جيفري ساكس وهندريك دو توا


ارتفاع حرارة الأرض وآثاره الكارثية
توجيه المدخرات نحو البلدان الفقيرة
توجيه الاستثمار نحو الطاقات المتجددة
إشراك المواطنين وتشجيع الاستثمار المسؤول

إن الأسواق المالية تحقق وظيفتين في غاية الأهمية، هما توجيه المدخرات نحو الاستثمار المنتج، وتمكين الأفراد والشركات من إدارة المخاطر عن طريق التنويع والتأمين، ونتيجة لهذا فإن هذا القطاع يشكل ضرورة أساسية للتنمية المستدامة، وهذه الأخيرة تمثل فرصا استثمارية على نطاق عالمي وتحديات غير مسبوقة في إدارة المخاطر.

ولهذا السبب، فعندما يلتقي زعماء العالم في يوليو/تموز المقبل بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا لحضور مؤتمر التمويل من أجل التنمية يتعين على القطاع المالي أن يكون على استعداد لتقديم حلول عملية عالمية للتحديات المرتبطة بتمويل النمو، وجهود الحد من الفقر، وتحقيق الاستدامة البيئية.

لقد دخلنا الآن عام التنمية المستدامة، ففي ثلاث قمم عالمية متعاقبة: مؤتمر أديس أبابا، واجتماع الأمم المتحدة لتبني أهداف التنمية المستدامة، ومؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ بباريس ستحاول 193 حكومة ضمان استمرار النمو العالمي وجهود الحد من الفقر في إطار بيئة طبيعية آمنة.

إن الاقتصاد العالمي -رغم كل العراقيل الضخمة التي يواجهها- يحقق نموا سنويا كليا بنسبة 3% إلى 4%، وهذا يعني مضاعفة الناتج في كل جيل، ورغم هذا فإن الاقتصاد العالمي لا يحقق النمو المستدام في جانبين أساسيين، ففي العديد من مناطق العالم كان النمو مائلا لصالح الأغنياء، وكان مدمرا للبيئة إلى حد يهدد الحياة عندما نتابع الأمر على مدى قرن كامل، وليس وفقا لتقارير ربع سنوية أو دورات انتخابية من سنتين.

الاقتصاد العالمي لا يحقق النمو المستدام في جانبين أساسيين، ففي العديد من مناطق العالم كان النمو مائلا لصالح الأغنياء، وكان مدمرا للبيئة إلى حد يهدد الحياة عندما نتابع الأمر على مدى قرن كامل

   ارتفاع حرارة الأرض وآثاره الكارثية
والواقع أن تغير المناخ هو أعظم التحديات البيئية، وإن لم يكن الوحيد على الإطلاق، وبالنظر إلى مسار استخدام الوقود الأحفوري الحالي فإنه من المرجح أن ترتفع حرارة كوكب الأرض بما بين أربع وست درجات مئوية فوق مستوى ما قبل الثورة الصناعية، وهي زيادة ذات آثار كارثية على الإنتاج الغذائي وصحة البشر والتنوع البيولوجي، بل إنها قد تهدد في العديد من أجزاء العالم قدرة المجتمعات على البقاء.

وقد اتفقت الحكومات بالفعل على إبقاء الارتفاع في درجة الحرارة عند مستوى أقل من درجتين مئويتين، ولكنها لم تتخذ حتى الآن خطوات حاسمة نحو خلق نظام طاقة منخفض الكربون.

ويتعين على الصناعة المالية أن تقوم بدور محوري في تحفيز تحول العالم نحو النمو المستدام الشامل، فالأسواق المالية الفعالة قادرة على نقل المعلومات الطويلة الأجل للمدخرين والمستثمرين، وبالتالي تمكين الشركات، وصناديق التقاعد، وقطاع التأمين، وصناديق الثروة السيادية وغيرها من تخصيص مواردها لمشاريع تعود بفوائد ملموسة طويلة الأجل، وتحمي مدخراتها من الكوارث المالية.

ونتيجة لمعطى التغير المناخي فإن المطلوب هو أن نضع في الحسبان على سبيل المثال ما إذا كانت المناطق الساحلية أو المناطق الزراعية ستتمكن من تحمل آثار هذا التغير.

   توجيه المدخرات نحو البلدان الفقيرة
ويتعين على الأسواق المالية الفعالة أن تعمل أيضا على توجيه قدر أكبر من المدخرات العالمية من البلدان ذات الدخل المرتفع -حيث آفاق النمو الطويل الأجل ضعيفة نسبيا- إلى المناطق ذات الدخل المنخفض حيث آفاق النمو قوية نسبيا، وذلك في ظل الفرص الجديدة القائمة من أجل الدفع بالتنمية عبر الاستعانة ببنية أساسية ذكية قائمة على المعلومات.

وقبل عشر سنوات فقط كان مئات الملايين من الأفارقة في المناطق الريفية يعيشون خارج تدفق المعلومات العالمية، وبفضل الانتشار السريع لتقنية الإنترنت ذي النطاق العريض أصبحت القرى التي كانت معزولة ذات يوم قادرة على الاستفادة من الخدمات المصرفية على شبكة الإنترنت، وخدمات النقل والصناعات الزراعية، وبرامج الصحة والتعليم.

ومن أجل اغتنام فوائد التكنولوجيات الجديدة على أوسع نطاق، وتجنب الاستثمارات التي تفاقم الأزمات البيئية المتتالية فإن الصناعة المالية ستحتاج لفهم الكيفية التي ستعيد بها أهداف التنمية المستدامة تشكيل واقع الاستثمارات في العالم.

وقد حان الوقت الآن لتبني مفهوم الاستثمار الحقيقي الطويل الأجل الذي يتطلب حشد قدرة المؤسسات على توفير رؤوس الأموال من أجل دعم فرص الاستثمار الكفيلة بتأمين مستقبل مستدام للجميع.

من أجل اغتنام فوائد التكنولوجيات الجديدة على أوسع نطاق وتجنب الاستثمارات التي تفاقم الأزمات البيئية المتتالية فإن الصناعة المالية ستحتاج لفهم الكيفية التي ستعيد أهداف التنمية المستدامة تشكيل واقع الاستثمارات في العالم

ونحن نعلم أن الأمر يتطلب استثمارات هائلة من القطاعين العام والخاص للتحول نحو اقتصاد منخفض الكربون من أجل الانتصار في الكفاح العالمي ضد الفقر والمرض، وتوفير التعليم العالي الجودة والبنية الأساسية المادية في مختلف أنحاء العالم.

ويتعين اليوم على المستثمرين الواعين والصناعة المالية ككل أن يتطلعوا إلى المستقبل، وعدم حصر اهتمامهم بأسعار وسياسات السوق في الحاضر والمستقبل.

توجيه الاستثمار نحو الطاقات المتجددة
وعلى سبيل المثال، لا يوجد اليوم سعر عالمي للكربون لتحويل الاستثمار في الطاقة من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة، ولكننا نعلم أن ضرورة الإبقاء على الانحباس الحراري العالمي عند مستوى أدنى من درجتين مئويتين تعني أن هذا السعر المنتظر قد يظهر قريبا.

وبوصفهم وكلاء لرأس المال الطويل الأجل فإن من غير الممكن أن يتجاهل المستثمرون اليوم سعر الكربون المنتظر، والتحول نحو مصادر الطاقة منخفضة الكربون، وهذا يعني أن يبتكروا السبل العملية اللازمة لتمويل وتشجيع هذا التحول المطلوب.

ونعتقد أن قياديي القطاع المالي يريدون لصناعتهم أن تضطلع بدور حيوي في التنمية المستدامة، ونحثهم على المساهمة بنشاط في الفرصة الفريدة الماثلة في هذا العام. وبوسع القائمين على التمويل اليوم أن يختاروا بين أن نتذكرهم كمتسببين في الأزمة المالية عام 2008، أو بسبب جهودهم الخلاقة البارعة لتشجيع النمو المستدام.

وبافتراض أن قادة القطاع المالي اختاروا الاحتمال الثاني فينبغي لصناعة المال أن تعمل مع الحكومات من أجل خلق إطار عالمي للاستثمار يتضمن الحوافز المناسبة للتصدي للتحديات التي يفرضها النمو المستدام.

وهذا يعني ضمنا استمرار عولمة التمويل، وهو العنصر الذي يشكل ضرورة أساسية لتخصيص الأموال من المناطق الغنية برأس المال إلى المناطق الفقيرة التي تفتقر إلى رأس المال، فضلا عن تطوير أسواق رأس المال المحلية القادرة على تسهيل عمليات تكوين رأس المال لحماية البلدان من تقلبات الأسواق العالمية.

إشراك المواطنين وتشجيع الاستثمار المسؤول
وينبغي للقادة الماليين أيضا أن يشركوا المواطنين (المدخرين) في هذا المسار نحو اقتصاد عالمي أكثر عدلا واستدامة، وهذا يعني تشجيع الاستثمار المسؤول عبر تبني معايير أكثر صرامة في الإشراف على سبيل المثال، وذلك عن طريق إلزام مسؤولي مَحافظ الشركات على تلبية أهداف معينة في موضوع الاستدامة.

كما يتطلب إشراك المواطنين المساهمة في وضع إطار جديد للاستثمار في البنية الأساسية العالمية التي توجه الموارد بعيدا عن المشاريع الضارة بالبيئة، والعمل على الحد من الهدر المرتبط غالبا بالمحسوبية السياسية.

منذ الثورة الصناعية كان التمويل أداة تمكين قوية للتقدم البشري، وتتلخص المهمة العظيمة المنوطة بهذا الجيل من القادة الماليين في ضخ الاستثمارات في مجال المهارات والبنية الأساسية والتكنولوجيات المستدامة القادرة على القضاء على الفقر ونشر الرخاء وحماية كوكب الأرض، وسيكون أولئك الذين يتحركون أولا لتنفيذ هذه المهمة هم الأكثر حكمة وثراء.
ـــــــــــــ
جيفري ساكس أستاذ التنمية المستدامة، ومدير معهد الأرض في جامعة كولومبيا، والمستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الأهداف الإنمائية للألفية.
هندريك دو توا الرئيس التنفيذي لمؤسسة إنفستيك لإدارة الأصول.

المصدر : بروجيكت سينديكيت