عبد الناصر عبد العال

تراجعت أهمية مصادر الطاقة النووية مؤخرا لصالح مصادر الطاقة المتجددة بسبب كارثة انفجار مفاعلات فوكوشيما وضغوط جماعات أنصار البيئة والتقدم الكبير في تقنيات الطاقة المتجددة الذي أدى إلى انخفاض كبير في التكاليف وزيادة متسارعة في كفاءة حصاد الطاقة، ويبدو أن صفقة مصر النووية مع روسيا لم تأخذ هذه المستجدات في الحسبان.

فقد تعاقدت مصر مع روسيا على قيام الأخيرة ببناء أربعة مفاعلات نووية لمصر في منطقة الضبعة، كما اتفق على قيام روسيا بإقراض مصر 17 مليار دولار تستخدم في تغطية 85% من قيمة المفاعلات ويسدد القرض على 35 عاما.

وستساهم روسيا بـ85% مقابل مساهمة مصرية بـ15% من عمليات البناء.

وأعلن أن المفاعلات التي تم التعاقد عليها هي من الجيل الثالث بلاس (Generation III+) في حين أن مفاعلات الجيل الرابع (generation IV) سوف تدخل الخدمة بحلول عام 2020.

فروسيا تقوم حاليا ببناء المفاعل (BN-1200) في مقاطعة سفردلوفسك وهو من الجيل الرابع، وكان مقررا تشغيله عام 2017 وتأجل لعام 2020 لمزيد من التجارب، وسوف تبلغ تكلفة الكيلووات الناتج من هذا المفاعل 2.2 سنت فقط.

وطبقا لبنود الاتفاقية بين مصر وروسيا، سوف يتم تشغيل المفاعلات المتعاقد عليها على مراحل بين عامي 2020 و2022، أي أن بعضها سيبدأ العمل بعد سنتين من دخول مفاعلات الجيل الرابع الخدمة، مما يعني أن مصر تعاقدت على مفاعلات سوف تكون قديمة بمجرد تشغيلها.

الجيل الرابع للمفاعلات
أوروبا تستبدل المتجددة بالطاقة النووية
جاهزية مصر للتكنولوجيا النووية
 

الجيل الرابع للمفاعلات
معظم المفاعلات العاملة الآن هي من الجيلين الثالث والثالث بلاس اللذين يعملان بتقنية الخمسينيات من القرن الماضي مع بعض التحسينات الطفيفة.

طبقا لبنود الاتفاقية بين مصر وروسيا سوف يتم تشغيل المفاعلات المتعاقد عليها على مراحل بين عامي 2020 و2022 أي أن بعضها سيبدأ العمل بعد سنتين من دخول مفاعلات الجيل الرابع الخدمة، مما يعني أن مصر تعاقدت على مفاعلات سوف تكون قديمة بمجرد تشغيلها

ومن أهم عيوبها أن تصميماتها تستخدم 3٪ فقط من ذرات اليورانيوم في التفاعلات الانشطارية، وتترك النسبة الباقية كنفايات مشعة.

وقد أنشئ منتدى لمفاعلات الجيل الرابع (Generation IV International Forum) عام 2001 ويضم 13 دولة، منها الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والصين والبرازيل وكندا واليابان وجنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية وغيرها.

وتتعاون هذه الدول في تطوير ستة تصميمات مختلفة لمفاعلات الجيل الرابع، وتم اختيار هذه التصميمات الستة من بين مئة تصميم مقدم من كافة الدول الأعضاء بعد أن تمت دراستها بعناية فائقة.

وتعمل أربعة من هذه التصميمات بالنيوترونات السريعة، كما تعمل في درجات حرارة أعلى من مفاعلات الجيل الثالث، ومن مزاياها أيضا أنها يمكن أن تنتج الهيدروجين بالإضافة الى الكهرباء.

وتتميز التصميمات الستة بالكفاءة والاستدامة والاقتصاد في الوقود والتكاليف والسلامة وتحمل المخاطر الكبيرة، كما أن الحرارة التي تتولد عنها تتراوح بين 850 و950 درجة مئوية.

وعلى رأس هذه التصميمات الستة -بالإضافة إلى المفاعل الروسي سابق الذكر- ما تعرف بالمفاعلات الصغيرة التركيبية (Small Modular Reactors).

وتتميز هذه المفاعلات بقلة التكاليف، والقدرة على تصنيعها في مكان ونقلها وتجميعها في مكان آخر، وسرعة بنائها وزيادة الأمن والسلامة مقارنة بالمفاعلات التقليدية.

وغالبا ما تقل طاقتها عن خمسمئة ميغاوات مقارنة بالمفاعلات التقليدية التي غالبا ما تزيد طاقتها على غيغاوات واحد.

وينتمي إلى هذه النوعية أيضا المفاعل الياباني (4S) والمفاعل الروسي (KLT-40) والمفاعل الجنوب أفريقي (PBMR) والمفاعل الكندي (IMSR).

وهذا الأخير طاقته من عشرين إلى 290 ميغاواتا في الساعة، وكان يمكن التعاقد على مثل هذه المفاعلات الصغيرة وتوزيعها على أنحاء مصر لتقليل المخاطر الناجمة عن انفجار المفاعلات الكبيرة أو ضربها من قبل الأعداء أو الجماعات الإرهابي، فبناء أربعة مفاعلات في مكان واحد يعتبر مخاطرة كبيرة نظرا لتزايد المخاطر الخارجية والداخلية.

وإن مفاعلات جميع دول العالم -بما فيها إسرائيل وإيران- موزعة على مناطق متفرقة ولا يتم الإعلان عن مكانها وليست مركزة في مكان واحد كما تخطط مصر.

ومن خصائص تصميمات الجيل القادم من المفاعلات النووية أن إنتاج الطاقة الكهربائية سوف يتضاعف من مئة إلى ثلاثمئة مرة لنفس كمية الوقود النووي، كما أن 30٪ من حرارة المفاعلات يمكن أن تستخدم في إنتاج الهيدروجين عن طريق التحليل الكهربائي تحت درجة حرارة مرتفعة جدا.

وإذا استخدمت المفاعلات التركيبية الصغيرة -التي توزع على مناطق مختلفة- فإن الهيدروجين والحرارة المتولدين من المفاعل يمكن استخدامهما في تدفئة البيوت وتشغيل المطاعم وتشغيل المصانع وكوقود للسيارات وغيرها من الاستخدامات.

أضف الى ذلك أن عملية التبريد في خمسة تصميمات لا تعتمد على الماء، بل تستخدم الهيليوم أو الصوديوم أو الرصاص المصهور في التبريد، مما يعتبر حافزا لبنائها بعيدا عن الساحل في جوف الصحراء لحمايتها من الاعتداءات.

ويبلغ عمر مفاعلات الجيل الرابع ستين عاما، بينما عمر مفاعلات الجيل الثالث أربعون عاما فقط، أضف إلى ذلك أن كفاءة مفاعلات الجيل الرابع تزيد بمقدار يتراوح بين 40% و65%، علاوة على ذلك أن مفاعلات الجيل الرابع سوف تكون أكثر أمانا.

هناك مخاوف كبيرة بخصوص جاهزية الكفاءات المصرية الحالية لإدارة المفاعلات النووية، فكوادر الهيئة القومية المصرية للاستشعار عن بعد فقدت الاتصال بقمرين صناعيين في الأعوام الخمسة السابقة

ومن مزاياها أيضا أن المخلفات النووية سوف تتم إعادة استخدامها كوقود نووي في دورات لاحقة، مما يقلل المخلفات النووية بشكل كبير لدرجة أن البعض اعتبر مفاعلات الجيل الرابع من مصادر الطاقة المتجددة بسبب هذه الخاصية. 

لذلك كان يجب على المفاوض المصري التعاقد على مفاعلات الجيل الرابع أو على الأقل التعاقد على اثنين من الجيل الثالث، واثنين من الجيل الرابع لأن مفاعلات الجيل الثالث سوف يتوقف بناء الجديد منها عام 2020 نظرا لمخاطرها وعدم كفاءتها.

ومما يذكر أن الصين بدأت في بناء المفاعل (HTR-PM) عام 2013 وهو من الجيل الرابع.

أوروبا تستبدل المتجددة بالطاقة النووية
شهد العقد الماضي انخفاضا كبيرا في تكلفة مصادر الطاقة المتجددة وزيادة كبيرة في كفاءتها، مما جعلها تنافس مصادر الطاقة النووية.

فقد ذكر موقع إنيرجي إنوفاشن (energyinnovation.org) أن متوسط تكلفة طاقة الرياح انخفض من 135 دولارا لكل ميغاوات في عام 2009 إلى 59 دولارا في عام 2014، أي انخفض بنسبة 56% في غضون خمس سنوات، فقد تم تطوير توربينات للرياح باستخدام تصميمات محركات الطيران القادرة على استخلاص أكبر قدر ممكن من الطاقة من كل عاصفة من الرياح.

كما انخفضت تكلفة توليد الكهرباء من طريق الطاقة الشمسية من 359 دولارا عام 2009 إلى 79 دولارا عام 2014، أي أن تكلفة الطاقة الشمسية انخفضت بنسبة 78% في خمس سنوات فقط.

وبالمثل، انخفضت تكلفة طاقة الحيوية لتصل إلى 102 دولار للميغاوات، بينما ظلت تكلفة الطاقة النووية 123 دولارا للميغاوات، أي أن هناك ثلاثة مصادر متجددة أقل تكلفة من الطاقة النووية، علاوة على أن تكاليف إنتاج الطاقة المتجددة في انخفاض مستمر. 

والعامل المهم أن التكاليف الباهظة للتخلص من النفايات النووية وقدرتها على التلوث الإشعاعي لمئات السنين تعطي للطاقة المتجددة ميزة تنافسية كبرى.

وعليه، فإن كارثة فوكوشيما النووية وانخفاض تكلفة الطاقة المتجددة وضغوط جماعات حماية البيئة اضطرت معظم الدول الأوروبية لاستبدال طاقة الرياح والطاقة الشمسية بالطاقة النووية على الرغم من انخفاض معدل سطوع الشمس في هذه الدول.

فعلى سبيل المثال، أصبحت طاقة الرياح توفر ثلث حاجة الدانمارك من الكهرباء، وهي تخطط لزيادة هذه النسبة إلى 50% بحلول عام 2020، فقد أنشأت مزرعة طاقة الرياح "أنهولت 111 التوربينات" (111-turbine Anholt farm) وهي توفر نحو 1.27 غيغاوات من الطاقة، وهو ما يكفي لتشغيل أكثر من مليون منزل. 

وطبقا لصحيفة "بيزنيس إنسايدر" فقد أغلقت ألمانيا ثمانية مفاعلات وسوف تغلق التسعة الأخرى بحلول عام 2022، كما قررت فرنسا تقليل اعتمادها على الطاقة النووية لتنخفض من 75% إلى 50%.

وتخطط بلجيكا لإغلاق مفاعلين هذا العام وسوف تغلق الخمسة الباقية بحلول عام 2025، وبالمثل تعتزم إسبانيا غلق المفاعلات النووية الثمانية لديها واستبدال مصادر طاقة الرياح والطاقة الشمسية بها.

لذلك كان يمكن لمصر تنويع مصادر الطاقة بين الطاقة المتجددة والطاقة النووية، خصوصا أن مصادر الطاقة المتجددة متوفرة في مصر، بينما هي لا تملك احتياطات لليورانيوم، فبناء أربعة مفاعلات نووية سوف يجعل مصر تعتمد بشكل كبير على الطاقة النووية ومن الصعب توفير موارد مالية لاستثمارها في الطاقة المتجددة بالمستقبل القريب.

إن الاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح يعتبر بديلا آمنا ومثاليا بالنظر لوفرة مصادرهما في مصر وانخفاض جاهزية الكوادر المصرية لتشغيل المفاعلات النووية وقلة تكاليف كل من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح

جاهزية مصر للتكنولوجيا النووية
هناك مخاوف كبيرة بخصوص جاهزية الكفاءات المصرية الحالية لإدارة المفاعلات النووية، فكوادر الهيئة القومية المصرية للاستشعار عن بعد فقدت الاتصال بقمرين صناعيين في الأعوام الخمسة السابقة.

وتحديدا، لقد فقد الاتصال بالقمر الصناعي إيجيبت سات-1 في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2010، وتم استبدال القمر إيجيبت سات-2 به في أبريل/نيسان 2014 الذي فقدت السلطات الاتصال به أيضا في أبريل/نيسان من العام الحالي.

أضف إلى ذلك أن فضيحة علاج مرض الإيدز وفيروسات الكبد الذي تبناه الجيش ما زالت عالقة في أذهان المصريين.

لذلك فإن الاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح يعتبر بديلا آمنا ومثاليا بالنظر لوفرة مصادرهما في مصر وانخفاض جاهزية الكوادر المصرية لتشغيل المفاعلات النووية وقلة تكاليف كل من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح مقارنة بتكلفة الطاقة النووية.

إن استخدام الطاقة النووية سوف يجعل مصر أسيرة وتابعة لروسيا لاعتمادها عليها في استيراد الوقود النووي وقطع الغيار وأعمال الصيانة والتدريب والتمويل وغيرها، وسوف تقترض من روسيا 17 مليار دولار مما يجعلها أكبر دائن لها.
ـــــــــــــــــــــــ
أكاديمي مختص في اقتصاد الشبكات

المصدر : الجزيرة