ياسين بودهان-الجزائر

تواجه خطط الحكومة الجزائرية لتحرير الأسعار ومراجعة سياسة الدعم لمختلف المنتجات بشكل تدريجي انتقادات خبراء اقتصاد وبرلمانيين، فقد حذر هؤلاء الحكومة من أن وقف الدعم ولو بشكل تدريجي ستكون له تداعيات وخيمة على الفئات الهشة والضعيفة.

وكان وزير المالية عبد الرحمن بن خالفة أكد مؤخرا في تصريحات أن "السلطة تعكف حاليا على تطبيق إستراتيجية للخروج من النظام العام لدعم المنتجات للانتقال إلى نموذج دعم مستهدف من خلال تحرير الأسعار، وتخصيص منحة مالية لفائدة الفئات ذات الدخل الضعيف".

وبين أن الإستراتيجية سيتم تنفيذها في غضون سنتين أو ثلاث بعد الانتهاء من وضع قوائم خاصة للجزائريين المعنيين بهذا الإجراء، والمقدر عددهم حسب الوزير بعشرة ملايين شخص.

بالمقابل، ستشهد أسعار الوقود والكهرباء والغاز تحريرا لأسعارها لتباع بقيمتها الحقيقية مطلع العام 2016.

رشيد قالون: سياسات دعم المنتجات في الأصل خاطئة (الجزيرة نت)

وبرر اللجوء إلى هذا الإجراء بأن النموذج الحالي لدعم الأسعار لا يفرق بين الأغنياء والفقراء وهو إسراف في المال العام.

وتقدر التحويلات الاجتماعية التي تدفعها الجزائر مقابل دعم الأسعار بـ19 مليار دولار سنويا.

أجرة ثانية
وتسعى الحكومة من وراء إقرار هذه الخطط التي تضمنتها موازنة 2016 -والتي فجرت صراعا بين السلطة والمعارضة- لمواجهة تداعيات انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية والذي تسبب في تراجع مداخيل البلاد بأكثر من 50%، وتعتمد الجزائر على العائدات النفطية بنسبة 98% في تمويل اقتصادها.

واللافت أن سياسات دعم المنتجات كانت في السابق أيضا محل انتقادات من طرف خبراء اقتصاد ومؤسسات دولية كون الدعم يستفيد منه الفقير كما يستفيد منه الغني.

وكان صندوق النقد الدولي وجه انتقادات للجزائر في تقريره الصادر في 2014، وقال إنها لا تمتلك آفاقا طويلة الأجل كبلد نفطي في استغلال هذه المادة، ودعا الحكومة الجزائرية إلى ضرورة مراجعة وإصلاح سياسات الدعم التي تطبقها.

وعلى الرغم من أن وقف الدعم خلال مطلع القادم سيمس الوقود والكهرباء والغاز فإن خبراء اقتصاد وبرلمانيين حذروا من تداعيات هذا القرار، لأن رفع الدعم عن هذه المواد سينعكس سلبا على أسعار مختلف المواد الاستهلاكية التي شهدت في الأصل ارتفاعا، فقد سجل مؤشر الأسعار خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري ارتفاعا بـ5.5 % حسب أرقام الديوان الوطني للإحصاء وهو هيئة حكومية.

غير واقعية
وشدد عضو لجنة المالية في البرلمان عن حركة النهضة رشيد قالون على أن سياسات دعم المنتجات في الأصل خاطئة كونها لا تميز بين فقير أو غني.

لكن الأغرب برأيه أن رفع الدعم أيضا يمس الجميع من دون استثناء، وهو الأمر الذي يقول إنه سيكون كارثيا على القدرة الشرائية للفئات الهشة، وسيؤدي إلى استمرار وتيرة التضخم، والتي بلغت في مايو/أيار الماضي 4.8% مقابل 4.1% في أبريل/نيسان الماضي.

وأوضح للجزيرة نت أن الدعم المستهدف الذي تتحدث عنه الحكومة من خلال تخصيص أجرة ثانية على شكل منح للفقراء أمر غير واقعي لأنه صعب تحقيقه، كما أن الانتهاء من ذلك في خلال عامين ضرب من الخيال لأن الأمر برأيه يتطلب تحضيرا مسبقا مع وضع آليات معقدة وصارمة.

ويتساءل: "كيف لحكومة فشلت في تسيير إعانة رمضان أن تنجح في إيصال الدعم المالي للفئات الهشة والمحرومة".

فارس مسدور أشار إلى لعبة مد وجزر تقوم بها الحكومة (الجزيرة نت)

وبرأيه كانت هناك أبواب عدة لضمان التوازن في الميزانية والخروج من الأزمة بكل أريحية خلال العامين القادمين من دون إثارة الهلع والخوف بين أوساط الجزائريين.

من جانبه، اعتبر الخبير المالي فارس مسدور أن لجوء الحكومة إلى رفع أسعار الكهرباء والغاز والوقود مطلع العام القادم، والحديث عن رفع تدريجي للدعم على أسعار مختلف المنتجات الأخرى ما هو إلا لعبة مد وجزر يقوم بها وزير المالية.

وشرح وجهة نظره بقوله للجزيرة نت "في الحقيقة هذه لعبة لم يفهمها الكثير من الجزائريين، لأن زيادة أسعار الوقود والكهرباء والغاز معناها زيادة فاتورة الاستهلاك، مما ينعكس آليا على أسعار الخدمات ومختلف المنتجات".

والأمر الأخطر برأيه لا يتوقف على رفع الدعم، وإنما في كون هذه الخطط تم إقرارها من طرف منتدى رؤساء المؤسسات وهو أمر اعتبره في غاية الخطورة، لأن من سماهم رجال المال وليس الأعمال "يتحكمون في مستويات الأسعار، وينتقلون من الاحتكار على مستوى مؤسساتهم إلى الاحتكار على مستوى الاقتصاد الوطني ككل".

وتساءل قائلا "الحكومة تقول إنها ستقوم بوضع قائمة للفقراء في غضون عامين أو ثلاث، وأنا أسألها: هل هؤلاء خلال العامين يموتون جوعا في انتظار بطاقاتك؟".

المصدر : الجزيرة