تامر بدوي

منذ أن تحدث المرشد الأعلى السيد علي خامنئي في أغسطس/آب 2010 عن رؤيته لتأسيس "اقتصاد مقاوم" يتفادى العقوبات الغربية بتنمية قطاعات التصنيع والزراعة الداخلية وتقليص الاعتماد على الريع النفطي مع ترشيد الاستهلاك الداخلي, أصبحت تنمية الصادرات غير النفطية إلى دول الجوار تحتل أولوية كبيرة في أجندة صناع القرار الإيرانيين.

ويبدو أن رؤية الاقتصاد المقاوم تمزج -بصورة قد تبدو متناقضة- بين سياستي التصنيع من أجل الإحلال محل الواردات والنمو القائم على تنمية الصادرات, أو بمعنى آخر تسعى إيران إلى نموذج اقتصادي نيوليبرالي خاص بها.

إن الضغط على اقتصاد إيران الريعي من قبل خصمها الخليجي بخفض أسعار النفط لن يُضعف من تمسكها بمشروعها الإقليمي على المدى المتوسط والبعيد

إذاً, في ظل هذه الرؤية الاقتصادية, وتزامناً مع قرب التوقيع على الاتفاق النووي, ماذا يعني انخفاض أسعار النفط بالنسبة للحضور الجيواقتصادي لإيران بالمنطقة؟

يمكن القول إن الضغط على اقتصاد إيران الريعي من قبل خصمها الخليجي بخفض أسعار النفط لن يُضعف من تمسكها بمشروعها الإقليمي على المدى المتوسط والبعيد، بل قد يدفعها إلى الاستمرار في سلوكها. فتحول اقتصاد إيران الريعي إلى اقتصاد يعتمد على الموارد غير الريعية، وبشكل خاص الصادرات غير النفطية، يستلزم تعزيز علاقات طهران بحلفائها الإقليميين للحصول على امتيازات اقتصادية والبحث المستمر عن أسواق جديدة في محيطها، بالإضافة للبحث عن مساحات جديدة في أسواق لها حضور فيها أصلاً.

وإذا كانت طهران ترغب في عودة سعر برميل النفط إلى الارتفاع إلى فوق المائة دولار مجدداً لإعادة التوازن إلى اقتصادها المنهك, فهي ترغب أيضاً في أن يحقق الجار العراقي أرباحا مرتفعة من صادراته النفطية كي يستطيع أن يشتري السلع غير النفطية التي ترغب إيران في تصريفها بسوقه، أي بقدر ما يشكل العراق منافساً نفطياً لها في أسواق شرق آسيا, تشكل بغداد لطهران زبوناً لا يمكن الاستغناء عنه لتصدير سلعها غير النفطية إليه.

حجم التبادل التجاري
الانخراط في مشروعات البنية التحتية
التنافس الاقتصادي مع تركيا

 حجم التبادل التجاري
استطاعت دبلوماسية إيران التجارية في العراق تحقيق تقدم ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة من خلال عقد عدد من الاتفاقات مع بغداد يتوقع أن يكون لها وقع إيجابي على نشاط إيران الاقتصادي في العراق.

ففي سبتمبر/أيلول من العام الماضي, عُقد اتفاق خفضت بغداد بموجبه تعريفتها الجمركية أمام السلع الإيرانية لتتراوح بين 0% و5%. وأما في فبراير/شباط من العام الجاري, فقد اتفقت طهران مع بغداد على إلغاء عمليات الرقابة على الصادرات الإيرانية من السلع عند المنافذ الحدودية لتيسير حركة التجارة، ولكن بالمقابل سيعمل الطرفان على التوافق أكثر على معايير الجودة.

ويتأرجح العراق من عام لآخر بين مرتبة الشريك التجاري الأول والثاني لإيران مع استمراره في احتلال المرتبة الأولى مستوردا لسلعها غير النفطية (يستورد 72% من مجموع السلع الإيرانية المحلية).

ففي عام 2005, بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 730 مليون دولار أميركي ثم ليصل أكثر من 12 مليار دولار بداية من عام 2012 وأخيراً بلغ 13 مليار دولار في 2014. ويتوقع مسؤولون إيرانيون، مثل رئيس غرفة تجارة طهران يحيى آل إسحاق, وصول حجم التبادل التجاري بين البلدين 20 إلى 25 مليار دولار في السنوات القادمة. وبطبيعة الحال, ستستمر العلاقات التجارية بين طهران وبغداد في نمطها غير المتكافئ وفي ميل كفتها لصالح طهران.

لا تزال الصادرات الإيرانية إلى العراق تواجه عوائق بيروقراطية عند المنافذ الحدودية المؤدية إلى العراق بسبب تداخل عمل عدد من المؤسسات الإيرانية

وتشير إحصاءات التقارير السنوية لمؤسسة تنمية التجارة الإيرانية إلى أن صادرات إيران غير النفطية إلى العراق (دون احتساب صادراتها من السوائل الغازية) بلغت في السنة المالية 2011-2012 تقريباً 5.1 مليارات دولار (15.30% من قيمة إجمالي الصادرات) وفي السنة المالية 2012-2013 ارتفعت الصادرات غير النفطية لتبلغ 6.2 مليارات دولار (19.30%), ولكنها شهدت انخفاضا في السنة المالية 2013-2014 إذ تراجعت إلى 5.9 مليارات دولار (18.90%). ولكن من المرتقب أن تشهد صادرات إيران غير النفطية ارتفاعاً معتبراً في إحصاءات تقرير السنة المالية 2014-2015.

وتنقسم الصادرات الإيرانية إلى العراق وخدماتها الاقتصادية إلى ثلاثة أنواع: 1- سلع طاقية (غاز طبيعي وكهرباء)، 2- سلع غير نفطية (سيارات، ومواد غذائية, ومستلزمات منزلية, وأعمال يدوية)، 3- خدمات فنية وهندسية (في قطاعات الطاقة, والإسكان, والصحة, والنقل).

وتستحوذ طهران من خلال هذه الصادرات على 17.5% من السوق العراقي بعد أن كانت تستحوذ على 13% فقط قبل صعود تنظيم الدولة الإسلامية, بحسب تصريح الأمين العام للغرفة التجارية الإيرانية العراقية سنجابي شيرازي. وتستهدف طهران -بحسب تصريح شيرازي- الاستحواذ على 25% من السوق العراقي في السنوات القادمة.

ومع ذلك, لا تزال الصادرات الإيرانية إلى العراق تواجه عوائق بيروقراطية عند المنافذ الحدودية المؤدية إلى العراق بسبب تداخل عمل عدد من المؤسسات الإيرانية. ولذا تسعى جماعات الضغط من التجار والمصدرين الإيرانيين إلى حل هذه الإشكالات. من هنا تحدث سكرتير هيئة تنمية العلاقات التجارية بين إيران والعراق رستم قاسمي عن ضرورة توحيد نظم الإدارة عند المنافذ الحدودية إذ توجد 11 مؤسسة تعيق توسع حركة التجارة والتصدير بسبب تعقيدات عملها.

الانخراط في مشروعات البنية التحتية
أصبحت الخسائر الاقتصادية جراء توسع تنظيم الدولة في العراق والمعارك التي تخوضها مليشيات الحشد الشعبي مكاسب بالنسبة للجانب الإيراني، إذ يطمح مستثمرو طهران إلى الاستحواذ على حصص كبيرة من عقود إعادة البناء في الوقت الحالي. والجدير بالذكر أن العراق يتلقى ما يقرب من 70% من الخدمات الفنية والهندسية الإيرانية في الوقت الحالي.

في تعليق له على موازنة العراق لعام 2015, صرح رستم قاسمي (وهو أيضاً أحد قادة الحرس الثوري السابقين ووزير نفط سابق): "التطور المهم الذي سيحدث بالعراق هو تضاعف إنتاج النفط خلال الثلاث سنوات القادمة ومن ثم زيادة العائدات النفطية التي ستنعكس إيجاباً على تنمية المشروعات العمرانية". ومن المؤكد أن قاسمي يقصد أن جل العقود ستكون من نصيب مستثمري طهران. فناهيك عن 15 ألف وحدة سكنية تم توكيل إنشائها إلى مقاولين إيرانيين, تحدث قاسمي عن استحواذ المقاولين الإيرانيين على جزء كبير من الوحدات السكنية التي تنوي بغداد بناءها في السنوات القادمة والتي سيبلغ عددها 2 مليون وحدة.

تأمل إيران أن تستحوذ على 5 إلى 10% من مشروعات تنموية في العراق ستبلغ تكلفتها 275 مليار دولار حتى عام 2017

كذلك تسعى طهران إلى حضور أكبر في قطاع الطاقة العراقي. حيث صرح وزير الطاقة الإيراني حميد شت شيان في يوليو/تموز من العام الماضي بأن إيران تشارك في 27 مشروعا لتوليد الكهرباء بقيمة مليار و245 مليون دولار أميركي. وقال شت شيان في تصريحه إنه يأمل أن تستحوذ إيران على 5 إلى 10% من مشروعات تنموية في العراق ستبلغ تكلفتها 275 مليار دولار حتى عام 2017.

ويبدو أن الفاعلين الاقتصاديين بطهران لا يرغبون فقط في لعب دور أكبر في مشروعات بنية تحتية فقط, فمن المحتمل أيضاً أنهم يرغبون بالانخراط في كيانات اقتصادية مشتركة مع بغداد لكي يستطيعوا من خلالها اختراق المؤسسات الاقتصادية أكثر بتأسيس جماعات ضغط محلية توجه مراكز صنع القرار المعنية لصالحهم.

ولكن الأهم بالنسبة لطهران هو الانخراط في قطاعات النقل في العراق نظراً لدورها في تيسير حركة التجارة بين البلدين أو بتعبير أدق: تيسير حركة صادرات إيران غير النفطية في تجاه العراق. ويعد مشروع قطار البصرة- شلامجة (شلمچه) الذي من المتوقع أن يبلغ طوله 40 كلم تقريباً, أهم المشروعات الحيوية التي تستهدف طهران من خلالها ربط شبكة سكك الحديد الإيرانية بنظيرتها العراقية لتيسير حركة المسافرين والتجارة. وتستهدف إيران أيضاً من هذا المشروع الذي يتضمن بناء جسر متحرك طوله سبعمائة متر, دمج ميناء الإمام الخميني في هذه الشبكة ليصبح نقطة ترانزيت لنقل الصادرات العراقية إلى الأسواق العالمية.

والجدير بالذكر أن مشروع ربط سكك حديد البلدين ليس وليد الأعوام الأخيرة، بل تعود فكرته إلى ما يزيد على الثلاثة عقود. حيث وقع ممثلون عن كل من طهران وبغداد في يوليو/تموز 1977 على اتفاق يقضي بربط خطوط سكك حديد البلدين. إذ كان من المخطط دمج الخطوط من خلال المدينتين الحدوديتين خانقين العراقية وقصر شيرين الإيرانية.

التنافس الاقتصادي مع تركيا
ويبدو أن النشاط التجاري والاستثماري لإيران في العراق لا يستهدف فقط تعظيم أرباحها ولكن أيضاً إزاحة منافسيها الإقليميين اقتصادياً وخاصة تركيا التي تعتبر من أكبر شركاء العراق الاقتصاديين (منذ العام 2011 أصبح العراق ثاني أكبر مستورد للسلع التركية، ومنذ العام 2012 أصبح رابع أكبر متلق للخدمات الفنية والهندسية التركية).

وإذا كان الظرف الجيوسياسي في المنطقة يخدم المصالح الاقتصادية لإيران, فتوسع رقعة نفوذ تنظيم الدولة في شمال ووسط العراق منذ منتصف العام الماضي أدى إلى قطع الخطوط التجارية الرابطة بين موانئ تركيا البرية وبين بغداد وجنوب العراق, مؤثراً على حضور أنقرة الاقتصادي. وبذلك ترتب التالي:

1- أصبحت إيران أحد المسارات المتاحة لنقل السلع التركية إلى بغداد إلى جانب مسارات أخرى (وبالتالي ارتفاع كلفة استيراد السلع التركية نسبياً). فتستطيع الشاحنات التركية تفريغ حمولتها في بغداد والبصرة من خلال مسار جربلاك- بازرجان (بازرگان) لتعبر من خلال منفذ مهران التابع لمحافظة إيلام الإيرانية (المقابل للشطر الشمالي من الجنوب العراقي).

في الوقت الذي شهدت فيه الصادرات التركية إلى العراق تراجعا بقيمة 2 مليار دولار, زادت حصة إيران الاقتصادية في سوق العراق

2-اكتساب السلع الإيرانية ميزة تنافسية أكثر بالنسبة للمستهلك العراقي بسبب عامل القرب الجغرافي وبسبب تراجع العائدات النفطية التي باتت تفرض قيوداً مالية على الخيارات المتاحة أمام الحكومة في بغداد. وبالفعل شهدت المنافذ الحدودية الإيرانية مؤخراً زيادة كبيرة في حركة الصادرات تجاه العراق.

ويشير أحد التقارير الذي صدر في أواخر مارس/آذار من العام الجاري إلى زيادة حركة الصادرات بنسبة 42% من معبر مهران في العام الماضي وبداية العام الحالي مقارنة بالفترة المماثلة لها في عام 2013 وبداية العام الماضي. فإذا كانت هذه الزيادة المعتبرة تشير إلى تدفق الصادرات غير النفطية من إيران, فهي تدل أيضاً على أن التحولات الجيوسياسية حولت إيران إلى ترانزيت للسلع التركية.

في هذا الإطار, كان القنصل التجاري لإيران في العراق محمد رضا زاده أبرز المسؤولين الإيرانيين الذين جاءت تصريحاتهم لتبرز رؤية إيران الاقتصادية للعراق بوضوح. ففي تصريح له لوكالة إيسنا الإيرانية يوم 15 سبتمبر/أيلول من العام الماضي قال: "في حين شهدت الصادرات التركية إلى العراق تراجعا بقيمة 2 مليار دولار, زادت حصتنا الاقتصادية في سوق العراق". وقال رضا زاده أيضاً: "في ظل غلق حدود العراق مع الأردن وسوريا وعدم إمكان وصول السلع السعودية, أصبح هذا الظرف فرصة ذهبية للدفع بصادراتنا إلى بغداد وخصوصاً الغذائية منها".
ــــــــــــــــــــــــ
باحث مختص بالشأن الإيراني والعلاقات الدولية

المصدر : الجزيرة