بكر ياسين اشتية


هل ارتفعت فاتورة الواردات؟
لا مبرر لارتفاع الأسعار
مكاسب للمالية العامة للسلطة
عبء خدمة الدين العام
تضخم أم تآكل المدخرات؟
المقترض هو الخاسر الأكبر

كثر الجدل مؤخرا بشأن الآثار المباشرة وغير المباشرة لارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الشيكل الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية من 3.3 إلى نحو 4 شيكلات لكل دولار، وكثر المحللون ممن ارتأوا أن هذا الارتفاع سيؤدي حتما إلى ارتفاع فاتورة الواردات وارتفاع وشيك في الأسعار.

وذهب عدد منهم إلى تبرير بعض التقلبات المالية والسعرية في الأراضي الفلسطينية ضمن سياق ارتفاع سعر صرف الدولار، لكن يبدو أنهم لم يوفقوا في فهم أو قراءة بعض المعطيات المضللة والمثيرة للجدل أحيانا.

بداية، تفتقد المناطق الفلسطينية كافة مقومات السياسات النقدية الفاعلة، فرغم وجود سلطة نقد تقوم بكافة مهام البنوك المركزية، فإنها حُرمت بنص صريح في بروتوكول باريس الاقتصادي من إصدار عملة وطنية، مما يعني سيادة عملات الدولار والدينار الأردني والشيكل، وتأثر الاقتصاد الفلسطيني بالسياسات النقدية للبنوك المركزية المصدرة لتلك العملات.

فكيف تستجيب الوحدات الاقتصادية المختلفة في الأراضي الفلسطينية للتقلبات العالمية لأسعار صرف العملات؟ وما هي الوحدات والقطاعات الرابحة والخاسرة نتيجة تلك التقلبات؟

هل ارتفعت فاتورة الواردات؟
في العام 2014 لم تتجاوز الواردات الفلسطينية من الولايات المتحدة 0.9% من إجمالي الواردات، في حين ارتفعت الواردات من بعض دول التداول بعملات غير الدولار إلى 85.5%، وزعت بواقع 66% من الاحتلال الإسرائيلي، و7% من الصين ودول جنوب شرق آسيا والهند، و6.5% من دول الاتحاد الأوروبي، و6% من تركيا.

الدولار المرتفع الذي سيحصل عليه التاجر الفلسطيني سيمكّن من شراء كميات أكبر من سلع وبضائع تلك الدول، وبالتالي لن يكون هناك مبرر لرفع أسعار الواردات بحجة ارتفاع سعر صرف الدولار، إلا إذا كانت العملية تلاعب بعض كبار المستوردين بالأسعار لأغراض تعظيم الربح

وكل الدول المذكورة انخفضت أسعار صرف عملاتها مقابل الدولار، أي أنه حتى في حال دفع المستورد الفلسطيني لفاتورة الواردات من تلك الدول بعملة الدولار، فإن الدولار (ذو سعر الصرف المرتفع) الذي سيحصل عليه التاجر الفلسطيني سيمكّنه من شراء كميات أكبر من سلع وبضائع تلك الدول، وبالتالي لن يكون هناك مبرر لرفع أسعار الواردات بحجة ارتفاع سعر صرف الدولار، إلا إذا كانت العملية تلاعب بعض كبار المستوردين بالأسعار لأغراض تعظيم الربح.

ويتطلب هذا الأمر تحركا جادا من لدن وزارة الاقتصاد الفلسطيني من جهة، وجمعيات حماية المستهلك من جهة أخرى، للاضطلاع بدورها الرقابي حيال الواردات التي تشكل الجزء الأكبر من فاتورة المستهلك الفلسطيني التي تجاوزت قيمتها خمسة مليارات دولار عام 2014، في بلد لا يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي فيه 7.5 مليارات دولار.

لا مبرر لرفع الأسعار
وقد شهد مطلع العام الجاري انخفاضا في الرقم القياسي لأسعار المنتج مقارنة مع أواخر العام الماضي بنسبة 0.15%، أما العام 2014 فقد بلغ معدل انخفاض أسعار المنتج الصناعي فيه 0.1% مقارنة مع العام 2013، وهي المرة الأولى التي يكون فيها معدل التغير سالباً مقارنة مع باقي السنوات السابقة، علماب أن 91% من مدخلات الإنتاج الصناعي الفلسطيني تأتي من الخارج، أي أن ارتفاع سعر الدولار لم يؤثر حقيقة على تكاليف الإنتاج الصناعي.

كذلك الأمر بالنسبة للرقم القياسي لأسعار المستهلك، أي معدلات التضخم في المناطق الفلسطينية، حيث انخفضت الشهر الأول من العام الجاري بنسبة 0.4%، في حين لم تتجاوز النسبة 1.7% في العام 2014 مقارنة بالعام 2013، وهي كذلك من أقل معدلات التضخم التي مرت على الاقتصاد الفلسطيني في العقدين الماضيين.

ولا شك هنا أن الانخفاض الملموس في أسعار النفط، وبالتالي تكاليف الشحن والنقل والإنتاج، كان له بالغ الأثر في استقرار الأسعار للمناطق الفلسطينية. يضاف إلى ذلك انخفاض أسعار صرف عملات معظم الدول المُصدرة مقابل الدولار.

ومع استحضار العلاقة العكسية بين سعر صرف الدولار وأسعار النفط ومشتقاته عالميا، تنتفي كل مبررات رفع كلفة الاستيراد في المناطق الفلسطينية. وتبقى كل التحليلات والتحذيرات التي سيقت في الفترة الماضية مقدمات لا مبرر لها للتلاعب بالأسواق الفلسطينية من بعض المتنفذين والمحتكرين وأصحاب الوكالات الحصرية.

مكاسب للمالية العامة للسلطة
بلغ عجز الموازنة العامة الفلسطينية عام 2014 نحو 1.6 مليار دولار، تمت تغطيتها عن طريق المساعدات والمنح العربية والأجنبية. وفي ظل احتجاز إسرائيل لمستحقات السلطة الوطنية الفلسطينية من أموال المقاصة، فيتوقع أن يتجاوز العجز ملياري دولار.

إذا التزم المانحون بدفع ملياري دولار فإن ارتفاع سعر صرف الدولار سيعني حصول الخزانة الفلسطينية على مبلغ ثمانية مليارات شيكل بدلا من 6.6 مليارات

وإذا ما التزم المانحون بدفع هذا المبلغ فإن ارتفاع سعر صرف الدولار من 3.3 شيكلات أوائل العام الماضي إلى أربعة (وهو المتوسط المتوقع) في العام الجاري، سيعني حصول الخزانة الفلسطينية على مبلغ ثمانية مليارات شيكل (1.9 مليار دولار) بدلا من 6.6 مليارات، أي بفائض قدره 1.4 مليار شيكل (348 مليون دولار).

وبالنظر إلى أن العملة الإسرائيلية هي عملة التداول والصرف في المناطق الفلسطينية، فإن ما ستحصله الخزانة الفلسطينية قد يساعد المالية العامة في تغطية جزء من العجز الذي خلقه الجانب الإسرائيلي باحتجازه لأموال الضرائب الفلسطينية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الجزء الأكبر من التزامات الصرف على وزارة المالية هي بالشيكل، وهي تشمل الرواتب والأجور، ومتأخرات القطاع الخاص، ومدفوعات للمستشفيات والدواء والكهرباء وغيرها من الالتزامات، بما يعني أن ارتفاع سعر صرف الدولار لن يشكل ضغطا على الموازنة الفلسطينية بقدر ما سيخلق فوائض لها.

عبء خدمة الدين العام
من ناحية أخرى، بلغ حجم الدين العام على مالية السلطة بداية العام 2014 نحو 4.47 مليارات دولار، تشمل 2.39 مليار هي مجموع القروض المحلية والخارجية من جهة، و2.13 مليار هي متأخرات القطاع الخاص وصندوق التقاعد من جهة أخرى.

وتلتزم السلطة الفلسطينية بالسداد وخدمة الدين بالعملة الأميركية، في الوقت الذي تجبي فيه إيراداتها من الضرائب والمقاصة بالشيكل. ومن المتوقع أن يتجاوز بند خدمة الدين العام في موازنة 2015 المليون دولار، وذلك بسعر صرف قد يتجاوز أربعة شيكلات لكل دولار، أي بعبء إضافي عن سعر صرف العام السابق يقدر بنحو سبعين مليون شيكل (17.4 مليون دولار). وتناهز حصة كل مواطن فلسطيني من إجمالي ديون السلطة 982.5 دولارا.

بالنظر إلى هيكل الودائع في المصارف الفلسطينية للعام 2013 والبالغة 8.8 مليارات دولار، نجدها تتوزع كما يلي: 676 مليون دولار ودائع القطاع العام، و7.574 مليارات ودائع عملاء.

تضخم أم تآكل المدخرات؟
وبدراسة ودائع العملاء -أفرادا أو شركات- نجد أن 67.1% منها بالدولار (أو بالدينار الأردني المربوط بالدولار)، أي ما يقارب 5.08 مليارات دولار، وهذه الأرقام تعزز فكرة أن الدولار والدينار من العملات الادخارية وليستا من عملات التداول في المناطق الفلسطينية.

مع الأخذ بعين الاعتبار الفارق بين سعر صرف 3.3 و4 شيكلات للدولار، يتبين أن ودائع المدخر الفلسطيني حققت فارقا موجبا بـ3.5 مليارات شيكل (871 مليون دولار)

ومع الأخذ بعين الاعتبار الفارق بين سعر صرف 3.3 و4 شيكلات للدولار، يتبين أن ودائع المدخر الفلسطيني حققت فارقا موجبا بمقدار 3.5 مليارات شيكل (871 مليون دولار).

وبما أن الشيكل هو عملة التداول والصرف فإن قدرة المواطن الفلسطيني على اللجوء إلى مدخراته لتحسين معيشته تتزايد مع ارتفاع سعر صرف الدولار والدينار، خاصة في ظل أزمة الرواتب التي تعانيها المناطق الفلسطينية كافة، تلك الأزمة التي دفعت الكثير من الأسر للسحب من مدخراتها التي عادة ما تكون بالدولار أو بالدينار. أما المدخر الفلسطيني بالشيكل فلن يحقق المكاسب نفسها، ولكنه سيحتفظ بذات القوة الشرائية لتلك المدخرات إذا ارتفع سعر صرف الدولار، وذلك لكون الشيكل عملة التداول في كافة المناطق الفلسطينية.

أما ودائع الحكومة الفلسطينية في المصارف المحلية والبالغة 676 مليون دولار، فتحقق فارقا موجبا بمقدار 473 مليون شيكل (117.7 مليون دولار).

المقترض هو الخاسر الأكبر
بلغ مجموع التسهيلات الائتمانية (القروض) في المناطق الفلسطينية عام 2013 زهاء 4.5 مليارات دولار، 71.6% منها قروض، والباقي من الجاري المدين، أي أن مجموع الإقراض يصل إلى 3.22 مليارات دولار. أما حصة الدولار والدينار من أموال الإقراض فتبلغ 65.5%، أي 2.11 مليار دولار، و69.3% منها للقطاع الخاص (1.46 مليار دولار)، و30.7% للقطاع العام (647.87 مليون دولار).

وبما أن الجزء الأكبر من الرواتب والأجور والأرباح والتوزيعات في المناطق الفلسطينية هي بالشيكل، فالمقترض الفلسطيني بالدولار والدينار سيضطر لتحويل جزء من تدفقاته بالشيكل لسد فوائد قرضه بالدولار، وبما أن مبلغ 1.46 مليار دولار هي مجموع قروض الأفراد وقطاع الأعمال كانت بسعر صرف 3.3 شيكلات للدولار فإن المقترض سيسدد فوائد وأقساط قرضه بسعر صرف أربعة شيكلات، أي أن كل ألف دولار كانت تحتاج من المقترض 3300 شيكل (821 دولارا) من تدفقاته، في حين أصبحت تحتاج أربعة آلاف شيكل في الوقت الراهن.

بالمحصلة النهائية فإن مجموع خسائر قطاعي الأفراد والأعمال إذا ثبت سعر صرف الدولار عند معدلاته الحالية، ستتجاوز 1.022 مليار شيكل (254.4 مليون دولار)، أما القطاع العام فستصل خسائره إلى 453.5 مليون شيكل. وبالطبع فإن ما نعتبره خسارة للمقترض، سيشكل فوائض وأرباحا للقطاع المصرفي.

خلاصة القول.. إن غياب عملة وطنية فلسطينية جعل الاقتصاد المحلي عرضة لتقلبات أسعار صرف العملات الثلاث السائدة، مما أدى إلى عملية إعادة توزيع غير عادلة للموارد والفوائض المالية، والأطراف المنتفعة فيها هي القطاع الحكومي الذي يتلقى مساعداته بالدولار ويعتمد في نفقاته على الشيكل، ومن ثم القطاع المصرفي الذي سيسترد أمواله التي أقرضها بالدولار والدينار بسعر أعلى، وكذلك المدخر بعملتي الدولار والدينار، نتيجة أن الشيكل ذي سعر الصرف المنخفض هو عملة التداول.

بالمقابل لن يتحمل المستورد الفلسطيني أي أعباء إضافية، وأما المقترض الفلسطيني فإن مشكلته تتعاظم لكون أكثر من 78% من قاعدة الإقراض هي قروض استهلاكية غير قادرة على تعويض خسارة المقترض الناتجة عن فرق أسعار الصرف بأرباح إنتاجية.
ـــــــــــــ
محاضر بقسم الاقتصاد في جامعة النجاح الوطنية بنابلس

المصدر : الجزيرة