خالد شمت-برلين

لم يضع مؤتمر للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، وهو شريك في التحالف الحكومي، حدا للجدل الدائر بين مؤيدي اتفاقية التجارة الحرة والاستثمار بين أوروبا وأميركا ومعارضيها داخل أكبر اقتصادات أوروبا، إذ أظهر استطلاعان للرأي استمرار تراجع تأييد المواطنين الألمان هذه الاتفاقية التي لا تزال المفاوضات جارية للتوصل إليها.

واعتبر نائب المستشارة الألمانية ووزير الاقتصاد زاغمار غابرييل في كلمة أمام المؤتمر الذي اختتم أعماله مساء اليوم بالعاصمة الألمانية برلين، أن المطلوب هو فتح نقاش شفاف حول الاتفاقية استنادا على المعلومات والحقائق، و"ليس على المخاوف الغامضة والسيناريوهات المرعبة".

ورأي غابرييل -الذي يشغل أيضا منصب رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي- أن إنجاز الاتفاقية سيمثل "إلزاما للعولمة بقواعد محددة تراعي التحديات البيئية والصحية وحقوق العمال".

وذكر المسؤول الألماني أن الفشل في التوصل لهذه الاتفاقية بين ضفتي المحيط الأطلسي سيفتح الباب أمام قيام تحالف تجاري كبير بين القوى الآسيوية النامية سكانيا واقتصاديا والولايات المتحدة، ويؤدي بالتالي إلى تراجع اقتصادي لأوروبا التي تتناقص سكانيا.

غابرييل: فشل التوصل لاتفاقية تجارة مع أميركا سيفيد اقتصادات آسيا (الأوروبية-أرشيف)

رفض متزايد
وتزامن عقد المؤتمر -الذي شارك فيه مسؤولون أوروبيون كبار- مع صدور نتائج استطلاعات للرأي تفيد باستمرار تراجع تأييد المواطنين الألمان لاتفاقية التجارة الحرة الأوروبية الأميركية.

وأظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة البارومتر الأوروبي أن 41% من الألمان يرفضون الاتفاقية مقابل تأييد 39% لها، وعدم تحديد 12% منهم موقفا منها.

وذكر استطلاع رأي ثان نظمته مؤسسة إيمنيد الألمانية لقياس اتجاهات الرأي العام لحساب منظمة فوود ووتش العالمية، أن نسبة التأييد لاتفاقية التجارة الحرة بألمانيا بلغت لحد الآن 39% مقابل 55% في فبراير/شباط 2014 و48% في أكتوبر/تشرين الثاني من العام نفسه.

وقد وقع 1.5 مليون ألماني على عريضة تعارض اتفاقيتي التجارة الحرة بين أوروبا مع كل من كندا والولايات المتحدة، وتتفق التيارات اليسارية وقوى اليمين المتطرف بألمانيا على معارضة بند التحكيم الخاص بين المستثمرين والدول بالاتفاقية.

وتعتبر هذه القوى السياسية أن هذه القواعد ستدمر نظام القضاء الأوروبي عبر جعل التحكيم الدولي صاحب الكلمة في النزاعات التي تفصل فيها حاليا المحاكم الوطنية في دول الاتحاد الأوروبي.

وتحمل اتفاقية التجارة الحرة الأوروبية الأميركية اسم "اتفاقية الشراكة التجارية الاستثمارية عبر الأطلسي"، وبدأ الطرفان التفاوض بشأنها منذ العام 2013، ودخلت هذه المفاوضات جولتها الثامنة في العاصمة البلجيكية بروكسل أوائل فبراير/شباط الجاري.

ومن المفترض أن تنتهي المفاوضات مع نهاية العام الجاري، غير أن التوقعات الأوروبية ذهبت إلى استحالة تحقيق ذلك قبل نهاية العام المقبل.

ويقول مؤيدو الاتفاقية إنها ستؤدي إلى قيام أكبر منطقة تجارة حرة في العالم، وتعزز الأمل في رفع معدلات النمو وإنعاش اقتصادات الاتحاد الأوروبي المتعثرة، بالمقابل يتخوف معارضو الاتفاقية من أن يؤدي إقرارها لإغراق الأسواق الأوروبية بأغذية ومنتجات زراعية أميركية معالجة وراثياً ولحوم منتجة بالاستنساخ، بما يخالف المعايير الصحية والبيئية المشددة المعمول بها في الاتحاد.

معارضون للاتفاقية (الجزيرة)

سلب للسيادة
وتتركز الانتقادات الموجهة لاتفاقية التجارة الحرة الأوروبية الأميركية على بند فيها يسمح للمستثمرين بمقاضاة الدول التي يستثمرون فيها، وطلب تعويض منها عبر مُحكمين خاصين، ويرى منتقدو الاتفاقية أن هذا البند يمنح حماية خاصة للمستثمرين ويسلب من أجهزة القضاء الأوروبية سيادتها.

وفي رد على هذه الجزئية، أيدت المفوضة التجارية الأوروبية سيسيليا مالمششتروم مقترح وزير الاقتصاد الألماني بأن تنص الاتفاقية على شفافية إجراءات التحكيم الخاص، وإعطاء الحق بنقض نتيجة التحكيم على أن يتحمل الطرف الخاسر في الدعوة نفقاتها.

ونظم معارضون للاتفاقيتين مظاهرة أمام مقر الحزب الاشتراكي حيث عقد المؤتمر المذكور، واعتبرت منظمة المظاهرة ماريتا شتراسه للجزيرة نت الاتفاقية الأوروبية الأميركية ستؤدي إلى إغراق الدول الأوروبية بأغذية ضارة مخالفة للمعايير الصحية والبيئية الأوروبية، كما أن إعطاء الاتفاقية للمستثمرين الحق في مقاضاة الدول عبر مُحكمين مستقلين "أمر غير ديمقراطي ويسلب السيادة من القضاء الأوروبي".

واعتبرت شتراسه أن نسبة الزيادة في نمو دول الاتحاد جراء تطبيق الاتفاقية والمقدرة بـ0.5% في غضون عشر سنوات "لا تعد شيئا يذكر".

المصدر : الجزيرة