يخشى اقتصاديون من انعكاسات العجز المتفاقم في الموازين المالية بمصر، ولا يرون في الاقتراض من الخارج حلا ناجعا لهذه الأزمة التي أسهمت في إنتاجها عوامل عديدة.

عبد الحافظ الصاوي

بعد إعلان البنك المركزي المصري بلوغ عجز ميزان المدفوعات 3.7 مليارات دولار خلال الربع الأول من العام المالي 2015-2016 (يوليو/تموز-سبتمبر/أيلول 2015)، أعلنت وزارة المالية أن عجز الموازنة العامة للدولة في الفترة بين يوليو/تموز وأكتوبر/تشرين الأول 2015 بلغ ما يعادل 12.5 مليار دولار.

وعلى الرغم من أن الأداء السلبي للاقتصاد المصري لا يقتصر على هذين المؤشرين فقط، فإن دلالة الارتباط بينهما توضح حجم الأزمة التمويلية التي تعانيها مصر، فلم يعد يصلح الاعتماد على الدعم الخليجي، أو الحصول على بعض القروض من هنا وهناك لتسكين أوضاع متأزمة لفترات قصيرة.

ويرى الخبراء أن عجز ميزان المدفوعات بهذا الحجم يكشف مدى هشاشة وضعه الخاص خلال الفترة الماضية، وأن ما تحقق من فوائض كان نتيجة الحصول على الدعم الخليجي والقروض الخارجية، كما يدلل على أن أزمة مصر التمويلية لن ترى حلولا في الأجل القصير، وسيكون لها انعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية.

استفحال العجز
يقول رئيس لجنة الشؤون المالية والاقتصادية بمجلس الشورى المصري سابقا محمد الفقي في حديث للجزيرة نت إن عجز ميزان المدفوعات خلال الربع الأول من العام 2015-2016 لم يعكس الأثر السلبي لأزمة السياحة المصرية بشكل رئيسي، لأن حادثة سقوط طائرة الركاب الروسية في سيناء في نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي أتت بعد هذا الربع.

السياح الروس والبريطانيون رحلوا عن مصر بعد سقوط الطائرة الروسية (أسوشيتد برس-أرشيف)

وتوقع الفقي أن تكون الآثار أوضح خلال الربعين الثاني والثالث من العام المالي الحالي، بسبب رحيل السياح الروس والبريطانيين عن مصر، وفرض حظر من قبل دول أوروبية وغير أوروبية على السفر لمصر.

ويوضح الفقي أن من أسباب العجز تراجع تحويلات المصريين بالخارج بنحو 417 مليون دولار خلال الربع الأول من العام المالي، مقارنة بالفترة المناظرة من العام السابق، بينما اقتصرت التحويلات الرسمية على 22 مليون دولار، بعد أن كانت 1.4 مليار دولار في الفترة المناظرة من العام السابق.

ويتوقع الفقي أن يتزايد العجز بميزان المدفوعات بنهاية العام 2015-2016 إلى نحو 16 مليار دولار، بسبب استمرار تراجع عوائد الصادرات، وزيادة فجوة العجز بالميزان التجاري، ومن جهة أخرى تراجع العوائد السياحية.

ويؤكد أن تفاقم عجز ميزان المدفوعات يدلل على أن مصر ستعيش حالة من التراجع الاقتصادي غير المسبوق بسبب سوء الإدارة الاقتصادية الحالية، حسب رأيه.

اللجوء لصندوق النقد
أما الخبير الاقتصادي محمد رمضان فيرى أن مشكلة عجز ميزان المدفوعات بمصر من القضايا المعني بها صندوق النقد الدولي، وقد لوحظ من خلال خطاب المسؤولين المصريين أنهم يجهزون لاتفاق مع صندوق النقد الدولي لعرضه على البرلمان، الذي ينتظر أن يبدأ جلساته خلال أيام.

ويتخوف رمضان إذا تم التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي أن يكون ذلك على حساب الفقراء، وأن تتخلى الدولة عن تقديم بعض الخدمات التي تستفيد منها الطبقتان المتوسطة والفقيرة، وهو ما قد يرفع معدل الفقر فوق نسبة 26% من الشعب المصري بمعدلات كبيرة.

ويضيف للأسباب السابقة التي زادت العجز بميزان المدفوعات، توقف الدعم الخليجي خاصة من قبل السعودية والإمارات، اللتين تأثرتا بانهيار أسعار النفط في السوق العالمية.

وحول الآثار السلبية لعجز ميزان المدفوعات، يؤكد رمضان أن الأمر سينعكس في استمرار أزمة الدولار، والارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات، وما لم يتم تدبير تمويل متوسط الأجل -على الأقل- من الخارج فسيؤدي ذلك إلى زيادة معدلات الركود بالاقتصاد المصري، الذي يعتمد على استيراد نسبة كبيرة من مستلزمات إنتاجه من الخارج.

ويتوقع رمضان أن تتجه مصر للاقتراض الخارجي بشكل كبير خلال المرحلة المقبلة، ولكنه حذّر من أن يكون الاقتراض الخارجي لتغطية الإنفاق الجاري وسد عجز الموازنة، مطالبا بأن يكون الاقتراض لمشروعات إنتاجية.

المصدر : الجزيرة