نورييل روبيني

أصبحت السياسة النقدية في السنوات الست الأخيرة تمارس بأدوات غير تقليدية على نحو متزايد، حيث نفذت البنوك المركزية سياسات سعر الفائدة الصفري، والتيسير النقدي الكمي، والتيسير الائتماني، والتوجيه المسبق، والتدخل بلا حدود في أسعار الصرف. ولكن الآن وصلنا إلى الأداة الأكثر بعدا عن الأساليب التقليدية، وهي أسعار الفائدة الاسمية (هي معدلات الفائدة قبل احتساب نسب التضخم) السلبية.

وهذه الأسعار السلبية هي السائدة حاليا في منطقة اليورو وسويسرا والدانمارك والسويد. وليست الأسعار القصيرة الأجل فقط هي التي أصبحت الآن سلبية وفق القيمة الاسمية، فقرابة ثلاثة تريليونات دولار من الأصول في أوروبا واليابان بمواعيد استحقاق تناهز عشر سنوات (مثل سندات الحكومة السويسرية) أصبحت أسعار الفائدة عليها سلبية في الوقت الراهن.

ويبدو الأمر للوهلة الأولى سخيفا، فما الذي قد يدفع أي شخص إلى إقراض المال في مقابل عائد اسمي سلبي ما دام بوسعه أن يستبقي المال ببساطة ولا يخسر بالقيمة الاسمية على الأقل؟

والواقع أن المستثمرين رحبوا لفترة طويلة بالعائدات المترتبة عن أسعار الفائدة بالقيمة الحقيقية (عكس الاسمية)، فعندما تحتفظ بحساب شيكات أو حساب جار في بنكك بسعر فائدة صفر -كما يفعل أغلب الناس في الاقتصادات المتقدمة- يصبح العائد الحقيقي سلبيا (عائد معدل الفائدة الصفر الاسمي مع خصم نسبة التضخم)، فبعد عام من الآن تشتري لك أرصدتك كما من السلع أقل مما يمكنك شراؤه بها اليوم.

وإذا وضعت في اعتبارك الرسوم التي تفرضها العديد من البنوك على هذه الحسابات فيتبين لك أن العائد الاسمي الفعّال كان سلبيا بالفعل حتى قبل أن تتبنى البنوك المركزية أسعار الفائدة الاسمية السلبية.

عائداتك تصبح بسبب أسعار الفائدة الاسمية الصفرية أكثر سلبية مما كانت عليه بالفعل. ويقبل المستثمرون بالعائدات السلبية لأنها تعفيهم من مشقة الاحتفاظ بأرصدتهم نقدا، وبهذا المعنى لا جديد في أسعار الفائدة الاسمية السلبية

سبب قبول المستثمرين بالعائدات السلبية
وبعبارة أخرى، تصبح عائداتك بسبب أسعار الفائدة الاسمية الصفرية أكثر سلبية مما كانت عليه بالفعل. ويقبل المستثمرون بالعائدات السلبية لأنها تعفيهم من مشقة الاحتفاظ بأرصدتهم نقدا، وبهذا المعنى فلا جديد في أسعار الفائدة الاسمية السلبية.

وعلاوة على ذلك، إذا استحكم الانكماش من منطقة اليورو وأجزاء أخرى من العالم فإن العائد الاسمي السلبي يمكن ربطه بعائد حقيقي إيجابي. وكانت هذه هي الحال في اليابان على مدى السنوات العشرين الماضية، بسبب الانكماش المستمر وأسعار الفائدة القريبة من الصِفر على العديد من الأصول.

ومع ذلك، قد يتصور المرء أنه من المنطقي أن يحتفظ بالنقد بشكل مباشر، بدلا من الاحتفاظ بأصل ذي عائد سلبي. ولكن الاحتفاظ بالأموال النقدية قد يكون محفوفا بالمخاطر، كما تعلم ذلك المدخرون اليونانيون بعد تخزينهم لأموالهم في الأفرشة والجدران نتيجة ما ساورهم من القلق بشأن سلامة ودائعهم المصرفية، وهو ما أدى إلى ارتفاع حاد لحالات السطو المسلح على المنازل، كما التهمت القوارض بعض النقود.

وإذا أضفت تكاليف الاحتفاظ بالمال النقدي بأمان، وأيضا فوائد حمل دفاتر الشيكات، فمن المنطقي أن يتقبل المرء عائدا سلبيا.

البنوك مضطرة لخيار الفائدة الصفرية
وبغض النظر عن المدخرين الأفراد، فإن البنوك التي تحتفظ بأموال نقدية تتجاوز الاحتياطيات المطلوبة ليس لديها أي خيار غير قبول أسعار الفائدة السلبية التي تفرضها البنوك المركزية، بل إنها لا تستطيع أن تحتفظ بهذه الاحتياطيات الزائدة وتديرها وتنقلها إذا كانت في هيئة أموال نقدية، وليس في حساب ذي عائد سلبي لدى البنك المركزي.

وبطبيعة الحال، لا يستقيم هذا الأمر إلا إذا كان سعر الفائدة الاسمي ليس سلبيا للغاية، وإلا فإن التحول إلى ادخار النقد -رغم تكاليف تخزينها وتأمين سلامتها- تصبح أكثر منطقية.

ولكن لماذا يقبل المستثمرون عائدا اسميا سلبيا لثلاث أو خمس أو حتى عشر سنوات؟ في سويسرا والدانمارك يريد المستثمرون الإقبال على عملة من المتوقع أن ترتفع قيمتها الاسمية. فإذا كنت تحتفظ بأصول مقومة بالفرنك السويسري بعائد اسمي سلبي قبل أن يتخلى البنك المركزي السويسري عن ربطه باليورو في منتصف يناير/كانون الثاني الماضي فهذا يعني أنك حققت عائدا بنسبة 20% بين عشية وضحاها، والعائد الاسمي السلبي ثمن زهيد تدفعه في مقابل مكسب رأسمالي ضخم.

ومع هذا فإن عائدات السندات السلبية تحدث أيضا في بلدان ومناطق حيث تشهد قيمة العملة انخفاضا، ومن المرجح أن تزداد انخفاضا، بما في ذلك ألمانيا ودول أخرى من قلب منطقة اليورو، وفي اليابان أيضا. لماذا إذن يحتفظ المستثمرون بمثل هذه الأصول؟

المستثمرون والسندات الأكثر أمانا
إن العديد من المستثمرين على الأجل الطويل، مثل شركات التأمين وصناديق التقاعد، لا يجدون بديلا، فهم مطالبون بالاحتفاظ بسندات أكثر أمانا. وبطبيعة الحال، تتسبب العائدات السلبية في جعل موازناتهم العمومية أقل استقرارا، فخطط التقاعد المحددة الفائدة تحتاج لعائدات إيجابية لكي تحقق التعادل، وعندما تحقق أغلب أصولها عائدا اسميا سلبيا فإن تحقيق مثل هذه النتائج يصبح متزايد الصعوبة.

العديد من المستثمرين على الأجل الطويل، مثل شركات التأمين وصناديق التقاعد، لا يجدون بديلا، فهم مطالبون بالاحتفاظ بسندات أكثر أمانا. وبطبيعة الحال، تتسبب العائدات السلبية في جعل موازناتهم العمومية أقل استقرارا

العديد من المستثمرين على الأجل الطويل، مثل شركات التأمين وصناديق التقاعد، لا يجدون بديلا، فهم مطالبون بالاحتفاظ بسندات أكثر أمانا. وبطبيعة الحال، تتسبب العائدات السلبية في جعل موازناتهم العمومية أقل استقرارا وبسبب الالتزامات الطويلة الأجل المفروضة على هؤلاء المستثمرين (القروض والفوائد)، فإن تفويضهم يتلخص في الاستثمار أساسا في السندات، والتي هي أقل مخاطرة من الأسهم أو غير ذلك من الأصول المتقلبة. وحتى إذا كانت عائداتهم الاسمية سلبية فلا بد أن يذعنوا لذلك طلبا للسلامة.

وعلاوة على ذلك، فعندما يتجنب المستثمرون المجازفة أو عندما تكون الأسهم وغيرها من الأصول الخطرة عرضة للسوق وعدم اليقين في أسواق الائتمان، فقد يكون الاحتفاظ بسندات ذات عائد سلبي أفضل من الاحتفاظ بأصول أعلى مخاطرة وأكثر تقلبا.

بطبيعة الحال، ربما تدفع العائدات السلبية الاسمية والحقيقية المدخرين مع مرور الوقت إلى تقليص حجم الادخار وزيادة الإنفاق. وهذا هو على وجه التحديد الهدف من أسعار الفائدة السلبية، ففي عالم يزيد فيه المعروض عن الطلب وحيث يتهافت مدخرون كثر على عدد قليل من الاستثمارات المجدية، فإن سعر الفائدة التوازني يصبح منخفضا، إن لم يكن سلبيا. وإذا عانت الاقتصادات المتقدمة من الركود المزمن، فقد يصبح العالم حيث تسود أسعار فائدة سلبية على كل من السندات القصيرة والطويلة الأجل هو الوضع المعتاد الجديد.

ولتجنب هذا المآل، يتعين على البنوك المركزية والسلطات المالية أن تلاحق سياسات قادرة على دفع عجلة النمو وحفز التضخم الإيجابي. ومن عجيب المفارقات أن هذا الأمر ينطوي ضمنيا على وجود فترة تكون فيه أسعار الفائدة سلبية لحض المدخرين على خفض ادخارهم وزيادة إنفاقهم.

ولكن ذلك يتطلب أيضا تحفيزا ماليا، خاصة ضخ استثمارات عمومية في مشاريع البنية الأساسية الإنتاجية، التي تدر عائدات أعلى من عائدات السندات المستخدمة لتمويلها. وكلما طال تأجيل هذه السياسات طال أمد اضطرارنا إلى الحياة في عالم أسعار الفائدة الاسمية السلبية المتسم بالتقلبات.
ـــــــــــــ
رئيس مؤسسة روبيني للاقتصاد العالمي، وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك

المصدر : بروجيكت سينديكيت