تكبر رقعة الفقر في لبنان مع اتساع أزماته السياسية والاقتصادية، إذ يرى خبراء أن الظروف التي تعيشها البلاد تحول دون خلق فرص عمل مناسبة للمواطنين أو توفير سبل العيش الكريم، فضلا عن جذب الاستثمارات أو تطوير البنية التحتية.

وسيم الزهيري-بيروت

تحت سقف مؤلف من ألواح خشبية يعيش كميل مع زوجته وولديه في منزلهم الصغير الواقع بأحد الأحياء الشعبية بالعاصمة بيروت. فهذا الشاب الثلاثيني يعمل مياوما (يشتغل باليوم) في شركة لبيع الإطارات بمدخول زهيد يتأرجح صعودا وهبوطا تبعا لأيام عمله التي تحددها حاجة رب العمل لخدماته.

يعتمد كميل بشكل كبير على مساعدة الأصدقاء والجمعيات الخيرية لتلبية متطلبات المعيشة، ويسعى لتأمين عمل أفضل أو إيجاد وظيفة إضافية، غير أن فرص العمل أصبحت نادرة هذه الأيام، كما يقول للجزيرة نت، مشيرا إلى أنه يتعذر عليه في الكثير من الأحيان اصطحاب أحد أفراد عائلته إلى الطبيب لأسباب مادية.

حالة كميل تشكل عينة لفئة كبيرة من الشعب اللبناني ترزح تحت نير الفقر وتعاني أوضاعا اقتصادية واجتماعية صعبة، وهو ما أظهرته دراسة أعدتها إدارة الإحصاء المركزي بتمويل وتعاون من البنك الدولي تناولت قياس معدلات الفقر في لبنان.

وقد بينت الدراسة التي استندت لمسح ميزانية الأسر اللبنانية خلال عامي 2011 و2012 أن 27% من السكان فقراء، أي أن نحو مليون شخص لديهم مستوى استهلاك أدنى من خط الفقر، مشيرة إلى أن أعلى معدلات الفقر سجلت في مناطق شرق وشمال البلاد.

تفاوت كبير
كما كشفت الدراسة أن ما نسبته 20% من السكان -وهم الأكثر فقرا- كان نصيبهم 8% فقط من الاستهلاك الإجمالي، في حين أن 20% من السكان -وهم الشريحة الأكثر غنى- استهلكوا نحو 40% من إجمالي الاستهلاك.

كميل وأسرته يشعرون بوطأة الضغوط الاقتصادية (الجزيرة)

واعتبرت المديرة العامة لإدارة الإحصاء المركزي مارال توتاليان، في حديث للجزيرة نت، أنه من المنطقي أن تكون نسب الفقر قد ارتفعت بعد إجراء الدراسة الأخيرة نتيجة عوامل عدة منها انعكاسات الوضع في سوريا على الاقتصاد اللبناني، وتدفق أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين مع ما ترتب عليه من ارتفاع الاستهلاك والمنافسة في قطاعات مختلفة إضافة إلى تردي الكثير من القطاعات الإنتاجية.

وأشارت توتاليان إلى أن عملية الإحصاء الجديدة لنسب الفقر في لبنان ستجري خلال عام 2017.

من جهته، رأى المدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية زياد عبد الصمد أن نسبة الفقر التي توصلت إليها الدراسة ربما تكون قد ارتفعت بسبب الوضع في سوريا وتأثيره على لبنان لا سيما القطاع السياحي وتقلص حجم التصدير إلى الخارج.

اقتصاد غير منتج
وأوضح عبد الصمد، في حديثه للجزيرة نت، أن ارتفاع نسبة الفقر يعود إلى تحول الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد غير منتج يعتمد على الريع المالي والعقاري. ودعا إلى إعادة الاعتبار للاقتصاد المنتج وإعادة توزيع الدخل من خلال الضرائب المباشرة.

لبنان يعاني من ضعف البنية التحتية وتردي الخدمات (الجزيرة-أرشيف)

أما الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي، فانتقد ما سماه جهل القيمين على وضع السياسات المالية والاقتصادية في البلاد.

وعدد يشوعي، في حديث للجزيرة نت، الأسباب التي أوصلت إلى هذه النسب المرتفعة من الفقراء، فرأى أن لبنان يعتمد سياسة نقدية تؤدي إلى تقييد السيولة وارتفاع الفوائد وخفض الاستثمار والتوظيف وتعيق خلق فرص عمل.

واعتبر أن الجزء الأكبر من إنفاق الدولة خلال السنوات الـ 25 الأخيرة تركز على خدمة الدين العام، مشيرا أيضا إلى غياب تشجيع الاستثمارات وضعف البنى التحتية، إضافة إلى "اعتماد السياسات الضريبية العشوائية وتفشي الفساد والمحاصصة السياسية وتعثر عمليات الإصلاح".

ولفت يشوعي إلى أن تركز الفقر في مناطق الأطراف في الشمال والبقاع يعود لتدني مردود القطاع الزراعي.

المصدر : الجزيرة