يانوس بابانتونيو

عندما أنشئت منطقة اليورو، كان مؤسسوها يتصورون التقدم التدريجي نحو "منطقة العملة المثلى" التي تتسم بالتكامل المالي، وحرية انتقال العمال، والاتحاد السياسي. لكن هذه العملية لم تحدث. وكما أظهرت الأزمة اليونانية التي لا تنتهي، فإن منطقة اليورو تظل حبلى بنقاط الضعف البنيوية ومكشوفة تماماً للصدمات الداخلية. ومن الواضح أن هذا غير قابل للاستمرار.

وعلى الرغم من الجهود المبذولة لتعزيز التنسيق بمجال السياسة المالية، فإن ميزانيات البلدان الأعضاء بمنطقة اليورو تظل ضمن اختصاص السلطات الوطنية المنفصلة، ويواصل أهل شمال أوروبا معارضة التحويلات من البلدان الأكثر ازدهاراً إلى الأقل ازدهاراً بما يتجاوز الحصة المحدودة للغاية المسموح بها للصناديق الإقليمية بالاتحاد الأوروبي. وعلاوة على ذلك، أصبحت حركة العمالة مقيدة بشدة بفِعل الحواجز اللغوية والثقافية، فضلاً عن الاختناقات الإدارية. ولم يعد الاتحاد السياسي "المتزايد التقارب" قادراً على اجتذاب الدعم الشعبي، وبالتالي فقد أصبح غير ممكن اليوم. 

جدوى الاتحاد النقدي
آثار الضغوط الاقتصادية
تثبيت استقرار الاقتصاد الكلي والتكيف البنيوي 
 

جدوى الاتحاد النقدي
وهناك عدد متزايد من المعلقين -وليس فقط في العالم الأنجلو سكسوني اليوم- يشككون في جدوى الاتحاد النقدي وقدرته على البقاء. ويشجع البعض اليونان على الخروج من منطقة اليورو، من منطلق اعتقادهم بأن الاتحاد النقدي الأكثر محدودية وتجانساً سوف يكون أكثر قوة وأسهل توحيدا. ويرى آخرون أن خروج اليونان مجرد البداية للتفكك الحتمي للمخطط الذي لا يخدم الغرض الذي خُلِق له.

تمكنت منطقة اليورو حتى الآن من إثبات خطأ المتشائمين، ومن خلال قوة الإرادة السياسية بات من الممكن التوصل إلى تسوية تلو التسوية، وبالتالي إطالة بقاء المشروع التاريخي الذي لم يعد في وضعه الحالي قابلاً للاستمرار

لقد تمكنت منطقة اليورو حتى الآن من إثبات خطأ المتشائمين. ومن خلال قوة الإرادة السياسية، بات من الممكن التوصل إلى تسوية تلو التسوية، وبالتالي إطالة بقاء المشروع التاريخي الذي لم يعد في وضعه الحالي قابلاً للاستمرار.

الواقع أن ضرورة الحفاظ على هذا الالتزام بالوحدة الأوروبية، والتغلب على الصعوبات الاقتصادية التي تنشأ، تتعزز بفِعل تحديات جيوسياسية جديدة. وأبرز هذه التحديات طموح روسيا الملحوظ لاسترداد نفوذها في الحقبة السوفياتية والذي يشكل تحدياً للنظام القائم على القواعد والذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، وموجة التطرف الديني والسياسي التي تهدد القيم الديمقراطية والليبرالية.

ولكن الصعوبات الاقتصادية من المحتم أن تستمر، وهو ما من شأنه أن يعزز الشكوك حول مستقبل الاتحاد النقدي، وهي الشكوك التي قد تصبح ذاتية التحقق من خلال تقويض قدرة اليورو على العمل بالشكل اللائق.

آثار الضغوط الاقتصادية
وبالفعل، عملت الضغوط الاقتصادية على تغذية المشاعر المناهضة لأوروبا في إسبانيا وإيطاليا بل وحتى فرنسا، وإذا سُمِح لها بالاستمرار فإن مثل هذه المشاعر قد تبلغ ذروتها بالانفصال، وما قد يترتب على ذلك من عواقب وخيمة تهدد منطقة اليورو وأوروبا ككل.

وربما تتمثل الخطوة الأولى في هذه العملية في تقسيم منطقة اليورو إلى مناطق فرعية، تضم دولاً تتسم بمرونة متساوية نسبيا. ومع تزايد صعوبة ملاحقة سياسات مالية ونقدية متماسكة، يتنامى خطر تفكك منطقة اليورو بالكامل. وقد يعمل خروج اليورو على تقصير الفترة الزمنية إلى حد كبير.

ورغم أن هذا السيناريو لم يكن من الممكن تصوره قبل خمس سنوات، عندما اندلعت الأزمة اليونانية، فإن مصطلح "خروج اليونان" سرعان ما دخل المعجم الأوروبي بعد فترة وجيزة، عندما بلغت الأزمة ذروة جديدة. ولكن يبدو أن زعماء أوروبا يدركون الآثار المترتبة على السماح لإحدى الدول، حتى وإن كانت اليونان الصغيرة المبتلاة بالأزمات، بالخروج من منطقة اليورو. ولهذا السبب، تم عقد سلسلة من اجتماعات مجموعة اليورو هذا العام بغرض تجنب هذه النتيجة على وجه التحديد.

والمشكلة هي أن الأوروبيين أصبحوا معتادين إلى حد كبير على التخبط حتى أن الحلول الطويلة الأجل أصبحت تبدو في حكم المستحيل. الواقع أن سلطات منطقة اليورو نفذت في السنوات الأخيرة العديد من السياسات لمكافحة الأزمات المالية، بما في ذلك صناديق الإنقاذ التي تدعمها الحكومات، والاتحاد المصرفي الجزئي، والضوابط المالية الأكثر صرامة، واضطلاع البنك المركزي الأوروبي بدور الملاذ الأخير للإقراض. ولكن أغلب هذه السياسات، مع الاستثناء المحتمل للاتحاد المصرفي، تهدف إلى إدارة خطر العجز عن سداد الديون، وليس إزالة الأسباب الجذرية لهذا الخطر.

تتلخص الإستراتيجية التي تجمع بين العقلانية والتدرج اللازم للتغلب على المقاومة السياسية في زيادة ميزانية الاتحاد الأوروبي بشكل مضطرد، حتى يتسنى له نهاية المطاف أن يلعب دوراً في الاقتصاد الكلي، وتعزيز الاستقرار والتماسك داخل منطقة اليورو

لقد حان الوقت لاستعادة القدرة، التي استعرضها مؤسسو الاتحاد الأوروبي، على التطلع إلى الأمام وملاحقة الحلم بمستقبل أفضل. وعلى وجه التحديد، يتعين على زعماء منطقة اليورو أن يعملوا على تقديم آلية للتحويلات المالية من الاقتصادات الأقوى إلى الأضعف.

تثبيت استقرار الاقتصاد الكلي والتكيف البنيوي
في ظل الاتحاد النقدي، لا تستطيع الاقتصادات تغيير أسعار صرف عملاتها منفردة للتعويض عن التغيرات في القدرة التنافسية النسبية. ويميل تعقيد الأسعار الناتج عن هذا إلى تأخير تثبيت استقرار الاقتصاد الكلي والتكيف البنيوي، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع الديون والبطالة في الاقتصادات الأكثر ضعفا. وفي غياب حرية حركة العمالة، فإن التحويلات المالية تمثل الخيار الوحيد المتاح لمنطقة اليورو لتيسير سداد الديون، وتعزيز تشغيل العمالة من خلال تحفيز النشاط الاقتصادي.

لن يكون إنشاء مثل هذه الآلية بالمهمة السهلة، فهو يتطلب مورداً غير متوفر في أوروبا اليوم: الثقة. والواقع أن الشمال والجنوب كافحا للتغلب على الاختلافات الثقافية والظروف الاقتصادية غير المتكافئة، الأمر الذي منع الجانبين من استعراض الموقف من منظور الطرف الآخر.

إن الربط بين أجزاء الاتحاد بشكل أوثق قد يكون عنصراً بالغ الأهمية لبناء الثقة. وتتلخص الإستراتيجية التي تجمع بين العقلانية والتدرج اللازم للتغلب على المقاومة السياسية في زيادة ميزانية الاتحاد الأوروبي بشكل مضطرد، حتى يتسنى له نهاية المطاف أن يلعب دوراً في الاقتصاد الكلي، وتعزيز الاستقرار والتماسك داخل منطقة اليورو.

ولعل الترويج لهذه الإستراتيجية ليس بالمهمة اليسيرة، ولكنه أمر شديد الأهمية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وزير الاقتصاد والمالية اليوناني بالفترة من 1994 إلى 2001، ويشغل حالياً منصب رئيس مركز أبحاث السياسات التقدمية، وهو مؤسسة فكرية مستقلة.

المصدر : بروجيكت سينديكيت