن أكثر من مجموعة مسلحة تابعة لبعض السياسيين منعت انطلاق المشروع إلا بعد الحصول على نسبة من العقد.

ويشير الكناني قائلا "عندما كنا ننفذ مشروعا في العاصمة بغداد، وبالتحديد في أعوام العنف الطائفي، كنا نعطي حصة قدرها 5000 دولار شهريا لمجموعة مسلحة تابعة لجهة سياسية من أجل حمايتنا، ولكن بعدما فرضت الدولة هيبتها وحجمت دور المجموعات المسلحة رفضنا إعطاءها أي مبالغ مالية، إلا أنهم قتلوا المستثمر وأوقفنا العمل بالمشروع حتى اللحظة".

ويؤكد أن "رجال الأعمال أصبحوا يسقّط بعضهم بعضا عن طريق وسائل الإعلام، إذ يشترون ذمم بعض الإعلاميين أو يفتحون وسائل إعلام خاصة بهم تكيل الاتهامات لرجال الأعمال".

حصص من العقود
وقالت عضو اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب نورا البجاري إن "ابتزاز الشركات العاملة ظهر عندما تسلم العراقيون الحكم من الاحتلال الأميركي"، وأضافت أن البلاد تضررت عندما انتشرت المجموعات المسلحة في كل مكان وأصبحت لها حصص من العقود الحكومية.

وتضيف البجاري أن "العقود بدأت تباع لـ15 شركة وعندما تصل إلى الشركة الأخيرة فإنها لا تستطيع تنفيذ المشروع بسبب قلة الموارد المالية، إضافة إلى أن كل من هب ودب أصبح مقاولا، مما انعكس على أغلب المشاريع المنجزة التي أصبحت رديئة جدا".

أنطوان: العراق لا يأتيه المستثمر الجيد بل المستثمر الذي يعطي الرشوة (الجزيرة)

وتوضح النائبة أنه "منذ العام 2009 هناك 9000 مشروع مخطط بقيمة 280 مليار دولار، وهذه المشاريع لم تصل نسبة الإنجاز فيها إلى 5%، وأغلبها حبر على ورق رغم أن أموالها قد صرفت".

من جانب آخر، قال باسم جميل أنطوان نائب رئيس جمعية الاقتصاديين العراقيين إن "العراق أصبح بيئة طاردة للاستثمار بسبب انتشار الفساد المالي والإداري، وتعرض المستثمر للابتزاز من قبل المسلحين، وغياب الشفافية التي تقف إلى جانب المستثمر".

وأشار أنطوان في تصريح للجزيرة نت إلى أن "العراق لا يأتيه المستثمر الجيد، بل يأتي له المستثمر الذي يعطي الرشوة ويشتري الذمم".

تنفيذ المشاريع
ويخلص المتحدث إلى أن "الاستثمار لم ينجح في البلاد، وهناك مشاريع قليلة جدا نفذها المستثمرون"، ودعا الاقتصادي العراقي ديوان الرقابة المالية إلى "الكشف عن جميع المشاريع التي صرفت لها أموال ولم تنفذ أو سرقت أموالها".

وأشار الاقتصادي ماجد الصوري إلى أن الأرقام تفيد بأنه حتى العام 2012 ذهب ما قيمته 138 مليار دولار في جيوب المافيات، مؤكدا أن "الابتزاز أدى إلى هروب الشركات اليابانية من البلاد"، ويضيف أن "شركات وهمية استولت على عدد من المشاريع بينها 6000 مشروع بقيمة 228 تريليون دينار (188 مليار دولار) لم ينجز حتى الآن".

المصدر : الجزيرة