خالد شمت-برلين

خلصت دراسة لأهم مؤسسة بحثية ألمانية إلى أن الاستثمار في مصر مع استمرار أوضاعها الراهنة، مغامرة محفوفة بالمخاطر. ودعت المؤسسة ألمانيا والاتحاد الأوروبي إلى توقع تزايد زعزعة الاستقرار في أكبر دولة عربية من حيث السكان، وطالبتهما بعدم تقديم دعم لنظام عبد الفتاح السيسي ما لم ينهِ ملاحقته الواسعة للمعارضة السياسية وقمعه المفرط لجماعة الإخوان المسلمين.

وتوقعت الدراسة التي أنجزتها المؤسسة الألمانية لدراسات السياسة الدولية والأمن والتي تربطها صلات واسعة بدوائر صنع القرار في الغرب، نجاح مؤتمر شرم الشيخ للاستثمار في مصر المقرر عقده بين 13 و15 مارس/آذار الجاري في جذب استثمارات خليجية تهدف إلى تحقيق أرباح سريعة من بناء مراكز تسوق ومساكن فاخرة واستثمارات مباشرة بقطاع الغاز المصري، وفشله في استقطاب استثمارات إستراتيجية في مجال التصنيع ونقل التقنية والمعرفة.

وصدرت دراسة "إستراتيجية مصر غير المقنعة للنمو.. بناء على الرمال" بالتزامن مع مؤتمر شرم الشيخ، وقال شتيفان رول -أحد المشاركين فيها- إن المؤتمر سيكون للاستثمار لا للمانحين، واعتبر في تصريح للجزيرة نت أن مناخ الاستثمار الحالي بمصر غير آمن للاستثمارات الطويلة الأمد.

رول: الغرب لن يقدم في مؤتمر شرم الشيخ مساعدات لمصر مثل ما فعلت دول الخليج(الجزيرة نت)

إخفاء الأزمة
وذكر الباحث الألماني المتخصص بالشأن المصري أن الدول الغربية المدركة بأن الاقتصاد المصري يمر حاليا بأوضاع بالغة السوء، لن تقدم في مؤتمر شرم الشيخ حزم مساعدات بمستوى ما تقدمه دول الخليج العربي الداعمة لنظام السيسي.

وشككت دراسة المؤسسة الألمانية في إمكانية جذب الحكومة المصرية لرؤوس أموال خارجية ضخمة لتمويل مشروعات كبيرة أعلن عنها نظام السيسي ولا يمكن إقامتها بدون تمويل خارجي. وأشارت إلى احتمال تسبب نهج السيسي الاقتصادي في ظل استمرار الركود، في مزيد من تردي الأوضاع المعيشية للسكان وإطلاق احتجاجات فئات واسعة.

وأوضحت الدراسة أن نظام السيسي المتطلع إلى ضخ المستثمرين الأجانب خلال مؤتمر شرم الشيخ لأموال هائلة، ظل طيلة الشهور الماضية يتحدث عن مؤشرات وردية متعلقة بارتفاع معدلات النمو، وانخفاض مستويات البطالة، وتزايد الاستثمارات الخارجية المباشرة، باعتبار كل ذلك دليلا على فعالية سياسته الاقتصادية.

واعتبرت أن هذا التقييم الإيجابي أخفى حقيقة اتساع أزمة الاقتصاد المصري، وتداعياتها السلبية على المصريين، في مواجهة توقف النمو الاقتصادي منذ العام 2011، وعدم تعدي الناتج المحلي لمستوى النمو السكاني، مشيرة إلى أن ارتفاع الناتج المحلي وفق الإحصائيات الرسمية إلى 4% لا يكفي لتمكين سوق العمل المصرية من استيعاب 800 ألف متخرج سنويا.

البطالة والفقر
ورأى معدو الدراسة أن المطلوب هو معدلات نمو بين 6 و7% لتشغيل هؤلاء الخريجين، ومعدلات أعلى على المدى الطويل لمواجهة بلوغ نسبة البطالة 40% بين الشبيبة بين سن 15 و24 عاما، وأشاروا إلى أن انتشار الفقر بين المصريين وفقا لإحصائيات 2012/2013 بلغ 52%.

الدراسة: مصر ما تزال تعيش أزمة اقتصادية من معالمها انتشار الفقر (رويترز)

وقالت الدراسة إن أزمة مصر الاقتصادية مرتبطة بأزمة في ميزانيتها، ولا يبدو أي أمل منظور بحل الاثنتين في ضوء الإعلان رسميا عن ارتفاع ديون مصر بنسبة 11% في العام 2014 لتشكل 94% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي.

كما عجز نظام السيسي عن إيقاف ارتفاع مستوى عجز الموازنة البالغ 13.7% إلا بواسطة مساعدات مالية وقروض وهبات نفطية بقيمة 23 مليار دولار قدمتها بعض دول الخليج لمنع إفلاس مصر.

ولفتت الدراسة الألمانية إلى سعي السيسي لتحريك الاقتصاد بإقامة مشروعات كبيرة، من أبرزها مشروع توسعة قناة السويس المفترض الانتهاء منه في أغسطس/آب القادم. واعتبرت أن أرقام الحكومة المصرية المتوقعة لدخل القناة -بعد زيادة عدد السفن العابرة بمجراها الجديد- بنسبة 150% حتى العام 2023، "أرقام غير جادة".

إيرادات القناة
وأشارت الدراسة إلى أن زيادة عبور السفن بالقناة لا يتعلق فقط باتساع هذا المجرى الملاحي، وإنما بسلسلة عوامل أخرى في مقدمتها تطور الاقتصاد العالمي، وتوقعت تسبب فوائد سندات تمويل مجرى قناة السويس الجديد على الميزانية المصرية بأعباء 13 مليار دولار في السنوات الخمس المقبلة، وتفاقم أزمة الائتمان في قطاع المصارف والذي تحمل تمويل أكثر من 40% من هذه السندات.

ولفتت الدراسة إلى أن عجز إستراتيجية السيسي للنمو عن تحقيق فرص عمل مستدامة، وفشل مؤتمر شرم الشيخ في إعطاء زخم اقتصادي طويل الأمد، سيفتح الباب أمام النظام الحالي للسعي إلى الاحتفاظ بالسلطة لمواجهة احتجاجات سخط فئات مرشحة للتزايد من المصريين، بمزيد من القمع، وهو ما ستكون له تداعياته الوخيمة على الاقتصاد، وما سيؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار.

وأشارت إلى أن إنهاء الملاحقات الواسعة للمعارضة السياسية والقمع المفرط لجماعة الإخوان أمر يجب ربطه بأي مساعدة اقتصادية لنظام السيسي، معتبرة أن إعادة دمج الجماعة في العملية السياسية "أمر لا مفر منه لتحقيق الاستقرار والتطور الاقتصادي في البلاد".

المصدر : الجزيرة