ماريانا مازوكاتو

دور الحكومة الأميركية في وادي السيليكون
مجالات حيوية تقدمت بدعم الدولة
ما الذي يجعل العامة أكثر قبولا للفشل الحكومي؟

تتحدث النظرة التقليدية في الاقتصاد بشكل عام اليوم أن للحكومات إمكانيات محدودة في ما يخص إطلاق الابتكار، وطبقا لتلك النظرة فإن الدولة يجب أن تلعب أقل دور ممكن في الاقتصاد، وأن تتدخل فقط في حالات "فشل السوق"، غير أن هذه الأطروحة بعيدة جدا عن الحقيقة.

ففي واقع الأمر تضطلع الحكومات بدور حيوي في تحفيز الابتكار، حيث تنشط في خلق أسواق جديدة بدلا من إصلاحها فقط.

والحقيقة أن مناصري الدور الاقتصادي المحدود للحكومة يعتقدون أن فشل السوق يبرر منح بعض التمويل لقطاعات البنية التحتية والعلوم الأساسية، ولكن هذا التدخل المحدود لا يمكنه أن يفسر ضخ مليارات الدولارات من الأموال العامة على قطاع الأبحاث التطبيقية، حتى إن تلك الأموال تستخدم في التمويل الأولي للشركات.

إن الدولة لعبت دورا رياديا في ما يتعلق بمشاريع بعض مراكز الابتكار المشهورة حول العالم، إذ طرحت الدولة تصورات مستقبلية وتمويلات لإنشاء مجالات جديدة، بما في ذلك تقنية المعلومات والتقنية البيولوجية وتقنية النانو والتقنية الخضراء.

دور الحكومة الأميركية في وادي السيليكون
ففي وادي السيليكون على سبيل المثال، تصرفت الحكومة الأميركية كمستثمر إستراتيجي عبر شبكة غير مركزية من المؤسسات العامة مثل: وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة، ووكالة ناسا، وبرنامج أبحاث الابتكار للشركات الصغيرة، والمؤسسة الوطنية للعلوم.

في وادي السييلكون، تصرفت الحكومة الأميركية كمستثمر إستراتيجي عبر شبكة غير مركزية من المؤسسات العامة مثل: وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة، ووكالة ناسا، وبرنامج أبحاث الابتكار للشركات الصغيرة

وقد كانت الأموال التي ضختها واشنطن كبيرة جدا، ولم تصرف فقط في مجال تقنية المعلومات، بل وُظفت أموال كبيرة في علوم الطاقة والحياة، ففي العام 2011 مثلا، استثمرت المؤسسة الوطنية الأميركية للصحة 31 مليار دولار في أبحاث الطب الحيوي.

وقد برهنت الأستاذة في كلية هارفارد للطب مارسيا أنجيل بأن مثل هذا التمويل الحكومي ساهم بدور حيوي في تطوير بعض من الأدوية الجديدة الأكثر ابتكارا في العقود الأخيرة. كما أنه في حالة بعض أكثر الشركات الأميركية ابتكارا، أثبت التمويل المقدم في إطار برنامج أبحاث الابتكار للشركات الصغيرة أنه أكثر أهمية من رأس المال الاستثماري الخاص بتلك الشركات.

وهناك أمثلة خارج الولايات المتحدة ومنها إسرائيل، حيث إن صندوق رأس المال الاستثماري العام "يوزما" يوفر تمويلا أوليا لبعض من أكثر الشركات حيوية في البلاد. وفي فنلندا قدّم صندوق الابتكار العام "سيترا" تمويلا أوليا لشركة نوكيا، وأما في الصين فيقدم بنك التنمية المملوك للدولة مليارات الدولارات على شكل قروض لبعض أكثر الشركات ابتكارا مثل هواوي وينجلي سولر.

مجالات حيوية تقدمت بدعم الدولة
مثل تلك الأنواع من الاستثمارات العامة تبقى حيوية من أجل خلق وتشكيل الأسواق الجديدة، وفي واقع الأمر فإن الاستثمار الحكومي أدى دورا مركزيا في تطوير معظم التقنيات تقريبا، والتي جعلت آيفون هاتفا ذكيا، بالإضافة إلى الإنترنت ونظام تحديد المواقع "جي.بي.أس"، وشاشات اللمس، فضلا عن التطور الحاصل في برنامج الحاسوب "سيري" للتعرف على الصوت. كما أن القطاع العام في العديد من البلدان يلعب دورا قياديا في التمكين للتقنية الخضراء.

إن الاقرار بأهمية الاستثمار الحكومي في النهوض بالابتكار والنمو يؤشر إلى الحاجة لإعادة التفكير في الحكمة التقليدية المتعلقة بتدخل الدولة، فعوضا عن التركيز على انتقاء التقنيات الفردية أو الشركات، يتوجب على المؤسسات العامة التصرف مثل المستثمرين، بحيث تراهن على "محفظة" متنوعة من الخيارات.

والدولة -مثل أي مستثمر- لن تنجح على الدوام، والحقيقة أن الفشل هو الاحتمال الأكثر ترجيحا لأن الوكالات الحكومية عادة ما تستثمر في المجالات التي يكتنفها أكبر قدر من الشكوك، والتي يتردد رأس المال الخاص في خوضها، وهذا يعني أنه يتوجب على المؤسسات العامة أن تكون قادرة على أن تخاطر وتتعلم من التجربة والخطأ.

وإذا كان الفشل مرحلة لا يمكن تجنبها من موضوع الابتكار، وإذا كان للحكومات دور حيوي في الابتكار، فإن المجتمع يجب أن يكون أكثر تسامحا مع "الفشل الحكومي". لكن الواقع يفيد بأنه عندما تفشل الحكومة تحدث ضجة لدى الرأي العام، وإن نجحت ستقابل بالصمت.

وعلى سبيل المثال فإن إفلاس شركة الطاقة الشمسية الأميركية سوليندرا التي تلقت خمسمائة مليون دولار على شكل قرض بضمان الحكومة، أشعل احتجاجات مرتبطة بالتنافس الحزبي، ولكن القلة هم الذين قدروا أن الحكومة هي التي قدمت مبلغا مماثلا لشركة تيسلا من أجل مساعدتها في تطوير سيارة "تيسلا أس"، وهي منتج يعتبر مثالا جيدا على الابتكار في وادي السيليكون.

من أجل حشد الدعم للاستثمار الحكومي في مجال الابتكار ذي المخاطر العالية، ربما يجب على دافعي الضرائب أن يتلقوا عائدا مباشرا أكبر، وذلك عبر توجيه بعض الأرباح إلى صندوق للابتكار العام من أجل تمويل الجيل القادم من التقنيات

ما الذي يجعل العامة أكثر قبولا للفشل الحكومي؟
أصحاب رؤوس الأموال من القطاع الخاص يغطون خسائرهم من الاستثمارات الفاشلة بالأرباح من الاستثمارات الناجحة، ولكن نادرا ما يتم إقامة البرامج الحكومية من أجل جني عوائد كبيرة، في حين يجادل البعض بأن العوائد الحكومية تأتي عبر الضرائب. والنظام الضريبي الحالي لا يعمل، ليس فقط بسبب ثغرات قانونية، ولكن أيضا بسبب التخفيضات في المعدلات الضريبية المطبقة.

وعندما تم تأسيس وكالة ناسا كان معدل الضريبة الهامشية المطبق يفوق 90%، غير أنه منذ ثمانينيات القرن الماضي انخفضت نسبة ضريبة الأرباح الاستثمارية بأكثر من 50%.

ومن أجل حشد الدعم للاستثمار الحكومي في مجال الابتكار ذي المخاطر العالية ربما يتوجب على دافعي الضرائب أن يتلقوا عائدا مباشرا أكبر، وذلك عبر توجيه بعض الأرباح إلى صندوق للابتكار العام من أجل تمويل الجيل القادم من التقنيات. وعندما تنفذ الاستثمارات في مرحلة الأبحاث الأساسية فإن تأثيرها الممتد إلى الصناعات والقطاعات هو في بعض الأحيان كافيا ليتم اعتباره مكافأة اجتماعية، ولكن هناك حالات أخرى يمكن أن تتطلب خلق حوافز بديلة.

فعلى سبيل المثال كان يفترض استرداد بعض الأرباح من استثمار الحكومة في شركة تيسلا بواسطة الحصول على أسهم فيها (أو حقوق ملكية)، واستخدامها في تغطية الخسائر المترتبة على الاستثمار في شركة سوليندرا.

إن سداد القروض العامة المترتبة على الشركات يمكن أن يكون مشروطا بتحقيق إيرادات مثلما هو الحال بالنسبة لقروض الطلاب، كما يمكن فرض سقف على أسعار الأدوية التي يتم تطويرها أساسا بتمويل من المؤسسة الوطنية للصحة، وذلك حتى لا يدفع المواطن الضرائب مرتين.

هناك شيء واحد واضح للعيان، وهو أن المقاربة الحالية تعاني من أوجه قصور خطيرة، والسبب يكمن -في جزء كبير منه- في أن هذه المقاربة تجعل المخاطر عامة والمكاسب خاصة، وهذا لا يضر بفرص الابتكار المستقبلي فحسب، ولكنه يضر أيضا بقدرة الحكومة على التواصل مع الجمهور في ما يتعلق بدورها.

إن الإقرار بالدور الذي تقوم به الدولة -ويجب أن تستمر في الاضطلاع به- في تطوير الابتكار، يُمكننا من البدء في مناقشة السؤال الأكثر أهمية وهو: ما هي الاستثمارات العامة ذات الرؤية المستقبلية والتي نحتاج إليها لتحريك النمو الاقتصادي؟
ـــــــــــــ
أستاذة في اقتصادات الابتكار بوحدة أبحاث السياسات العلمية في جامعة ساسكس، ومؤلفة كتاب "الدولة الريادية.. فضح أساطير القطاع العام ضد القطاع الخاص".

المصدر : بروجيكت سينديكيت