شهدت العملة الأميركية مؤخرا ارتفاعا كبيرا في سعرها تجاه اليورو والعملات الأخرى اعتمادا على أملين رئيسيين: يستند الأول على التوقع بقرب رفع سعر الفائدة الرئيسي الذي لا يزال بحدود صفر% إلى 0.25%. أما الثاني فيستند إلى التوقعات بزيادة قوة تعافي الاقتصاد الأميركي التي لا تزال نسبة نموه بحدود 2.5%، مقارنة بأقل من 1% في الاتحاد الأوروبي. غير أن هذين الأملين يبدوان في غير محلهما حاليا، بعد إعلان مجلس الاحتياطي الاتحادي (لبنك المركزي الأميركي) في النصف الثاني من مارس/آذار الجاري أنه ليس في عجلة من أمره لرفع سعر الفائدة، لأن مؤشرات النمو لا تشير إلى مزيد من التعافي، كما لا تنبئ بارتفاع معدلات التضخم.

وعلى ضوء ذلك فإنه من المنطقي توقف صعود الدولار إزاء اليورو والعملات الأخرى لو تعلّق الأمر بمؤشرات الاقتصاد الأميركي.

غير أن العملة الأميركية لا تخضع للمنطق الذي تخضع له العملات الرئيسية الأخرى في العالم، كونها العملة العالمية المتحكمة بالتبادل التجاري العالمي والعملة شبه الوحيدة لشراء وبيع المواد الأولية وفي مقدمتها النفط والغاز.

وعليه فإن جميع دول العالم بحاجة إلي الدولار -كعملة ثانية إلى جانب عملاتها الوطنية- من أجل تجارة سلعها، ولا سيما الإستراتيجية منها.

مديونية عالية وأزمة بنيوية
غير أن استمرار الهيمنة العالمية للدولار لم تعد أمرا مسلما به منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية سنة 2008، حسب رأي الكثير من المحللين.

ويعكس هذا الأمر تراجع القوة التصديرية للاقتصاد الأميركي واستمرار أزمته البنيوية التي تسببت بالأزمة المالية العالمية الأخيرة وأزمات أخرى سابقة كادت تودي بالنظام النقدي الدولي الحالي إلى الهاوية.

ويزيد الطين بلة ارتفاع حجم الدين الأميركي إلى أكثر من 18 تريليون دولار، أي ما يزيد على الناتج المحلي الإجمالي الأميركي المقدر بنحو 17 تريليون دولار. وإذا أخذنا بعين الاعتبار التزامات صناديق الدعم الاجتماعي فإن ديون الولايات المتحدة تصبح أعلى من ديون اليونان قياسا إلى الناتج الإجمالي.

رغم ذلك يستمر البنك المركزي الأميركي بطباعة مئات المليارات من الدولارات ليضخها في السوق بحجة محاربة الانكماش وإنعاش الاقتصاد.

هذا الوضع المقلق يدفع الكثير من الدول -وفي مقدمتها الصين وروسيا والهند- إلى تقليص احتياطاتها من العملة الأميركية بشكل تدريجي وسري لصالح التحوط باليورو والذهب وقيم أخرى.

غير أن الأزمة المالية التي تعصف بعدة بلدان في منطقة اليورو دفعت مؤخرا إلى المزيد من الحذر إزاء التحوط بالعملة الأوروبية والاتجاه إلى شراء الذهب والتحوط به.

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن هناك موجة قوية صاعدة في مختلف أنحاء العالم لشراء الذهب إلى الحد الذي يبدو فيه الأمر وكأنها تعمل على تشكيل احتياطي ذهبي على غرار ما كان عليه الحال حتى سبعينيات القرن الماضي، عندما كانت قيمة العملة مرتبطة بحجم التغطية الذهبية.

الدولار لن يستمر كعملة مهيمنة
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يشكل التوجه العالمي لشراء الذهب والتخلص من الدولار مؤشرا لولادة نظام نقدي دولي جديد يشكل الدولار أحد أركانه بدلا من أن يكون المتحكم به والمهيمن عليه؟

العملة الأميركية لا تخضع للمنطق الذي تخضع له العملات الرئيسية الأخرى في العالم (غيتي)

في كتابه المثير "الانهيار النقدي The death of Money"  يتحدث الكاتب الأميركي المعروف جيمس ريكاردس عن مؤشرات انهيار النظام المذكور لصالح نظام لم تتضح ركائزه بعد.

ومن هذه المؤشرات على سبيل المثال محاولة دول بريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) إقامة مؤسسات مالية لايهيمن عليها الغرب واليابان كما هو عليه الحال في حالتي صندوق النقد والبنك الدوليين. وقد خططت دول البريكس لإرساء دعائم هذه المؤسسات -التي ينبغي عليها تمويل مشاريع البنية التحتية وحل الأزمات- رصد مبلغ لا يقل عن 150 مليار دولار حتى الآن.

 أما الجديد هنا فهو تقديم القروض بشكل لا يعطي الأفضلية للدولار الأميركي. غير أن الصين -حسب ريكاردس- لا تكتفي على هذا الصعيد بالعمل في إطار البريكس، بل تكثف شراءها الذهب وتعقد اتفاقات لتمويل صفقات دولية بالعملة الصينية "اليوان". ولعل أبرزها اتفاق للمقايضة بين الفرنك السويسري واليوان، مما يفتح المجال لاعتماد العملة الصينية كعملة احتياط دولية بشكل متزايد.

وبدورها تعمل روسيا -بعد فرض العقوبات الغربية عليها في خضم الأزمة الأوكرانية- إلى تخفيف اعتمادها على الدولار من خلال اتفاقات دفع ثنائية بالعملات الوطنية مع الصين والهند وإيران وغيرها.

أما في العالم العربي فإن الخطوة الأكثر إثارة في هذا السياق تتمثل في إقدام السعودية على فتح بورصتها أمام المستثمرين الأجانب بشكل يسهّل على الصينيين وغيرهم الاستثمار في الشركات والصناديق السعودية. وهو الأمر الذي سيساعد الأخيرة على التخفيف من اعتمادها على النفط الذي يباع بالدولار.

مصلحة الجميع في تحولات هادئة
تحتفظ جميع دول العالم -بهذا القدر أو ذاك- بكميات كبيرة من العملة الأميركية كاحتياطي تحتاجه لتمويل تجارتها واستثماراتها. فالصين لوحدها -وعلى سبيل المثال- لديها ما يقارب تريليوني دولار.

وعليه فإن مختلف البلدان -ولا سيما التي لديها احتياطات كبيرة من الدولار- ليس لديها مصلحة في التخلص منه بسرعة بشكل يسبب حالات ذعر في الأسواق ويؤدي إلى انهيار دراماتيكي في سعر الدولار بشكل يهدد قيمة احتياطاتها منه. ومن هنا فإن تخفيف الاحتياطي منه بشكل تدريجي وهادئ لصالح بدائل أخرى من جهة، وإقامة مؤسسات مالية إقليمية ودولية تنهي نظام الهيمنة من جهة أخرى، قد يكون أحد أنسب السبل نحو بناء نظام نقدي دولي جديد يشكل الدولار أحد ركائزه بدلا من أن يكون المتحكم به.

ويبقى أن نتنظر لمعرفة الإجابة على أسئلة تطرح نفسها هنا: هل سيقوم النظام الجديد على سلة عملات أم على أساس التغطية الذهبية أم على كليهما؟ وأي دور سيلعبه صندوق النقد الدولي في حال إرساء دعائم صناديق تمويل دولية بعيدا عن هيمنة الغرب؟

المصدر : دويتشه فيلله