في حالة من القلق يراقب المواطنون الروس هبوط الروبل، إذ إن مداخيل غالبيتهم تكاد لا تكفي لسد احتياجاتهم الأساسية، في حين تتشبث الفئة الأكثر حظا بما تملكه من العملة الصعبة خوفا من المستقبل.

افتكار مانع-موسكو

تعرضت العملة الروسية لموجة هبوط جديدة متأثرة بانخفاض أسعار النفط العالمية لتسجل في بداية الأسبوع مستوى جديدا عند 72.3 روبلا مقابل الدولار و79.4 روبلا مقابل اليورو، وسط توقعات الخبراء بأن يستمر تراجع الاقتصاد الروسي في المرحلة المقبلة.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أعلن مؤخرا أن الناتج المحلي الإجمالي انكمش في العام 2015 بنسبة 3.7%، ودعا روسيا للاستعداد "لكل السيناريوهات" نظرا لتدني أسعار النفط.

وتمر روسيا بأزمة مالية حادة منذ نحو عامين جراء تهاوي أسعار النفط العالمية، والعقوبات التي فرضها الغرب على البلاد جراء الأزمة الأوكرانية، وقد فقدت العملة الروسية نحو 50% من قيمتها خلال عام واحد، وهو ما تسبب في غلاء أسعار عدد كبير من السلع، ليبلغ معدل التضخم السنوي نحو 11%.

الخاسر الأكبر
وتوضح الخبيرة المالية فالنتينا نيكندرفنا أن الروبل تأثر في الفترة الماضية بعدة عوامل، في مقدمتها انخفاض أسعار السلع المصدرة، والطلب المحموم من البنوك والمؤسسات المالية على العملات الأجنبية. كما تزايد طلب الشركات ورجال الأعمال على شراء العملة الصعبة لسداد الديون والالتزامات الخارجية، فضلا عن أن تقلبات العملة الروسية أدت إلى تزايد نشاط المضاربة في الأسواق المالية.

الروبل فقد نصف قيمته تقريبا في عام واحد (الجزيرة)

وأضافت نيكندرفنا أن هذه العوامل أظهرت مشكلات في السيولة، مما أدى لزيادة انهيار سعر صرف الروبل، فيما بات البنك المركزي عاجزا عن التأثير بشكل فعال في الأزمة، لا بضخ كميات من الدولار في الأسواق ولا برفع أسعار الفائدة على الروبل.

كل ذلك يرجع أساسا إلى انخفاض عائدات موارد الطاقة التي تشكل معظم مدخولات الخزينة الروسية إلى جانب العقوبات الغربية واضطرار روسيا للرد تحت شعار الاستعاضة عن المستورد.

أسوأ مرحلة
ويقول الخبير الروسي أرمان توديفسيان إن الوضع الاقتصادي لم يكن بهذا السوء منذ تولي الرئيس فلاديمير بوتين سدة الحكم قبل 15 عاما، ويؤكد أن تقلبات سعر الروبل أوجدت حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي وعدم الثقة بالعملة المحلية.

هبوط العملة أدى إلى ارتفاع أسعار المنتجات المستوردة وزيادة الطلب على البدائل المحلية مما أدى لرفع أسعارها هي الأخرى، وهذه العوامل أثرت سلبيا على القدرة الشرائية للمواطن الروسي

ويضيف توديفسيان في حديث للجزيرة نت أن الفترة الماضية شهدت خروج رؤوس أموال من روسيا وسحب استثمارات، كما أن الكثير من الشركات الأوروبية والأميركية والآسيوية خرجت من السوق أو قلصت أنشطتها للحد الأدنى.

وأشار إلى أن القطاع الخاص الروسي لجأ إلى تقليص الرواتب أو تسريح الموظفين مع الاكتفاء بالحد الأدنى الممكن من الكوادر ليتمكن من تجاوز الأزمة، وهذا كله أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض المداخيل الحقيقية للمواطنين بنسبة 22%. ومما زاد العبء المالي على المواطن، حسب قوله، أن الدولة رفعت من أسعار الكهرباء والماء.

ويوضح توديفسيان أن هبوط العملة أدى إلى ارتفاع أسعار المنتجات المستوردة وزيادة الطلب على البدائل المحلية، مما أدى لرفع أسعارها هي الأخرى، وهذه العوامل أثرت سلبيا على القدرة الشرائية للمواطن بحيث أصبحت السلة الغذائية التي كانت تتطلب إنفاق ألف روبل قبل عامين باتت اليوم تتطلب الضعف تقريبا.

ويعيش المواطنون -وفق ما يؤكده توديفسيان- في حالة انتظار وترقب لما سيحصل للروبل، فغالبية المواطنين مداخيلهم تكاد لا تكفي لسد الاحتياجات الأساسية، أما النسبة الأقل ممن يملكون فائضا ماليا فهم يحرصون على الاحتفاظ به بالعملة الصعبة خوفا من فقدان مدخراتهم.

ويستبعد الخبير الروسي أن يخرج اقتصاد بلاده من أزمته في المستقبل القريب، لعدم وجود أية مؤشرات انفراج في ظل استمرار أسعار النفط والغاز الطبيعي بالانخفاض، ولعدم وجود أية بوادر حقيقية لتحسن العلاقات الروسية مع الغرب، وعدم اتضاح أفق التدخل العسكري الروسي في سوريا.

المصدر : الجزيرة