عبد الحافظ الصاوي

ثمة حالة من الإرباك تشهدها السوق المصرية بعد القرار الأخير للبنك المركز المصري بتحديد سقف الإيداع اليومي بعشرة آلاف دولار والإيداع الشهري بخمسين ألف دولار للأفراد والشركات، ولم يعد الأمر مجرد خلاف في وجهات النظر بين خبراء أو أكاديميين اقتصاديين، ولكن الشكوى أتت هذه المرة من منظمات أعمال تأثرت سلبا بهذا القرار، ورفعت مذكرات بشكواها إلى الحكومة ومحافظ البنك المركزي.

وقد رفعت غرفة الصناعات التعدينية باتحاد الصناعات المصرية وشعبة المستوردين بالاتحاد نفسه مذكرة -كل على حدة- لحكومة إبراهيم محلب ومحافظ المركزي المصري هشام رامز.

وذكرت غرفة الصناعات التعدينية في مذكرتها التي نشرتها وسائل إعلام محلية بأن 75% من مستلزمات إنتاج مصانع الحديد بمصر يتم استيرادها، وأنها مهددة بالتوقف بسبب عدم توفر الدولار، والشيء نفسه قالته شعبة المستوردين، إذ ذكرت أن نسبة كبيرة من واردات البلاد عبارة عن قطع غيار ومستلزمات إنتاج.

مفاجئ ومربك
ويؤيد الخبير المالي محمد عسران أي إجراء من قبل البنك المركزي للقضاء على السوق السوداء، وضبط سوق سعر الصرف، وتوفير العملات الأجنبية بشكل مناسب لاستخداماتها الاقتصادية التي تخدم النشاط الاقتصادي بمصر.

اقتصاديون يرون أن قرار تقييد الائتمان كان إيجابيا ولكن أربك السوق (الأوروبية)

ولكن عسران يرى في تصريح للجزيرة نت أن قرار المركزي بشأن تقييد الائتمان رغم إيجابية الهدف الذي صدر من أجله جاء مفاجئا ومربكا للسوق، فالكثير من المستوردين كانت لديهم بضائع في الموانئ والمطارات، ويحتاجون لعملية الإفراج عنها، وقد تأخر هذا الأمر بسبب القيود التي وضعت بشأن إيداع الدولار.

ويضيف المتحدث نفسه بأن المصانع كذلك تعاني من أزمة بسبب قرار البنك المركزي، بالنظر إلى صعوبة توفير مستلزمات الإنتاج وقطاع الغيار.

وللتغلب على هذه الأزمة، يرى عسران أن على البنك المركزي توفير السيولة الدولارية للاستخدامات الاقتصادية بشكل مناسب، ثم يضع بعد ذلك ما يشاء من القيود.

ويشدد الاقتصادي المصري على أنه بإمكان البنك المركزي أن يحرك سعر الدولار بالسوق الرسمية بنسبة يراها مناسبة لإمكانيات السوق، وذلك لتشجيع حائزي العملة الأميركية على بيعها للبنوك، والوصول إلى مستويات تلبي احتياجات المصانع والمستوردين، وباقي احتياجات الأنشطة الاقتصادية الأخرى.

وعن إمكانية أن يساهم المؤتمر الاقتصادي المنتظر عقده الشهر المقبل بشرم الشيخ في تدفقات الدولار على مصر، يؤكد عسران أن تحقيق هذا الأمر في الأجل القصير صعب جدًا، وسيتوقف على طبيعة الاتفاقيات المبرمة في المؤتمر مع المستثمرين الأجانب.

أزمة تنسيق
من جانب آخر، يشير الاقتصادي محمود عبد الله إلى وجود أزمة تنسيق في إدارة المشهد الاقتصادي في مصر، فاتخاذ قرار البنك المركزي كإجراء للحد من تجارة العملة بالسوق السوداء هو أمر سليم من حيث المبدأ، ولكن لم يتم التنسيق بشأنه مع باقي الفاعلين الاقتصاديين من مصنعين ومستوردين، فضلا عن قراءة خريطة واردات البلاد.

المستوردون بمصر اشتكوا من شح السيولة الدولارية نتيجة قرار البنك المركزي (رويترز)

ويضيف عبد الله أن توقيت القرارات الخاصة بضبط سعر الصرف بمصر كان مناسبا، إذ أعلن عنه فور تنحي الرئيس المخلوع حسني مبارك في فبراير/شباط 2011، بحيث يتم تحرير سعر صرف الجنيه، وتكبيد الأجانب ومهربي الثروات من المصريين خسائر كبيرة جراء خروجهم من السوق، كما أسهم في ترشيد الواردات.

وحسب المتحدث نفسه فإنه لو اتخذ قرار تقييد الائتمان في حينها لحافظت مصر على رصيدها من احتياطي النقد الأجنبي، ولكان للبنك المركزي اليد الطولى في إدارة السياسة النقدية، ولا سيما ما يتعلق بسعر الصرف واحتياطي النقد الأجنبي.

المرونة مطلوبة
ويطالب عبد الله بتحلي البنك المركزي بالمرونة في هذه المرحلة، لكي لا تؤدي قراراته لشل النشاط الاقتصادي، وأن يسمح بهامش أكبر للمصنعين والمستوردين في تدبير احتياجاتهم من النقد الأجنبي، وإن كان ذلك يؤدي إلى إنعاش السوق الموازية مؤقتا، حتى تتاح للبنك المركزي موارد دولارية تمكنه من إدارة سياساته.

ويرى الاقتصادي أن شكوى منظمات الأعمال تدل على أن المواطنين لم يستجيبوا لقرار البنك المركزي ولم يغرهم السعر الرسمي، وما زالوا يحتفظون بمدخراتهم خارج الجهاز البنكي.

المصدر : الجزيرة