ما زال كثير من الجزائريين يحتفظون بأموالهم داخل البيوت، وما زالت السوق السوداء والموازية تستقطب مليارات الدولارات خارج رقابة الدولة، في ظل غياب الإمكانات الإلكترونية بالنظام المصرفي الجزائري.

ياسين بودهان-الجزائر

رغم الوعود المتكررة للحكومة الجزائرية بتعميم التعاملات الإلكترونية على مستوى مختلف البنوك المحلية بهدف تقديم خدمة أفضل للزبائن ومحاربة المشاكل المصرفية، بقيت هذه الوعود حبرا على ورق.

ومن جديد، صرحت مديرة النقد الآلي على مستوى بنك التنمية المحلية (بنك حكومي) هيبة حبيباش مؤخرا بأن "2016 سيكون عاما لتعميم التعاملات الإلكترونية"، وقالت إن "البنوك الجزائرية تعمل حاليا على تجهيز نفسها بالأنظمة الذكية".

وأكدت حبيباش أن "هذه الجهود تأتي تطبيقا لإرادة سياسة للدولة في محاولة منها لتقديم خدمة أفضل للزبائن، ومحاربة مختلف المشاكل المصرفية التي تعاني منها البنوك".

وفي الحقيقة فإن هذا الوعد ليس الأول من نوعه، فقد وعد سابقا معتصم بوضياف المدير العام لمجموعة المنفعة الاقتصادية للنقد المالي -وهي مؤسسة أنشأتها الجمعية المهنية للبنوك والمؤسسات المالية في يونيو/حزيران 2014 لتطوير الدفع بالإنترنت وتعميم الدفع بالبطاقة البنكية- بأن 2015 ستكون سنة تعميم النقد الآلي بـالجزائر.

نظام تقليدي
ورغم أن أغلب البنوك العالمية بلغت مستويات عالية في رقمنة المعاملات المصرفية، من خلال تمكين زبائنها من عمليات سحب وإيداع الأموال عن طريق الإنترنت، والهاتف الجوال دون اللجوء إلى الشبابيك المصرفية، ما زالت البنوك الجزائرية تعتمد على الورق في المعاملات البنكية، مما جعل منها أحد أكثر الأنظمة المصرفية تخلفا في العالم. 

يونس قرار يرى أن الجزائر تخسر الكثير بسبب عدم استخدام وسائل الدفع الإلكتروني (الجزيرة)

في السياق نفسه، انتقد آخر تقرير لوزارة الخارجية الأميركية بشأن الجرائم المالية المؤسسات المصرفية الجزائرية حينما أكد أن "هذه المؤسسات يسودها نظام فوضى ما زال يعتمد على الورق في المعاملات المالية"، مشيرا إلى أن "مسؤولي البنوك الحكومية ليسوا مؤهلين ومستواهم ضعيف".

وبسبب الطريقة التقليدية التي تطبع عمل البنوك الجزائرية، خاصة الحكومية منها، يفضل غالبية الجزائريين حفظ أموالهم في البيوت بدل البنوك، ويشدد خبراء على أن الاعتماد على وسائل الدفع الإلكتروني هو الخيار الأفضل لاستقطاب هذه الأموال، إلى جانب الأموال التي تدور خارج الرقابة الحكومية.

ويقول يونس قرار الخبير في التكنولوجيات الجديدة والمستشار الأسبق لوزيرة البريد إن الجزائر تخسر الكثير من عدم استخدام وسائل الدفع الإلكتروني، وكشف أن السوق السوداء والموازية تستقطب أكثر من أربعين مليار دولار تمثل صفقات وعمليات تجارية تتم بعيدا عن رقابة الدولة.

وبيّن للجزيرة نت أن "تعميم وسائل الدفع الإلكتروني سيستقطب جزءا هاما من هذه الأموال التي لا تستفيد منها الحكومة وتضر بالاقتصاد".

ولفت قرار إلى أن غياب ثقافة الدفع الإلكتروني في المجتمع الجزائري يفرض تطبيق هذا الأمر تدريجيا، خاصة ما يتعلق باستقطاب الأموال الموازية، والذي يجب أن يتم في البداية برأيه عن طريق منح امتيازات للزبائن مثل إعفائهم من الضرائب لمدة معينة.

وأكد أن الدفع الإلكتروني يضمن حلولا لمشاكل عدة، أهمها القضاء على مشكلة الأوراق النقدية المزورة، وحماية الزبائن من عمليات السرقة، إلى جانب حماية المؤسسات الكبرى من أخطاء الموظفين التي تكلف بعض الشركات خسائر كبيرة.

أزمة السيولة
من جانبه يؤكد الخبير الاقتصادي الصالح سليماني أن تعميم وسائل الدفع الإلكتروني سيقضي على أزمة السيولة النقدية التي تشهدها الجزائر بشدة في السنوات الخمس الأخيرة, ففي كل مناسبة اجتماعية تجد البنوك ومؤسسات البريد التي تخدم أكثر من 15 مليون زبون نفسها عاجزة عن تلبية طلبات زبائنها.

كما سيقضي الدفع الإلكتروني برأيه على مشكلة الطوابير التي تشهدها العديد من المؤسسات الحكومية التي يتدافع أمامها الجزائريون لدفع فواتير الكهرباء والماء والغاز وغيرها من الفواتير.

ويقدّر سليماني أن اعتماد نظام الدفع الإلكتروني سيساهم في ارتفاع المعاملات المالية بنسبة تفوق 200%، كما سيساهم في ارتفاع الناتج المحلي بنقطة أو نقطتين على أقل تقدير.

ويبقى التحدي الذي يجب على الجزائر أن تواجهه حسب حديثه للجزيرة نت هو قدرتها على تأمين المبادلات المالية الإلكترونية، وهو أمر متاح بتقديره من خلال الاستفادة من التطور التكنولوجي في هذا المجال عالميا.

المصدر : الجزيرة