بول غريغوري


وقف شحنات الغاز لأوكرانيا
غازبروم وخسارة السوق الأوروبية
أوروبا بحاجة لتنويع مصادر الطاقة

يركز المتابعون للشأن الروسي -ولهم الحق في ذلك- على وقف إطلاق النار الهش الأخير في أوكرانيا، في محاولة لاستيضاح نوايا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هناك. ولكن من الحكمة ألا يُغفِلوا صراعاً آخر تتكشف أبعاده الآن، وهو الصراع الذي قد يخلف عواقب وخيمة بعيدة الأمد على أوروبا، وقدرة بوتين على ممارسة الضغوط على القارة.

ففي شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي وقعت شركة النفط الروسية العملاقة غازبروم مع شركة تركية لخطوط الأنابيب مذكرة تفاهم لتمديد خط أنابيب من روسيا إلى تركيا تحت البحر الأسود. ويأتي هذا الخط الجديد المسمى "تركيش ستريم" كبديل لخط الأنابيب "ساوث ستريم" الممتد في البحر الأسود ويربط بين روسيا وبلغاريا، وهو المشروع الذي تخلى عنه الكرملين في ديسمبر/كانون الأول الماضي رداً على العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي بعد تغول القوات الروسية في أراضي أوكرانيا وضمها شبه جزيرة القرم.

لقد فشل مشروع "ساوث ستريم" في الانسجام مع معايير الاتحاد الأوروبي فيما يخص المنافسة والطاقة، ومن المرجح أن يؤدي الإعلان عن خط الأنابيب التركي الذي تبلغ قيمته 12 مليار دولار إلى تعزيز سمعة روسيا بوصفها شريكا غير جدير بالثقة، وبالتالي سيسرع وتيرة بحث أوروبا عن مصدر بديل لتوريد الغاز الطبيعي. والواقع أن بوتين وهو يخاطر بخسارة السوق الأكثر ربحية فإنه يبدي تجاهلاً ذا آثار كارثية على الاقتصاد الروسي، وذلك دون أي سبب ظاهر غير ترسيخ العداوة مع أوكرانيا.

ومن المرجح أن يؤدي الإعلان عن خط أنابيب الغاز الروسي التركي الذي تبلغ قيمته 12 مليار دولار إلى تعزيز سمعة روسيا بوصفها شريكا غير جدير بثقة أوروبا، وبالتالي سيسرع وتيرة بحث الأخيرة عن مصدر بديل لتوريد الغاز الطبيعي

ويعتزم الكرملين استبعاد كييف من نظام تسليم الغاز الذي ظل قائماً منذ ثمانينيات القرن العشرين، وتوجيه الإمدادات بدلاً من ذلك عبر شبكة جديدة وغير مجربة إلى سوق قد لا يكون لها وجود بالمرة.

وقف شحنات الغاز لأوكرانيا
ففي الشهر الماضي أعلنت غازبروم عزمها وقف شحناتها عبر أوكرانيا عندما تنتهي العقود مع شركة خطوط أنابيب الغاز الأوكرانية نفتوغاز في العام 2019. وسوف يتم تسليم الغاز من خط الأنابيب التركي إلى حدود اليونان وفق أساس غير قابل للتفاوض. وتتوقع غازبروم الحصول على الترخيص بتنفيذ تصميم للخط وعمليات المسح عما قريب، مع وصول أول شحنة إلى تركيا في العام 2017.

إن السلوك الشاذ للشركة الروسية الحكومية ليس بالمسألة الهينة بالنسبة لأوروبا، ذلك أن الأخيرة تعتمد على روسيا في تأمين نحو 30% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي، التي يتم نقل 80% منها عبر أوكرانيا. وسبق لأوروبا أن شهدت في الماضي توقفا لإمدادات الغاز الروسي في ذروة الطقس البادر. ففي يناير/كانون الثاني 2009 أمرت غازبروم بخفض شحنات الغاز المارة عبر أوكرانيا، الأمر الذي أدى إلى نقص حاد في ستة بلدان في شرق وجنوب شرق أوروبا.

وفي آخر عام 2014، قطعت موسكو الغاز عن أوكرانيا بشكل كلي، ومرة أخرى أشارت روسيا إلى استعدادها لاستخدام إمدادات الغاز سلاحا من أسلحة سياستها الخارجية. وهرع الاتحاد الأوروبي إلى التوسط للتوصل إلى تسوية يؤكد البعض أنها كانت ضد مصالح أوكرانيا.

ولكن على عكس ما يبدو أنها قناعة لدى بوتين، فمن غير المرجح أن تكون أوروبا أو أوكرانيا الخاسر الأكبر في الجهود التي تبذلها روسيا لإعادة توجيه خريطة صادراتها من الغاز، ذلك أن غازبروم تحصل على ثلثي عائداتها من النقد الأجنبي من أوروبا، وهذه الفترة التي تتسم بانخفاض الصادرات والأزمة الاقتصادية الداخلية ليست الوقت المثالي لإفساد علاقتك مع أفضل عملائك.

غازبروم وخسارة السوق الأوروبية
والواقع أن السوق الأوروبية بدأت تتغير منذ فترة، فقد سجلت مبيعات غازبروم في أوروبا انخفاضا كبيراً في الربع الثالث من العام الماضي، وهبطت بنسبة 25% في الربع الأخير من 2014. ويأتي هذا الركود في الطلب في وقت تسعى فيه روسيا يائسة إلى تأمين موارد من النقد الأجنبي، في ظل العقوبات الغربية التي تحرمها من الأسواق المالية.

وتواجه الشركات الروسية الكبرى ضرورة إعادة تمويل ديونها الضخمة، كما يوشك احتياطي روسيا من العملات الأجنبية على الانهيار، ويتجه اقتصادها نحو الركود العميق، وتستمر عملتها الروبل في الهبوط المضطرد.

إن روسيا، بإعادة توجيه صادراتها، تطالب أوروبا في واقع الأمر بإنفاق الملايين من اليوروات على مشاريع جديدة للبنية الأساسية لكي تحل محل خطوط أنابيب قائمة وهي في حالة جيدة، وذلك لمجرد تلبية رغبة بوتين في خلق متاعب في أوكرانيا. في يناير/كانون الثاني الماضي تجاهل الرئيس التنفيذي لغازبروم أليكسي ميلر بغطرسة المخاوف الأوروبية، قائلا "لقد أبلغنا شركاءنا الأوروبيين، والآن القرار يعود إليهم لوضع البنية الأساسية اللازمة للبدء من الحدود التركية اليونانية".

السوق الأوروبية بدأت تتغير منذ فترة، فقد سجلت مبيعات غازبروم الروسية بأوروبا انخفاضاً كبيرا في الربع الثالث من العام الماضي، وهبطت بـ25% في الربع الأخير من 2014. ويأتي هذا الركود في الطلب في وقت تسعى فيه روسيا يائسة إلى تأمين موارد من النقد الأجنبي في ظل العقوبات الغربية

وكان رد الفعل الأولي من أوروبا أن بوتين إما أنه يخادع وإما أنه فقد عقله. وعلى حد تعبير ماروس سيفتوفيتش نائب رئيس المفوضية الأوروبية لشؤون اتحاد الطاقة "هذا القرار غير منطقي من الناحية الاقتصادية، فنحن عملاء جيدون وندفع أموالا طائلة دون تأخير وبالعملة الصعبة. لذا أعتقد أننا نستحق معاملة تتناسب مع ذلك".

أوروبا بحاجة لتنويع مصادر الطاقة
إن سياسات بوتين الشاذة والمدمرة اقتصادياً تتسبب في تبديد آخر ما كان يشكل ذات يوم احتكاراً لغابروم في سوق الغاز الأوروبية. ومن الواضح أنه من الأفضل لأوروبا، إذا كانت مضطرة إلى إنفاق المليارات على خطوط أنابيب جديدة، أن تفعل ذلك كجزء من مساعيها لتنويع مصادرها من الغاز الطبيعي، وليس لزيادة اعتمادها على إمدادات روسيا، ولا سيما وأن الذكريات ما زالت ماثلة عندما ظلت منازل دون تدفئة وأغلقت مصانع في مواسم شتوية شديدة البرودة.

عندما سُئِل أحد كبار مستشاري التخطيط في عهد الرئيس الروسي السابق جوزيف ستالين لماذا كان على استعداد للدفاع عن سلسلة من المقترحات السخيفة، أجاب قائلا "كنت أفضل تأييد خطط غير واقعية على الجلوس في السجن لمناصرة خطط واقعية". وبوسع المرء الآن أن يتخيل أن القائمين على شركة غازبروم يفكرون بالطريقة نفسها.

وإذا كان الأمر كذلك، فينبغي للأوروبيين أن يشرعوا في التفكير بشكل مختلف، ذلك أن روسيا لا تستطيع أن تتحمل المزيد من الآلام والمعاناة الاقتصادية. ولكن هذا هو كل ما ستحصل عليه ما لم تكن الغَلَبة للعقول الرزينة.
ــــــــــــــ
زميل في قسم البحوث لدى مؤسسة هووفر، وأستاذ باحث لدى المعهد الألماني للبحوث الاقتصادية، وأستاذ في جامعة هيوستن

المصدر : بروجيكت سينديكيت